جُــودِي بـمـا شـئتِ مـن ذوْبِ الأسَـى جُـودِي

الشاعر: علي الجارم · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

جُــودِي بـمـا شـئتِ مـن ذوْبِ الأسَـى جُـودِي — أوْدَتْ صُــروفُ الليــالي بــابــنِ مــحـمـودِ

أوْدَتْ بــأشــجــعِ مــن حَــفّ الرّعــيــلُ بــه — يــومَ النِّضــالِ ومَــنْ نــادَى ومَــن نــودي

أوْدَتْ بـــمـــن تــعــرفُ الســاحــاتُ كَــرّتَه — إذا تـــنـــكَّبـــَ عـــنـــهـــا كـــلُّ مَـــزْءود

ويـــشـــهـــدُ الحـــقُّ أنّ الحــقَّ فــي يــدهِ — ســيــفٌ يــروُعُ المــنــايـا غـيـرُ مـغـمـود

دعـــتـــه مـــصـــرُ وللأحـــداثِ مَـــلْحَــمــةٌ — والخــطــبُ مــا بــيــنَ تَهْــدارٍ وتــهـديـد

وأنــفــسُ النــاسِ فــي ضــيــقٍ وفــي كـمـدٍ — كـــأنّهـــا زفـــرةٌ فـــي صـــدرِ مـــعــمــود

حــــيــــرَى تـــلوذُ بـــآمـــالٍ مـــحـــطَّمـــةٍ — كـــمـــا يـــلوذُ غـــريــمٌ بــالمــواعــيــد

طــارت شَــعــاعـاً وهَـوْلاً مـثـلمـا عـصـفـت — هُـوجُ الريـاحِ بـرمـلِ البـيـدِ فـي البـيدِ

والجـــوُّ أكْـــلَفُ والدنـــيـــا مُـــقـــطِّبــةٌ — أيّــامُهـا البـيـضُ مـن ليـلاتـهـا السّـود

ومــــصــــرُ ليـــس لهـــا حِـــصْـــنٌ ولا وَزَرٌ — إلاّ الغَــطــاريـفَ مـن أبـنـائهـا الصِّيـد

لهـــا ســـلاحٌ مـــن الإيِـــمــانِ تــشــرَعُه — يـــنـــبـــو له كـــلُّم صـــقـــولٍ ومــحــدود

فـــجـــاءهــا خــالديَّ العــزمِ فــي نــفــرٍ — شـــمِّ الأُنـــوفِ صـــنـــاديــدٍ مــنــاجــيــد

مـــن كـــلِّ أرْوعَ عُــنــوانُ الجــهــادِ بــه — قـــلبٌ ركـــيـــنٌ ورأيٌ غـــيـــرُ مـــخــضــود

جـــاءوا يـــزاحـــمُهـــم عــزمٌ وتــفــديــةٌ — كـــمـــا تـــصـــادم جُـــلْمـــودٌ بــجــلمــود

كــأنّهــم حــيــنــمــا شــدّوا لغــايــتـهـم — ســهــمُ المــقــاديــرِ فـي قـصـدٍ وتـسـديـدِ

صـــدورُهـــم بـــلقـــاء الهـــوْلِ شـــاهــدةٌ — والطعنُ في الظهرِ غيرُ الطعنِ في الجِيد

جــادوا لمــصــرَ وفــدَّوْهــا بــأنــفــسـهـم — والجــودُ بـالنـفـسِ أقـصَـى غـايـةِ الجـود

كــم هــشــمَّ الدهــرُ مــن ســنٍّ ليـعـجُـمَهـم — ولم تـــزَلْ فـــي يـــديْه نَـــضْــرةُ العــود

إن الذي خــــلق الأبــــطــــالَ صـــوَّرهـــم — مــن ثَـوْرة البـحـرِ أو بـأسِ الصـيـاخـيـد

يـمـشـي الشـجـاعُ لحـد السـيـف مـبـتـسـماً — ويـــرهَـــبُ الغِــمــدَ ذُعــراً كــلُّ رِعْــديــد

كــم هــمّــةٍ تــفــرَع الأجــبــال ســامـقـةً — وهــــمــــةٍ ركــــدت بـــيـــن الأخـــاديـــدِ

وكــم فــتــىً تــســبِــقُ الأيــامَ وثــبــتُه — وللبــــطــــولةِ أفْــــقٌ غـــيـــرُ مـــحـــدود

وخـــامـــلٍ مـــا لآثـــارِ الحـــيـــاة بــه — إلاّ ورودُ اســـمـــه بـــيـــنَ المــواليــدِ

ومـــيّـــتٍ بــعــث الدنــيــا وعــاش بــهــا — مـــا كـــلُّ مـــن ضـــمّه قــبــرٌ بــمــلحــود

ســبــحــانــك اللّه إن تــحــرم فـتـزكـيـةٌ — وإن تُـــثِـــبْ فـــعـــطــاءٌ غــيــرُ مــحــدود

تــعـطـي النـفـوسَ عـلى مـقـدارِ جـوْهـرِهـا — مــا كــان لليــثِ مــنــهــا ليــس للســيِّد

والمـــجـــدُ عَـــزْمـــةُ أبـــطـــالِ مــســدَّدةٌ — بـــريـــئةٌ النـــصـــلِ مــن شــكٍّ وتــرديــد

وللعــلا مــن صــفــات الغِــيــدِ أنّ لهــا — دَلاً يـــروِّع تـــقـــريـــبــاً بــتــبــعــيــد

جــاءوا إليــك كــمــوجِ البــحــرِ عُـدَّتُهـم — رأيٌ أصــــيـــلٌ وصـــدرٌ غـــيـــرُ مـــفـــئودِ

فَـــقُـــدْتَهـــم غـــيـــرَ هـــيّــابٍ ولاَ فَــزعٍ — إلى لواءٍ بــــحــــبـــلِ اللّه مـــعـــقـــود

تـمـشـي بـهـم فـي فـيـافي الشوْكِ معتزماً — مـن يـطـلب المـجـدَ لا يـبـخـلْ بـمـجـهـودِ

لا يــســتــبــيــك ســوى مـصـرٍ ونـهـضـتِهـا — فـــكـــل شــيــءٍ ســواهــا غــيــرُ مــوجــود

مــن يـقـصـد النـجـمَ فـي عُـلْيـا سـمـاوتِه — نـــأى بـــجـــانـــبِه عـــن كـــلِّ مــقــصــود

وراءك الركــــبُ فـــي يـــأسٍ وفـــي أمـــلٍ — لمـــا يـــروْن وتـــصـــديـــقٍ وتـــفــنــيــد

تـحـنـو عـلى ضـعـفِ مـن طـال الطـريـقُ به — حــــنــــانَ والدةٍ ثَــــكْــــلَى بــــمــــولود

وتــلمَــحُ الأفْــقَ هـل بـالأفْـقِ مـن نـبـأٍ — وهـــل مـــن الدهـــر إنـــجــازٌ لمــوعــودِ

وهـــل طـــيــوفُ الأمــانــي وهــي حــائرةٌ — تــدنــو بــطــيــفٍ مــن الآمــالِ مــنـشـود

وهــل تــرىَ مـصـرُ صُـبـحـاً بـعـدَ ليـلتـهـا — وهـــل تـــقَــرُّ عُــيــونٌ بــعــدَ تــســهــيــد

وهــل لمــعــتَــقــلٍ فــي البـحـرِ مـن أمـلٍ — فــي أن يَــرَى قــومَه مــن بــعـدِ تـشـريـد

حــتــى بــدت غُــرّةُ الدُسْــتــورِ عــن كَـثَـبِ — كــمــا تـبـدّى هـلالُ العِـيـدِ فـي العـيـد

فــأرســلتْ مـصـرُ بـنـتُ النـيـل مـن دمِهـا — وَرداً تَـــزيـــنُ بـــه هـــامَ الصــنــاديــد

وصــفَّقــت لحُــمــاةِ الغِــيــلِ تُــنــشــدُهــم — مـــن البـــطــولةِ مــأثــورَ الأنــاشــيــد

والنـــاسُ بـــيــنَ بــشــاشــاتٍ وتــهــنــئةٍ — وبــيــنَ شــكــرٍ وتــكــبــيــرٍ وتــحــمــيــد

جــاء الزمــانُ فــلا قــوْلٌ بــمــمــتــنــعٍ — عـــلى اللســـانِ ولا حـــرٌّ بـــمـــصـــفــود

وأشـــرقَ الصـــبـــحُ والدنـــيــا مــهــلِّلَةٌ — كــــأنّه بَــــســــمـــاتُ الخُـــرّدِ الغِـــيـــد

مــن يــنــصــرِ اللّه لا جَــوْرٌ يُـجـيـدُ بـه — عـــن الطـــريـــق ولا جَهْـــدٌ بــمــفــقــود

ســيــكـتُـبُ الدهـرُ فـليـكـتـبْ فـليـس يَـرَى — إلا صـــحـــائفَ تـــشـــريـــفٍ وتـــمــجــيــدِ

نَـــمَـــتْ خـــلائقُه فـــي بــيــتِ مَــكْــرُمــةٍ — فــي سُــوحِهِ المــجـدُ فـيـنـانُ الأمـاليـد

بـــيـــتٌ دعـــائمـــهُ نُـــبْـــلٌ وتــضــحــيــةٌ — إذا بــنــى النــاسُ مـن صـخـرٍ ومـن شِـيـد

وســـار فـــي سَـــنَـــن الآبـــاءَ مـــتّــئِداً — أمـــرٌ مـــطـــاعٌـــن ورأيٌ غـــيـــرُ مــردود

وهـــمّـــةٌ تـــتـــأبّـــى أن يُـــقـــال لهـــا — إن جــازتِ النـجـمَ فـي مـسـعـاتِهـا عـودِي

تــــجـــرّدت لصـــعـــابِ الدهـــرِ واثـــبـــةً — وَيْــلَ المــصــاعــبِ مــن عــزمٍ وتــجــريــد

وفـــكـــرةٌ لو تــمــشّــت نــحــوَ مــعــضــلةٍ — صـــفـــت مــواردُهــا مــن كــلِّ تــعــقــيــد

وعــــزّةٌ نــــظــــرت للكــــونِ مِــــن شَــــرَفٍ — عـــالٍ يـــعِـــزُّ عـــلى رَقْـــيٍ وتـــصــعــيــد

قـالوا هـي الكِـبْـرُ قـلتُ الكـبـر مَـحْمَدةٌ — إذا تــســامــيــتَ عــمّــا بــالعـلا يـودِي

تــرنــو إليــه فــتُــغــضِـي مـن مـهـابـتـهِ — فــالطــرفُ مــا بــيــنَ مــوصــولٍ ومـصـدود

خــاض الســيــاســةَ نــفّـاذَ الذكـاءِ فـمـا — رأْيٌ بــــنــــابٍ ولا عــــزمٌ بــــمـــكـــدود

فـــكـــم له وقــفــةٌ فــيــهــا مــجــلجِــلةٌ — وكــم مــقــامٍ عــزيــزِ النــصــر مــشـهـود

وكــان خــصــمـاً شـريـفَ الصـدرِ مـرتـفـعـاً — عـــن الدنـــيّـــاتِ إنْ عـــادَى وإنْ عــودي

فـــاســـألْ مُــنــاصــرَه أو سَــلْ مــخــالفَه — فــليــس فــضــلُ ابــنِ مــحـمـودٍ بـمـجـحـود

لمَّاــ رمَــى زُخْــرُفَ الدنــيــا وبــاطـلَهـا — ألقــتْ إليــه المــعــالي بــالمــقـاليـد

خــــذِ الرثـــاءَ نُـــوحـــاً مـــلؤُه شَـــجَـــنٌ — لم تـــبـــقَ بـــعـــدَكَ أدواحٌ لتــغــريــدي

مــا فــي يــدي غــيــرُ أوتــارٍ مــحــطَّمــةٍ — يـبـكـي لهـا العُودُ أو تبكي على العودِ

وكـــلُّ جـــمـــعٍ إلى بَـــيْـــنٍ وتـــفـــرقـــةٍ — وكــــلُّ شــــمــــلٍ إلى نـــأْيٍ وتـــبـــديـــد

أمــســت تــجــاليــدُه فــي جــوْفِ مــظـلمـةٍ — كـــم صَـــوْلةٍ وإبـــاءٍ فـــي التــجــاليــد

نَــمْ مــلءَ جـفـنـيْـكَ فـي رُحْـمَـي ومـغـفـرةٍ — ووارفٍ مـــــن ظـــــلالِ اللّه مـــــمـــــدودِ

إنّ البـــطـــولةَ والأجـــســـادُ فــانــيــةٌ — تــبـقَـى عـلى الدهـر فـي بـعـثٍ وتـجـديـد

لم يَــخْــلُ مــنــكَ مــكــانٌ قـد تـركـتَ بـه — مــا يــمــلأُ الأرضَ مــن ذكــرٍ وتــخـليـد

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الرعيل: الرَّعِيلُ : الجماعةُ القليلةُ من الرِّجالِ أو الخيل أو التي تتقدَّم غيرها؛ هو من الرَّعيلِ الأوّل أي من السَّابقين/ أَرَاعِيلُ الرِّياحِ، هي أوائلهاج رِعالٌ وأَرْعَالٌ جج أَرَاعِيلُ.
  • النضال: النِّضَالُ : مصـ. -: الدِّفاع؛ نضالٌ من أجل الحريّة.
  • تنكب: تَنكَّبَ يَتَنَكَّبُ تَنَكُّبًا :- عنه: مال؛ تنكب عن جادة الصواب/ تنكب الخطرَ، أي تحاشاه.- على الشيءِ: اتَّكأ عليه؛ تنكَّب على عصاه.- ـه: أعرض عنه؛ تنكَّبه ولم يستمع لنصائحه.- الشيءَ: أَلقاه على منكبه، أي كتفه؛ تنكب بندق …
  • جودي: جود: الجَيِّد: نَقِيضُ الرَّدِيءِ، عَلَى فَيْعِلٍ، وأَصله جَيْوِد فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِهَا وَمُجَاوَرَتِهَا الْيَاءَ، ثُمَّ أُدغمت الْيَاءُ الزَّائِدَةُ فِيهَا، وَالْجَمْعُ جِياد، وَجِيَادَاتٌ جَمْعُ الْ …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة