مَلَّ مِنْ وَجْدِهِ وَمِنْ فَرْطِ مَا بِهْ
الشاعر: علي الجارم · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَلَّ مِنْ وَجْدِهِ وَمِنْ فَرْطِ مَا بِهْ ... وَأرَاقَ الشَّرَابَ مِـــــــــــنْ أَكْـــــــــــوَابِهْ
وَإذَا الْقَــــلْبُ أَظْمَأَتْهُ الأَمَانِيُّ ... فَـــــمَـــــاذَا يُــــرِيــــدُهُ مِــــنْ شَــــرَابِهْ
وَإِذَا النَّفْسُ لَمْ تَكُنْ مَنْبِتَ الأُنسِ ... تَــــنَاءَى الْقرِيبُ مِنْ أَسْبَابِهْ
وَأَشَدُّ الآلاَمِ أَنْ تُلْزِمَ الثَّغْرَ ابتسَاماً ... والْقَــــــــلْبُ رَهْــــــــنُ اكـــــــتِـــــــئَابِهْ
كُلَّما اخْتَالَ فِي الزَّمانِ شَبَابٌ ... عَــــصــــفَــــتْ رِيــــحُهُ بِــــلَدْنِ شَبَابِهْ
وَالنُّبُوغُ النُّبُوغُ يَمْضِي وَتَمْضِي ... كـــــلُّ آمَـــــالِ قَـــــوْمِهِ فِـــــي رِكَــــابِهْ
غَــــرِدٌ مَــــا يــــكَــــادُ يَــــصْدَحُ حَتَّى ... يُسْكِتَ الدَّهْرُ صَوْتَهُ بِنُعَابِهْ
وَحَـــــبَـــــابٌ إِذَا عَـــــلاَ الْمَـــــاءَ وَلَّى ... فَاسْأَلِ الْمَاءَ هَلْ دَرَى بِحَبَابِهْ
وَسَــــفِينٌ مَا شَارَفَ الشَّطَّ حَتَّى ... مـــــزَّقَ الْيَـــــمُّ دُسْــــرَهُ بِــــعُــــبَــــابِهْ
بَخِلَ الدَّهْرُ أَنْ يُطَوِّلَ لِلْعَقْلِ ... فَـــــــيَـــــــجْـــــــرِي إلَى مَـــــــدَى آرَابِهْ
كــــلَّمَا سَارَ خُطْوَةً وَقَفَ الْمَوْ ... تُ فَـــــسَـــــدَّ الطَّرِيـــــقَ عَـــــنْ طُــــلاَّبِهْ
وَابْتِدَاءُ الْكَمَالِ في عَمَلِ الْعَا ... مِــــلِ بَــــدْءُ الشَّكــــاةِ مِــــنْ أَوْصَــــابِهْ
ضِلَّةً نَكْتُمُ الْمَشِيبَ فَيَبْدُو ... ضَاحِكاً سَاخِراً خِلاَلَ خِضَابِهْ
أَيْنَ مَنْ يَسْتَطيعُ أَنْ يُرْشِدَ الدُّنيا ... وَسَــــوْطُ الْمَــــنُــــون فــــي أَعْــــقَــــابِهْ
أَيُّهـــــَا الْمَـــــوْتُ أَمْهِــــلِ الْكَــــاتِــــبَ ... الْمِسْكِينَ يُرْسلْ أَنْفَاسَه في كِتابِهْ
آهِ لَوْ يَشْتَري الزَّمَانُ قَرِيضي ... بِسِنينٍ تُعَدُّ لِي في حِسَابِهْ
مَا حَيَاتِي وَالْكَوْنُ بَعْدَ جِهَادٍ ... لَمْ أَزَلْ وَاقِـــــفـــــاً عَـــــلَى أبْـــــوابِهْ
تَظْمَأُ النَّفْسُ في حَيَاةٍ هِيَ الْقَفْرُ ... فَـــــرْضَـــــى بِـــــنَهْـــــلَةٍ مِــــنْ سَــــرَابِهْ
أنَا قَلْبِي مِنَ الشَّبَابِ وَجِسْمِي ... أَثْـــــخـــــنَ الشَّيــــْبُ رَأْسَهُ بِــــحِــــرَابِهْ
أَمَلٌ هَذِهِ الْحَياةُ فَهَلْ يَعْثُرُ بِي ... الْمَــــــــــوتُ دُونَ وَشْـــــــــك طِـــــــــلاَبِهْ
كُلَّمَا رُمْتُ لَمْحَةً مِنْ سَنَاهُ ... هَــــالَنِــــي بُــــعْدُهُ وَطُولُ شِعَابِهْ
مَا الَّذِي تَبْتَغِي يَدُ الدَّهْرِ مِنِّي ... وَدَمِــــــي لا يَــــــزَالُ مِـــــلءَ لُعَـــــابِهْ
دَعْ يَرَاعِي يا دَهْرُ يَمْلأ سَمْعَ النَّيِل ... مِــــــــنْ شَــــــــدْوِهِ وَعَـــــــزْفِ رَبَـــــــابِهْ
كُلُّ شَيْءٍِ لهُ نِصَابٌ سِوَى الْفَنِّ ... فَــــلاَ حَــــدَّ يَــــنْــــتَهِــــي لِنِــــصَــــابِهْ
عَصَفَتْ صَيْحَةُ الرَّدَى بِخطِيبٍ ... وَهْوَ لَمْ يَعْدُ صَفْحَةً مِنْ خِطَابِهْ
سَكْتَةٌ أسْكَتَتْ نَشِيجَ خِضَمٍ ... عَـــــقَـــــدَ النَّوْءُ لُجَّهــــُ بِــــسَــــحَــــابِهْ
سَكْتَةٌ أَطْفَأَتْ مَنَارَ طَرِيقٍ ... كَمْ مَشَتْ مِصْرُ في ضِيَاءِ شِهَابِهْ
وَمَــــضــــى قَــــاسِــــمٌ وَخَــــلُّف مَــــجْــــدّاً ... تَفْرَعُ النَّجْمَ رَاسِيَاتُ قِبَابِهْ
قَدْ نَكِرْنَاهُ حِين قَامَ يُنَادِي ... وَفَهِمْنَا مَعْنَاهُ يَوْمَ احْتِسَابِهْ
رُبَّ مَنْ كُنْتَ في الْحَيَاةِ لَهُ حَرْ ... باً شَقَقْتَ الْجُيُوبَ عِنْدَ غِيابِهْ
وَتَـــــحـــــدَّيْــــتَ شَــــمْــــسَهُ فَــــإِذا وَلَّى ... تَــــمــــنَّيــــْتَ لَمْــــحَةً مِنْ ضَبَابِهْ
لَمْ يَــــفُــــزْ مِنْكَ مَرَُّّةً بِثنَاءٍ ... فَــــنَــــثَرْتَ الأزْهَارَ فَوْقَ تُرَابِهْ
يُعْرَفُ الْوَرْدُ حِينَمَا يَنْقَضِي الصَّيْفُ ... وَيُــــبْكي النُّبُوغُ بَعْدَ ذَهَابِهْ
كَمْ نَدَبْنَا الشَّبَابَ حِينَ تَولى ... وَشُغِفْنَا بالْبَدْرِ بَعْدَ احْتِجَابِهْ
كَتَبَ اللّهُ أَنْ يَعَيشَ غَريباً ... كُـــــلُّ ذِي دَعْـــــوَةٍ إلى الْحَــــقِّ نَــــابِهْ
لا تَـــــرَى فَـــــوْقَ قِــــمَّةــــِ الطَّوْدِ إِلاَّ ... بَــــطَــــلاً لا يَهَــــابُ هَــــوْلَ صِعَابِهْ
كُــــلُّ ذَاتِ الْجَــــنَــــاحِ طَــــيْرٌ وَلَكِنْ ... عَــــرَفَ الْجَــــوُّ نَــــســــرَهُ مِن غُرَابِهْ
كَمْ رَأَيْنا في النَّاسِ مَن يَبْهَرُ الْعَيْنَ ... وَمَا فِيهِ غَيْرُ حُسْنِ ثِيابِهْ
يَـــــمْـــــلأُ الأرضَ وَالسَّمـــــاءَ رِيَـــــاءً ... وَعُــــيُــــوبُ الزَّمَــــانِ مِــــلءُ عِيابِهْ
نَــــقَــــدَ النَّاــــسَ قَاسِماً فَرَأَوْهُ ... أَصبَرَ النَّاسِ في تجَرُّعِ صَابِهْ
حُجَّةُ الْجَاهِلِ الْمِرَاءُ فَإِنْ شَا ... ءَ سُــــمُــــوّاً أَمَــــدَّهَــــا بِــــسِــــبَــــابِهْ
قَدْ يُغَشِّيـ الْوِجْدَانُ بَاصِرَةَ الْعَقْلِ ... فَــــيُــــعْمِيِه عَنْ طَرِيقِ صَوَابِهْ
صَالَ بِالرَّأْيِ قَاسِمٌ لاَ يُبَالِي ... ومَــــضَــــى فِــــي طَريقِهِ غَيْرَ آبِهْ
كمْ جَريءٍ لا يَرْهَبُ السَّيْفَ إنْ سُلَّ ... وَنِـــــكْـــــسٍ يَـــــخـــــافُ مَـــــسَّ قِـــــرَابِهْ
وَالشُجَاعُ الَّذي يُجَاهِرُ بِالْحَقِّ ... وَلَوْ كَــــــانَ فِـــــيـــــهِ مُـــــرُّ عَـــــذَابِهْ
كَيْفَ يَهْدِي النَّصِيحُ إِنْ ريعَ يَوْماً ... مِنْ قِلَى مَنْ يُحِبُّ أَوْ إِغْضَابِهْ
وَطَريقُ الإِصْلاَحِ في كُلِّ شَعْبٍ ... عَسِرُ الْمُرْتقَى عَلَى مُجْتَابِهْ
يَــــعْــــشَــــقُ الشُّعــــْبُ مِنْ يُدَلِّلُهُ زُو ... راً بِــــمَــــذْقٍ مِــــنْ سُــــخْفِهِ وَكِذَابِهْ
قُمْتَ لِلْجَهْلِ تَقْلِمُ الظُّفْرَ مِنْهُ ... وَتَــــفُــــضُّ الْحِــــدَادَ مِــــنْ أنْــــيَــــابِهْ
فِي زَمَانٍ كَانَ الْقَديِمُ بِهِ قُدْ ... ساً يُذَادُ الْجَدِيدُ عَنْ مِحْرَابِهْ
يَا نَصِيرَ النِّسَاءِ وَالدِّينُ سَمْحٌ ... لَوْ وَعَـــــيْـــــنَـــــا السَّرِيَّ مِـــــنْ آدَابِهْ
قَدْ خَشِينَا عَلَى الْحَمائِمِ في الدَّوْ ... حِ أَظَــــافِــــيــــرَ بَــــازِهِ أَوْ عُقَابِهْ
إِنْ أَرَدْتَ الظِّبَاءَ تَمْرَحُ فِي السَّهْلِ ... فَـــــــطَهِّرْ أَكْـــــــنَــــــافَهُ مِــــــنْ ذِئابِهْ
كَمْ ضِرَاءٍ وَسْطَ الْمَدَائِنِ أَنْكى ... مِنْ ضِرَاءِ الضِّرْغَامِ في وَسْطِ غَابِهْ
وَشِــــبَــــاكٍ مِنَ الْجَرائِمِ وَالْختْلِ ... حَوَاهَا شَيْطانُهُمْ فِي جِرَابِهْ
وَإذَا مَا الْحَيَاءُ لَمْ يَسْتُرِ الْحُسْنَ ... فَــــمَــــاذَا يُفِيدُهُ مِنْ نِقَابِهْ
قُمْتَ تَدْعُو الْبَنَاتِ لِلْعِلْمِ فَانْظُرْ ... كَيْفَ حَلَّقْنَ فَوْقَ شُمِّ هِضَابِهْ
وَزَهَا النِّيلُ بابْنَةِ النِّيلِ فَاخْتَا ... لَ يَــــجُــــرُّ الذُّيُــــولَ مِــــنْ إِعجَابِهْ
وَغَدَا الْبَيْتُ جَنَّةً بِالَّتي فِيهِ ... خَصِيباً بِالأُنْسِ بَعْدَ يَبَابِه
يَا فَتَى الْكُرْدِ كَمْ بَرَزْتَ رِجَالاً ... مِن صَميمِ الْحِمَى وَمِنْ أَعرَابِه
نَسَبُ الْمَرْءِ مَا يَعُدُّ مِنَ الأْعمَالِ ... لا مَـــــا يَـــــعُـــــدُّ مِـــــنْ أَنْــــسَــــابِه
كَــــمْ سُــــؤَالٍ بَــــعَثْتَ إِثْرَ سُؤَالٍ ... أَيْقَظَ النَّائِمينَ رَجْعُ جَوَابِه
كُنْتَ فِي الْحَقِّ لِلإِمَام نَصِيراً ... وَالْوَفِـــــيَّ الصَّفـــــِيَّ مِــــنْ أَصْــــحَــــابِه
نَمْ هنِيئاً فَمِصْرُ نَالَتْ ذُرَا الْمَجْدِ ... وَفَــــــازَتْ بِــــــمَــــــحْــــــضِهِ وَلُبَــــــابِه
مِنْكَ عَزْمُ الدَّاعي وَفَضْلُ الْمُجَلِّي ... وَمِــــنَ اللّهِ مَــــا تَــــرَى مِنْ ثَوَابِه
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اختال: ختل: الخَتْل: تَخادُعٌ عَنْ غَفْلَةٍ. خَتَلَهُ يَخْتُلُهُ ويَخْتِلُهُ خَتْلًا وخَتَلاناً وخَاتَلَهُ: خَدَعه عَنْ غَفْلة؛ قَالَ رُوَيْسٌ: دَهَاني بِسِتٍّ، كُلُّهنَّ حَبِيبةٌ ... إِليَّ، وَكَانَ الموتُ ذَا خَتَلانِ والتَّخ … (لسان العرب)
- النبوغ: نبغ: نَبَغَ الدَّقِيقُ مِنْ خَصاصِ المُنْخُلِ يَنْبُغُ: خَرَجَ، وَتَقُولُ: أَنْبَغْتُه فَنَبَغَ. ونَبَغَ الوِعاءُ بالدَّقِيقِ إِذَا كَانَ دَقِيقاً فَتَطايَرَ مِنْ خَصاصِ ما رَقَّ مِنْهُ. ونَبَغَ الماءُ ونَبَعَ بِمَعْنًى … (لسان العرب)
- بحبابه: حبب: الحُبُّ: نَقِيضُ البُغْضِ. والحُبُّ: الودادُ والمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الحِبُّ بِالْكَسْرِ. وحُكِي عَنْ خَالِدِ بْنِ نَضْلَة: مَا هَذَا الحِبُّ الطارِقُ؟ وأَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبٌّ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَ … (لسان العرب)
- بلدن: لدن: اللَّدْنُ: اللّيِّنُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ عُودٍ أَو حَبْلٍ أَو خُلُقٍ، والأُنثى لَدْنة، وَالْجَمْعُ لِدانٌ ولُدْن وَقَدْ لَدُنَ لَدانةً ولُدُونةً. ولَدَّنه هُوَ: لَيَّنه. وَقَنَاةٌ لَدْنة: ليِّنة المهَزَّةِ، وَرُم … (لسان العرب)
- بنعابه: نعب: نَعَبَ الغرابُ وَغَيْرُهُ، يَنْعَب ويَنْعِبُ نَعْباً، ونَعِيباً، ونُعاباً، وتَنْعاباً، ونَعَباناً: صاحَ وصَوَّتَ، وَهُوَ صَوْتُه؛ وَقِيلَ: مَدَّ عُنقَه، وحَرَّك رأْسَه فِي صِيَاحِهِ. وَفِي دُعاءِ داودَ، عَلَى نَبِيّ … (لسان العرب)
- تلزم: لزم: اللُّزومُ: مَعْرُوفٌ. والفِعل لَزِمَ يَلْزَمُ، وَالْفَاعِلُ لازِمٌ وَالْمَفْعُولُ بِهِ ملزومٌ، لَزِمَ الشيءَ يَلْزَمُه لَزْماً ولُزوماً ولازَمَهُ مُلازَمَةً ولِزاماً والْتَزَمَه وأَلْزَمَه إِيَّاه فالْتَزَمَه. وَرَج … (لسان العرب)