عُــرْسٌ أقـيـمَ عـلى الدمِ المـسـفـوكِ
الشاعر: علي الجارم · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الكاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عُــرْسٌ أقـيـمَ عـلى الدمِ المـسـفـوكِ — أأُرَدِّدُ الألحــــانَ أم أبــــكـــيـــكِ
بــاريــسُ حــيَّرْتِ القــريــضَ فــمــرّةً — يــشــدو وحــيــنــاً والِهـاً يَـدْثـيـك
نـهـكَـتْـكِ داهـيـةُ الْخُطوبِ فلم تَدعْ — للفــوْزِ غــيــرَ حُـشـاشـةِ المـنـهـوك
إنْ كـان مـا تَـعْـنِي الحياةُ تنفُّساً — فــالعــيـشُ خَـيْـرٌ فـي ظِـلالِ النـوك
لَهـفـي عـليـكِ ولهفَ شعري ما الذي — لاقـــيـــتِ مــن جَــبَــريّــةٍ وفُــتــوك
مــا بــيــن ظُـلْمٍ كـالمـنـونِ مُـحـجَّبٍ — عـــاتٍ وظـــلمٍ كـــاســـمِه مــهــتــوك
ألقــيـتِ نـفـسَـكِ للطـغـاةِ غـنـيـمـةً — ومـضَـى القـضـاءُ فـعـزّ مَـنْ يُـنـجـيكِ
جُــرْحُ الهــزيــمــةِ لا تَــجِـفُّ دمـاُه — وتــجـفُّ دامـيـةُ القـنـا المـشـكـوك
نـاديـتِ لا بـيـتـانُ فـي تـسـعـيـنهِ — مُـــصْـــغٍ ولا لافــالُ بــيــن ذَويــك
ولقــيــتِ مـن عَـسْـفِ العـدوِّ وكـيـدِه — دونَ الذي لاقـــيـــتِ مــن أهــليــكِ
ولي الْحُـمـاةُ فـمـا أجـابـوا دعوةً — لمّــــا دعـــاهـــم للردَى داعـــيـــك
تــركــوك للمـوتِ الزُؤام وأدبـروا — يــا ليــتَهــم للمــوتِ مــا تـركـوك
ومـضَـوْا حـيَـارَى ذاهلين فما رأوا — كَـــفَّيـــْكِ ضـــارعـــةً ولا ســمِــعــوك
قــذفـوا السـلاحَ فـصـبّه أعـداؤُهـم — غُـــلاً فـــكـــاد حـــديــدهُ يُــرْديــك
ونُــعِــيــتِ للدنــيــا فـشـبَّتـْ لوعـةٌ — أصــلَى القــلوبَ بــحــرِّهـا نـاعـيـكِ
ويـلَ الشـبـابِ مـن النـعـومةِ إنَّها — أعـــراضُ سُـــمٍّ للشـــعـــوبِ وشـــيـــك
مـا أتـعـسَ الزمـنَ الجـديـدَ بِفِتْيةٍ — قـتـلوه فـي التـصـفـيـفِ والتـدليك
قــلبٌ كــقُــرْطِ الغــانــيــاتِ مُـفَـرّغٌ — وإرادةٌ مــــن حــــيْــــرةٍ وشُـــكـــوك
عـاشـوا صـعـاليـكَ الحـياةِ وليتهم — فــازوا بــصــدقِ عـزيـمـةِ الصُّعـْلوك
أبـقـتْ ليـالي الأُنـسِ من أخلاقهم — فــزعَ النــعـامـةِ وازدهـاءَ الديـك
بــاريــسُ هــالتْـكِ الدمـاءُ غـزيـرةً — فــســقــطــتِ بــيــن نَـصـالِ جـزّاريـك
خِـفْـتِ القـذائِفَ أن تـهـدَّ مـعـالمـاً — فــتــهــدّمَ التــاريــخُ فــي أيـديـك
ما كان أحْرَى لو دُكِكْتِ إلى الثرىَ — وتــركــتِ ذكْــراً ليــس بــالمـدكـوكِ
مــا بـرجُ ايـفَ حـيـن يـسـلَمُ مـانـعٌ — هَــمْــســاً يــطِـنُّ غـداً بـأذْنِ بـنـيـك
لو طـال صـبـرُكِ فـي المكارهِ ساعةً — لرأيــتِ أنّ المــوتَ قــد يُــنــجـيـك
إنّ الذي خــلقَ الكــرامـةَ صـانـهـا — بــالســيــفِ يـمـحـو رأْيَ كـلِّ أفـيـك
بــيـن المـهـانـةِ والمَـعَـزّةِ خُـطـوةٌ — فــإذا ضــلِلْتِ فــقــلَّ مَــنْ يَهــديــك
شـتـانَ بـيـن فـتـىً يـمـوتُ مـجـالِداً — وفــتـىً يـمـوتُ بـجُـرْعـةِ الفـيـنـيـك
شــتّــى أسـاليـبُ الحـيـاةِ ولا أرَى — للمــجــدِ غــيـرَ طـريـقـهِ المـسـلوك
ســرُّ البــطــولةِف الشــدائدِ جُــرْأةٌ — ســيَّاـنِ تَـفـرى الخـطـبَ أم يَـفـريـك
قـد كـنتِ في السبعين أكرمَ موقفاً — والغــانــيــاتُ بــشَـعـرِهـا تـفـديـكِ
بـاريـسُ قـد ضـرب الثـبـات بـلنـدنٍ — مَـــثَـــلاً إلى أمـــثـــالِه يــدعــوك
عبَستْ لهم دنكركُ فاقتحموا الردَى — ومــشَــوا بــوجــهٍ للمــنــونِ ضـحـوك
واسـتـقـبـلوا نُوّبَ الزمانِ ضراغماً — لمــا تــخــلّف عــاهــلُ البــلجــيــك
جـعـلوا الهـزائِمَ سُـلّمـاً فـتسلّقوا — للنــصــرِ فــوقَ جــمــاجــمٍ وتَــرِيــك
أصْـلَتْهُـمُ الهـيـجـاءُ نـارَ جـحـيمها — فــتـخـلّصـوا كـالعَـسْـجـدِ المـسـبـوكِ
لو أنَّهــم وهَــنــوا لزالتْ ريـحُهـم — وقــضَـوْا عـبـيـدَ الذلِّ والتـفـكـيـك
ولمَـا رمـى شـرْ بُـرْجَ مـنـهـم جَـحْفَلٌ — فــي مــأزِقٍ كــفــمِ الليـوثِ ضَـنـيـك
ولمــا رأت رومــا طــلائعَ نــجــدةٍ — تـشـري المـحـامـدَ بـالدمِ المسفوكِ
ولمــا مــضَـى رومـيـلُ يـلعَـقُ جُـرْحَه — ويــجــرُّ ذيــلَ العــاثــرِ المـفـلوك
ولمـا جـرت في البحرِ تخطِرُ سُفْنُهم — مــن آخــرِ الهـادي إلى البـلطـيـك
بـاريـسُ والذكـرىَ جـحـيـمٌ فـانـظُري — نــحــوَ الســمــاءِ لعـلّهـا تُـتـسـيـك
وتــذكّــري مــاضــيــكِ فـهـو مَـجـادةٌ — قــد كــان أســتـاذَ الوَرى مـاضـيـك
يــا أمَّ هــوجــو كـلُّ شِـعْـرٍ يـرْتَـجـي — لو كــان يَــلْقَــى وحــيَه مــن فـيـك
أشـعـلتِ مـصـبـاحَ الفـنـون فـأشرقت — بــضــيــائه الأيــامُ بــعــد حــلوك
فـيـكِ الثـقـافـةُ بـالمجانةِ تلتقي — مـــاذا أقـــولُ وكــلُّ شــيــءٍ فــيــك
يا كعبةَ الدنيا ويا نادي الهوَى — الآنَ كــيــفَ الحــالُ فــي نــاديــكِ
أتُـرَى البـلابـلُ لا تـزالُ صوادحاً — ام راعــهــا الغِـربـانُ فـي واديـكِ
والغــانــيــاتُ أُفــزِّعــتْ أسـرابُهـا — وتـــفـــرّق السُّمـــارُ عـــن شــاديــك
طـلعـتْ عـليـكِ مـع الصـبـاح فـوارسٌ — ومــشَــى الغـريـمُ لحـقِّهـ المـتـروك
طاحوا بقيدكِ في الهواء وكم لهم — مِــنَــنٌ عــلى المـأسـورِ والمـمـلوك
وجـنـودُكِ الأحـرارُ تـسـتـبقُ الْخُطا — لتـــردَّ صـــفــعــتَهــا إلى غــازيــك
فــتــفــرّق الأعـداءُ عـنـكِ بَـدائداً — والطــعـنُ فـوق قـفـاهُـمُ المـصـكـوك
ســبـحـانَ مـن لا حـكـم إلاّ حـكـمـهُ — يُــمــضِــي إرادتَه بــغــيــر شــريــك
عــودي إلى ظــلِّ الســلامِ وأشْـرِقـي — كـالشـمـسِ تـعـلو الأفْـقَ بعد دُلوكِ
واسـتـقبلي الدنيا جديداً واعلمي — أنّ الأسَــى والحــزنَ لا يُــجــديــك
قَـــدَرُ الإلهِ إذا كـــرِهــتِ لقــاءه — فــلعَــلَّ فــي عُــقْـبـاه مـا يـرضـيـك
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الكاف — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- النوك: نوك: النُّوكُ، بِالضَّمِّ[[. قوله: النوك، بالضم ويفتح أَيضاً كما في القاموس]]: الحُمْق؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيم: وَمَا بَعْضُ الإِقامةِ فِي دِيارٍ، ... يُهانُ بِهَا الْفَتَى، إِلا بلاءُ فَقُلْ للمُتَّقِي غَرَضَ المَنا …
- باريس: الأَرِيسُ والإِرَّيسُ :العامل في الأرض التابع لسيّد ج أرِيسونَ وأَرَارِيسُ وأَرارِسَةٌ.
- تعني: تَعَنَّى يَتَعَنَّى تَعَنَّ تَعَنِّياً [عني]: تعب ونصب، تَعنَّى في الوصول إلى هدفه.- ت الحمّى الشخصَ: تعهّدتْه.- في الأمرِ: اقتصد؛ تَعَنَّى في بذل المعونة لجاره.-: أصيب بالتعنية وهي انقباض مؤلم في الشرج مع رغبة ملحّة في …