عُرْسٌ أقيمَ على الدمِ المسفوكِ

الشاعر: علي الجارم · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الكاف.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

عُرْسٌ أقيمَ على الدمِ المسفوكِ ... أأُرَدِّدُ الألحــــانَ أم أبــــكيكِ

باريسُ حيَّرْتِ القريضَ فمرّةً ... يشدو وحيناً والِهاً يَدْثيك

نهكَتْكِ داهيةُ الْخُطوبِ فلم تَدعْ ... للفوْزِ غيرَ حُشاشةِ المنهوك

إنْ كان ما تَعْنِي الحياةُ تنفُّساً ... فالعيشُ خَيْرٌ في ظِلالِ النوك

لَهفي عليكِ ولهفَ شعري ما الذي ... لاقيتِ من جَبَريّةٍ وفُتوك

ما بين ظُلْمٍ كالمنونِ مُحجَّبٍ ... عاتٍ وظلمٍ كاسمِه مهتوك

ألقيتِ نفسَكِ للطغاةِ غنيمةً ... ومضَى القضاءُ فعزّ مَنْ يُنجيكِ

جُرْحُ الهزيمةِ لا تَجِفُّ دماُه ... وتجفُّ داميةُ القنا المشكوك

ناديتِ لا بيتانُ في تسعينهِ ... مُصْغٍ ولا لافالُ بين ذَويك

ولقيتِ من عَسْفِ العدوِّ وكيدِه ... دونَ الذي لاقيتِ من أهليكِ

ولي الْحُماةُ فما أجابوا دعوةً ... لمّــــا دعاهم للردَى داعيك

تركوك للموتِ الزُؤام وأدبروا ... يا ليتَهم للموتِ ما تركوك

ومضَوْا حيَارَى ذاهلين فما رأوا ... كَفَّيْكِ ضارعةً ولا سمِعوك

قذفوا السلاحَ فصبّه أعداؤُهم ... غُلاً فكاد حديدهُ يُرْديك

ونُعِيتِ للدنيا فشبَّتْ لوعةٌ ... أصلَى القلوبَ بحرِّها ناعيكِ

ويلَ الشبابِ من النعومةِ إنَّها ... أعراضُ سُمٍّ للشعوبِ وشيك

ما أتعسَ الزمنَ الجديدَ بِفِتْيةٍ ... قتلوه في التصفيفِ والتدليك

قلبٌ كقُرْطِ الغانياتِ مُفَرّغٌ ... وإرادةٌ مــــن حــــيْــــرةٍ وشُكوك

عاشوا صعاليكَ الحياةِ وليتهم ... فازوا بصدقِ عزيمةِ الصُّعْلوك

أبقتْ ليالي الأُنسِ من أخلاقهم ... فزعَ النعامةِ وازدهاءَ الديك

باريسُ هالتْكِ الدماءُ غزيرةً ... فسقطتِ بين نَصالِ جزّاريك

خِفْتِ القذائِفَ أن تهدَّ معالماً ... فتهدّمَ التاريخُ في أيديك

ما كان أحْرَى لو دُكِكْتِ إلى الثرىَ ... وتركتِ ذكْراً ليس بالمدكوكِ

ما برجُ ايفَ حين يسلَمُ مانعٌ ... هَمْساً يطِنُّ غداً بأذْنِ بنيك

لو طال صبرُكِ في المكارهِ ساعةً ... لرأيتِ أنّ الموتَ قد يُنجيك

إنّ الذي خلقَ الكرامةَ صانها ... بالسيفِ يمحو رأْيَ كلِّ أفيك

بين المهانةِ والمَعَزّةِ خُطوةٌ ... فإذا ضلِلْتِ فقلَّ مَنْ يَهديك

شتانَ بين فتىً يموتُ مجالِداً ... وفتىً يموتُ بجُرْعةِ الفينيك

شتّى أساليبُ الحياةِ ولا أرَى ... للمجدِ غيرَ طريقهِ المسلوك

سرُّ البطولةِف الشدائدِ جُرْأةٌ ... سيَّانِ تَفرى الخطبَ أم يَفريك

قد كنتِ في السبعين أكرمَ موقفاً ... والغانياتُ بشَعرِها تفديكِ

باريسُ قد ضرب الثبات بلندنٍ ... مَثَلاً إلى أمثالِه يدعوك

عبَستْ لهم دنكركُ فاقتحموا الردَى ... ومشَوا بوجهٍ للمنونِ ضحوك

واستقبلوا نُوّبَ الزمانِ ضراغماً ... لما تخلّف عاهلُ البلجيك

جعلوا الهزائِمَ سُلّماً فتسلّقوا ... للنصرِ فوقَ جماجمٍ وتَرِيك

أصْلَتْهُمُ الهيجاءُ نارَ جحيمها ... فتخلّصوا كالعَسْجدِ المسبوكِ

لو أنَّهم وهَنوا لزالتْ ريحُهم ... وقضَوْا عبيدَ الذلِّ والتفكيك

ولمَا رمى شرْ بُرْجَ منهم جَحْفَلٌ ... في مأزِقٍ كفمِ الليوثِ ضَنيك

ولما رأت روما طلائعَ نجدةٍ ... تشري المحامدَ بالدمِ المسفوكِ

ولما مضَى روميلُ يلعَقُ جُرْحَه ... ويجرُّ ذيلَ العاثرِ المفلوك

ولما جرت في البحرِ تخطِرُ سُفْنُهم ... من آخرِ الهادي إلى البلطيك

باريسُ والذكرىَ جحيمٌ فانظُري ... نحوَ السماءِ لعلّها تُتسيك

وتذكّري ماضيكِ فهو مَجادةٌ ... قد كان أستاذَ الوَرى ماضيك

يا أمَّ هوجو كلُّ شِعْرٍ يرْتَجي ... لو كان يَلْقَى وحيَه من فيك

أشعلتِ مصباحَ الفنون فأشرقت ... بضيائه الأيامُ بعد حلوك

فيكِ الثقافةُ بالمجانةِ تلتقي ... ماذا أقولُ وكلُّ شيءٍ فيك

يا كعبةَ الدنيا ويا نادي الهوَى ... الآنَ كيفَ الحالُ في ناديكِ

أتُرَى البلابلُ لا تزالُ صوادحاً ... ام راعها الغِربانُ في واديكِ

والغانياتُ أُفزِّعتْ أسرابُها ... وتفرّق السُّمارُ عن شاديك

طلعتْ عليكِ مع الصباح فوارسٌ ... ومشَى الغريمُ لحقِّهـ المتروك

طاحوا بقيدكِ في الهواء وكم لهم ... مِنَنٌ على المأسورِ والمملوك

وجنودُكِ الأحرارُ تستبقُ الْخُطا ... لتردَّ صفعتَها إلى غازيك

فتفرّق الأعداءُ عنكِ بَدائداً ... والطعنُ فوق قفاهُمُ المصكوك

سبحانَ من لا حكم إلاّ حكمهُ ... يُمضِي إرادتَه بغير شريك

عودي إلى ظلِّ السلامِ وأشْرِقي ... كالشمسِ تعلو الأفْقَ بعد دُلوكِ

واستقبلي الدنيا جديداً واعلمي ... أنّ الأسَى والحزنَ لا يُجديك

قَدَرُ الإلهِ إذا كرِهتِ لقاءه ... فلعَلَّ في عُقْباه ما يرضيك

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الكاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • المسفوك: سفك: السَّفْكُ: صَبُّ الدَّمِ ونَثْرُ الْكَلَامِ. وسَفَك الدمَ والدمعَ والماءَ يَسْفِكُه سَفْكاً، فَهُوَ مَسْفوك وسَفِيك: صَبَّهُ وهَراقَه، وكأَنه بِالدَّمِ أَخص. وَفِي الْحَدِيثِ: أَن يَسْفكُوا دماءَهم؛ السَّفْك: الإِرا … (لسان العرب)
  • المنهوك: نهك: النَّهْكُ: التَّنَقُّصُ. ونَهَكَتْه الحُمَّى نَهْكاً ونَهَكاً ونَهاكةً ونَهْكَةً: جَهَدَتْه وأَضْنَتْه ونَقَصَتْ لَحْمَه، فهو مَنْهُوك، رُؤِيَ أَثَر الهُزالِ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَهُوَ مِنَ التَّنَقُّصِ أَيضاً، وفيه ل … (لسان العرب)
  • النوك: نوك: النُّوكُ، بِالضَّمِّ[[. قوله: النوك، بالضم ويفتح أَيضاً كما في القاموس]]: الحُمْق؛ قَالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيم: وَمَا بَعْضُ الإِقامةِ فِي دِيارٍ، ... يُهانُ بِهَا الْفَتَى، إِلا بلاءُ فَقُلْ للمُتَّقِي غَرَضَ المَنا … (لسان العرب)
  • باريس: ريس: راسَ يَريسُ رَيْساً ورَيَساناً: تَبَخْتر، يَكُونُ للإِنسان والأَسد. والرِيْسُ: التَّبَخْتُرُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبي زُبَيْد الطَّائِيِّ وَاسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَبَاتُوا يُدْلِجون، وباتَ يَسري ... بَصي … (لسان العرب)
  • تعني: (عَنَى) الْعَيْنُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ الْقَصْدُ لِلشَّيْءِ بِانْكِمَاشٍ فِيهِ وَحِرْصٍ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى خُضُوعٍ وَذُلٍّ، وَالثَّالِثُ ظُهُورُ شَيْءٍ وَبُرُو … (مقاييس اللغة)
  • حيرت: حير: حَارَ بَصَرُه يَحارُ حَيْرَةً وحَيْراً وحَيَراناً وتَحيَّر إِذا نَظَرَ إِلى الشَّيْءِ فَعَشيَ بَصَرُهُ. وتَحَيَّرَ واسْتَحَارَ وحارَ: لَمْ يَهْتَدِ لِسَبِيلِهِ. وحارَ يَحَارُ حَيْرَةً وحَيْراً أَي تَحَيَّرَ فِي أَمر … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • لُبنانُ روضُ الهوى والفنِّ لُبنانُ
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة