ملكت بما أوتيت ناصية النجمِ
الشاعر: علي الجارم · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ملكت بما أوتيت ناصية النجمِ ... وحُزْت عِنانَ المجدِ والشرفِ الجمِّ
وعُدْت زعيمَ الفاتحين تقودُه ... يدُ اللّهِ مِنْ غُنْمٍ لمصرَ إلى غُنْمِ
تطالعُكَ الأعلامُ نشوىَ كأنّها ... بكلِّ الذي أوليْت مِصْر على عِلْمِ
خوافِقُ تنأى في السماءِ وتلتقي ... كما مال رِتْمٌ في الفلاةِ إلى رتْمِ
ويُطرِبُها عالي الهتافِ فتنثني ... كما رقصتْ هيفُ العذارى على غمِ
فُتنَ بألوانِ الرياض وحسنِها ... فقاسَمْنَها في الحُسنِ أو جُرن في القسمِ
وكادَ سروراً ما بها من أهلّةٍ ... يتيه على ابن الليل في ليلة التم
لها نشوةٌ لو أنَّ للكرمِ مثلها ... لما كانَ إثْماً أنْ تساغَ ابنةُ الكرْمِ
زهاها على الرياتِ أن انتصارَها ... على الدهرِ لم يُقْسَم لعُرْبٍ ولا عُجْمِ
وأن فَتَاها لم يقفْ في ثيابه ... أخو نجدَةٍ في يومٍ حربٍ ولا سلمِ
حمَاهَا وأعْلاَهَا على النجْمِ سعيُه ... فلله من يُعلى اللواءَ ومن يحمي
أبَى المجدُ أن يدنو بفضلِ عنانه ... لغير بعيدِ الغَوْرِ والرأيِ والسهمِ
وما خضعَ النصرُ الأشمُّ لفاتحٍ ... إذا لم يكُنْ من خيرة السادةِ الشُّمِ
حملنا له الأزهارَ تندَى نضارةً ... وتهتز عن طيبٍ وتَفْتر عن بَسْمِ
وأنفسُ شيءٍ في الحياةِ أزاهِرٌ ... يُبعثرها شعبٌ على قدمَيْ شهمِ
وجئنا بغُصنِ الغارِ تاجاً لجبهةٍ ... عليها سطورٌ من إِباءٍ ومن عزْمِ
أقامَ طويلاً بالرياضِ كأنَّمَا ... أُصيبتْ بناتُ المجدِ في مصرَ بالعُقْمِ
سعى الشعبُ أفواجاً إليكَ تسوقُه ... نوازعُ حُب قد طَغيْن على الكتْمِ
رأينا به الأذى يهدرُ ماؤه ... وجرجرةُ الأمواجِ في لُجّةِ اليم
صفوفٌ بناهَا اللّهُ في حب مُصطفى ... تنزّهنَ عن صَدْعٍ وعُوفينَ من ثأمِ
بها اجتمعت كلُّ المدائنِ والقُرى ... فما شئتَ من كيفٍ وما شئتَ من كَمِّ
إذا حاولَ الوهمُ المصوّرُ رسمها ... على صفحةِ القُرطاسِ عزّتْ على الوهمِ
وأصواتُ صدقٍ بالدعاء تتابعت ... لها كدَوِيِّ النحلِ في أذُنِ النجمِ
أصاخَ إليها الصمُّ يستمعونَها ... فإن جحدُوها فالعفاء على الصمّ
تُحس أزيزَ النار في نبراتِها ... وتلمحُ فيها قوّةَ العَزْمِ والجزْمِ
تكادُ تميدُ الأرضُ بالحشدِ فوقها ... وتنسدُّ أرجاءُ الفضاءِ من الزحْمِ
زعمتُ بأن أطوِي لك الجمعَ سابحاً ... فللهِ كَمْ لاقيتُ من ذلك الزعْمِ
أحاطت بي الأمواجُ من كُلِّ جانبٍ ... أغُوص إلى لحمٍ وأطفُو على لحمِ
إذَا نالَ مني الوكْزُ ما كانَ يشتهي ... خلصت إلى ما لا أحب من اللكْم
سددت عليّ الطُرْقَ لم ألْقَ مَسْلكاً ... وأوسعت طُرْقَ المجدِ والحسبِ الضخمِ
تمنيتُ لو لامستُ كَفاً هي المُنَى ... خواتِمُها قد صاغها الشعبُ من لَثْمِ
وشاهدتُ شهماً كلّما رمتُ رسمَهُ ... تصوّرتُ أخلاق الملائكِ في الرسْمِ
وفزتُ بوجهٍ من سنَا اللّهِ ضوؤه ... كريمُ المحيّا لا قطوبٍ ولا جهْمِ
إذا قــــدّرَ الشعبُ الرجالَ فإِنَهُ ... قمينٌ بالاستقلالِ في الرأيِ والحكْمِ
دعْونَاكَ للجلّى فكنت غِياثَها ... وقد عبثتْ خيلُ الحوادثِ باللّجْمِ
عليكَ من اللّهِ العزيزِ مفاضةً ... من الحق لم تأبه لرمْحٍ ولا سهمِ
تصولُ على العدوان تستّلُ نابَهُ ... وتصدع بالأيمانِ غاشيةَ الظلْمِ
وترفعُ صدراً كانَ حِصْناً وموئِلاً ... لمصرَ فأغناهَا عن الحصْنِ والأطَمِ
رمــــيــــتَ فسدّدتَ الرمَاءَ وإنَّما ... هُو اللّهُ يرمي عن يمينك إذْ ترْمي
وما كل ذي سهمٍ أصابت يمينُه ... ولا كل سهمٍ في إصابتهِ يُصْمِي
وجنّدتَ من آرائِكَ الغرِ جحفلاً ... طلائِعُه أغَنتْ عن البيضِ والدُّهْمِ
وأرسلتَ صوْتاً في البلادِ مجلجِلاً ... سمعنا به زأرَ الضراغِمِ في الأجْمِ
ففتّحت آذاناً وأيقظت أعيُناً ... وصنتَ رِباطَ العنصرين من الفصْمِ
فلَمْ يرضَ جنبٌ أن ينَام على أذى ... ولم يَرْضَ حَق أن ينامَ على هضْمِ
وطار بنُو مِصْرٍ لنجدةِ أمهم ... سِرَاعاً فأكرِمْ بالبنين وبالأمِ
ونَالتْ بك استقلاَلَها مِصْرُ كَامِلاً ... على الرغم من كيدِ الزمانِ على الرغْمِ
وحطّمتَ أغلالَ الإسارِ وقد لوتْ ... يَدُ الدهرِ واستعصتْ طويلاً على الحَطْمِ
إذا عظمت نفسُ امرىء جلّ سعيُه ... وجلّ فَلْم يُوصَمْ بزهْوٍ ولا عظمِ
تحدّثت الدنيا بسعدٍ ومصطفى ... وهل قُرئتْ أم الكتابِ بِلاَ بسمِ
أبانَ لكَ الطرْقَ اللَّواجب للعُلا ... فجلّيت فعلَ الفارسِ البطلِ القرمِ
بنيت وهدّمتَ الضلالَ مُجاهداً ... فكنت كريماً في البناءِ وفي الهدْمِ
بك اهتزّت الآمالُ واخضر عودُهَا ... كما اهتزّ روْضٌ جاده واكِفُ السَجْمِ
وربَّ رِجــــالٍ كــــالســــحــــائبِ خُلّباً ... تسد مصابيحَ السماءِ ولا تهمي
يرون من الحلمِ القرارَ على الأذى ... وأين قرارَ الهَوْنِ من خُلقِ الحلْمِ
إذا شهوةُ الدنيا دهت عقْلَ عاقلٍ ... غدَا وهو أذكى الناسِ شراً من الفدم
وإن عشقتْ روحُ الفتى راحةَ الفتى ... فلا خير في روحٍ ولا خيرَ في جسْمِ
وقفتَ لنصر الحقِّ في قصر منترو ... وقوف وضيء الرأيِ مجتمع الحزْم
وحولَكَ من أصحابِكَ الصيدِ فتية ... خفافٌ إلى المولى شِدادٌ على الخَصْمِ
يروْنَ من الحتم الوفاء لقومِهمْ ... وليست بشاشاتُ الحياةِ من الحتْم
كأنّ غبارَ النصر في لهواتِهم ... جنى النحلِ أو أشهى وأطيب في الطعْمِ
لك الحججَ البيضَ الصلاَب كأنّها ... نصال سهامٍ قد حززن إلى العَظْمِ
أمن جعل الضيف النزيل كواحدٍ ... من الأهْلِ يُرْمَى بالجفاءِ وبالذم
فهمنا ولكن للسياسةِ منطقٌ ... عزيزٌ على الأذهانِ صعبٌ على الفهْمِ
ومثلُكَ مَنْ ردّ العقُولَ لمنهجٍ ... سديدٍ وأرْدَى الشك بالمنطقِ الحسْمِ
فما زلتَ حتى أدركتْ مِصرُ سؤْلَهَا ... رفيعة شأوِ المجدِ موفورةَ السهْمِ
وأصبحَ حُبّاً كل ما كان من قلا ... لمصرَ وغُنْماً كل ما كانَ من غُرْم
هنيئاً لَكَ الفتح المبين فإنّه ... سيبقى على التاريخِ متضحَ الوسْمِ
نثرتُ له زَهْراً وأنظمتُ لؤلؤاً ... فأحسنتُ في نثري وأبدعتُ في نظْمي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- التم: (تَمَّ) التَّاءُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ مُنْقَاسٌ، وَهُوَ دَلِيلُ الْكَمَالِ. يُقَالُ تَمَّ الشَّيْءُ، إِذَا كَمَلَ، وَأَتْمَمْتُهُ أَنَا. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّمِيمَةُ: كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّهَا تَمَامُ ال … (مقاييس اللغة)
- الجم: (جَمَّ) الْجِيمُ وَالْمِيمُ فِي الْمُضَاعَفِ لَهُ أَصْلَانِ: الْأَوَّلُ كَثْرَةُ الشَّيْءِ وَاجْتِمَاعُهُ، وَالثَّانِي عَدَمُ السِّلَاحِ. فَالْأَوَّلُ الْجَمُّ وَهُوَ الْكَثِيرُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَتُحِبُّ … (مقاييس اللغة)
- الفاتحين: فتح: الفَتْحُ: نَقِيضُ الإِغلاقِ، فَتَحه يَفْتَحه فَتْحاً وافْتَتَحه وفتَّحَه فانْفَتَحَ وتَفَتَّحَ. الْجَوْهَرِيُّ: فُتِّحَت الأَبواب، شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ، فتَفَتَّحتْ هِيَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَ … (لسان العرب)
- القسم: قسم: القَسْمُ: مَصْدَرُ قَسَمَ الشيءَ يَقْسِمُه قَسْماً فانْقَسَمَ، وَالْمَوْضِعُ مَقْسِم مِثَالُ مَجْلِسٍ. وقَسَّمَه: جزَّأَه، وَهِيَ القِسْمَةُ. والقِسْم، بِالْكَسْرِ: النَّصِيبُ والحَظُّ، وَالْجَمْعُ أَقْسَام، وَهُوَ … (لسان العرب)
- الهتاف: هتف: الهَتْفُ والهُتَافُ الصَّوْتُ الْجَافِي الْعَالِي، وَقِيلَ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ. وَقَدْ هَتَفَ بِهِ هُتَافاً أَي صَاحَ بِهِ. أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ هَتَفْتُ بِفُلَانٍ أَي دعَوْتُه، وهَتَفْتُ بِفُلَانٍ أَي مدَحْته. وَ … (لسان العرب)
- تطالعك: طلع: طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْفَجْرُ وَالنُّجُومُ تَطْلُعُ طُلُوعاً ومَطْلَعاً ومَطْلِعاً، فَهِيَ طالِعةٌ، وَهُوَ أَحَد مَا جَاءَ مِنْ مَصادرِ فَعَلَ يَفْعُلُ عَلَى مَفْعِلٍ، ومَطْلَعاً، بِالْفَتْحِ، لُغَةٌ، و … (لسان العرب)
- تقوده: تقد: ابْنُ سِيدَهْ: التِّقْدَةُ، بِكَسْرِ التَّاءِ، والتَّقْدَةُ؛ الأَخيرة عَنِ الْهَرَوِيِّ: الكُسْبَرَةُ. وَالتَّقْدَةُ: الكَرَوْياءُ؛ وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ: وَذَكَرَ الْحُبُوبَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَعَدّ … (لسان العرب)
- جرن: جَرَنَ: الجِرانُ: بَاطِنُ العُنُق، وَقِيلَ: مُقدَّم الْعُنُقِ مِنْ مَذْبَحِ الْبَعِيرِ إِلَى مَنْحَرِهِ، فَإِذَا برَك البعيرُ وَمَدَّ عنُقَه عَلَى الأَرض قِيلَ: أَلقى جِرانَه بالأَرض. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ الله … (لسان العرب)