ذِكْرَياتٌ رَدَّدَ الدَّهْرُ صدَاها

الشاعر: علي الجارم · البحر: الرمل

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 89 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الألف.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

ذِكْرَياتٌ رَدَّدَ الدَّهْرُ صدَاها ... وعُهُودٌ يَحْسُدُ المِسْكُ شَذَاهَا

وَصَلَ العُرْبُ الغَطارِيفُ إِلَى ... غايةٍ لا تَبْلغُ الطَّيْرُ ذُرَاها

وَجرَوْا صَوْبَ العُلاَ في طَلَقٍ ... زَاحَمَ الأَنْجُمَ واجْتَازَ مَدَاها

تَقِفُ الأوْهَأمُ حَسْرَى دُونَه ... لاهثاتٍ قَصَّرَ الأيْن خُطَاها

مَرَّ بالشَّمْسِ فَلمْ تَشْعُر بِهِ ... إذْ جَرَى إلاّ ظنُوناً واشْتِباها

أُمَّةُ الصَّحْراءِ أَقْوَى جَلَداً ... مِنْ مَهَارِيها وأَهْدَى مِن قَطَاها

صَخْرُها أَوْحَى إليها عَزْمَةً ... من بَني رَضْوَى وثَهْلاَن بَنَاهَا

وسُكُونُ البِيدِ في رَهْبَتِها ... جَرّدَ الرُّوحَ وبالنُّورِ كَسَاها

رُبَّ صَدْرٍ نَافَسَ الْحِلْمُ به ... كُلَّ صَحْراءَ بَعِيدٍ مُنْتهاها

وخِلاَلٍ أَنْبَتَ الْجَدْبُ بِهَا ... عِزَّةَ اليَأْسِ فما لانَتْ قَناها

أَبَتِ الضَّيْمَ فمَا مَدَّتْ يَداً ... لذَوي النُّعْمَى وَلمْ تَغْفِر جِباهَا

تحْفَظُ العِرْضَ مَصُوناً ناصِعاً ... وإلى الطُّرَّاق مَبْذولٌ قِراها

أمَمٌ إِنْ يَهْلِكَ المَالُ فإِن ... لُمِستْ أَعْراضُها حَلَّت حُبَاها

رَدَّدَتْ أَشْعَارَها شَمْسُ الضُّحَا ... وسِرَاجُ اللَّيْلِ لَمَّاـ أَنْ تَلاَها

آيَةٌ مِنْ نَفْحَةِ اللّهِ فَلَوْ ... كانَ للنِّسْيَانِ كف ما مَحَاها

رَوْضَةٌ قد لَقَّبُوها كَلِماً ... تُخْجِلُ الْحُسْنَ إِذا الْحُسْنُ رَآها

كَمْ حَكِيمٍ أوتِيَ الْحُكْم فَتىً ... وفَتَاةٍ مَلأَ التِّبْيَانُ فَاها

تُرْسِلُ الأَمْثَالَ تَسْرِي شُرَّداً ... لا تُبَالي أَيْنَما كانَ سُرَاها

قِفْ عَلَى الأَطْلال واذْكُرْ أمَّةً ... خَلّدَ الأَطْلالَ مأْثُورُ بُكَاها

بَعَث اللّهُ بهَا نُورَ الْهُدَى ... من قُرَيشٍ فاصْطَفَاه واصْطَفَاها

أَشْرَق الصُّبْحُ عَلَى الدُّنْيَا به ... بَعْد أن طَالَ عَلَى الدُّنْيَا دُجَاها

وجَرَى في الأرْض يَنْبُوع هُدىً ... بعد أَنْ حَرَّقَها حَرُّ صَدَاها

قَلَّد الفُصْحَى حُلىً قُدْسِيّةً ... فَزَهَاها من حُلاَها ما زَهَاها

وبَياناً هاشِميّاً لو رَمَى ... قُلَلَ الأجيَال لانْهَدَّت قُوَاها

أسْهُمٌ مِنْ كَلِمٍ مَسْنونةٌ ... جاهَدَتْ في اللّهِ واللّهُ بَرَاها

كُلَّمَا صَاحَ بها في طَيْبةٍ ... مُسْتَثِيراً رَدَّدتها لاَبَتَاها

يَزْعُمُ الشِّعْرُ سَفاهاً أنَّه ... لو عَفَتْ عَنهُ القَوافِي لَحكَاها

نَزَل القُرْآنُ بالضَّادِ فَلَوْ ... لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِواهُ لكَفَاها

حَسْبُها أَنْ صَوَّرَتْ من آيِهِ ... مُعْجزاتٍ عَظُمَت أنْ تَتَنَاهى

وَبـــــنُـــــو مَـــــرْوَانَ للّهِ هُـــــمُ ... عُدَّةُ الفُصْحَى وحُرَّاسُ حِماها

رُبَّ مَــــــأْثــــــورٍ لَهُــــــمْ ودَّ لَهُ ... صَدَفُ اللُّؤْلُءِ لَوْ كَانَ شِفَاها

خُطَبٌ هُزَّ لها مِنْبَرهم ... يَقْذِف الهَوْلَ دِرَاكاً مَنْ رَماها

وقَــــوافٍ سَلْ أبا حَزْرَتِها ... وسَلِ الأَخْطَلَ كَيْفَ ابتَدعَأها

طُفْ ببغداد وسَلْ آثارَها ... أيُّ سِرٍ كَتَمَتْهُ شَفَتاها

كُــــلُّ رَسْمٍ قد وعَى نادِرَةً ... لو جَرى النُطْقُ عليه لحَكَاها

مَشَت الدنْيا إِليْها تَتَّقِي ... سُخْطَ بغدادَ وتَسْتَجْدِي رِضاها

وأبو المأمون في مَمْلكةٍ ... يتحدَّى المُزْنَ أَنْ تَعْدو قُراها

بَلَغَتْ بنتُ قُرَيْشٍ ذِرْوَةً ... بِبَني العَبَّاسِ صَعْباً مُرْتقَاها

بَيْنَ شِعْرٍ كأزاهيرِ الرُّبا ... عَكَفَ الغَيْثُ عليها فَسَقاها

هُــــــوَ دَلٌّ رَدَّدَتْهُ قَــــــيْـــــنَـــــةٌ ... وَهْوَ وَجْدٌ فاضَ مِنْ نَفْسِ فَتاها

وعُلُومٍ تُرْجِمَتْ وَاسْتُنْبِطَتْ ... وَفُصُولٍ بَهَرَ الدُّنْيا حِجاها

آبداتُ القولِ ولَّتْ بَعْدَهُم ... طَيَّبَ اللّهُ ثَراهُمْ وثَراها

يا بَنِي العَبَّاسِ في مَصْرَعِكُمْ ... عِظَةُ الكَوْنِ وَعاها مَنْ وَعاها

أُطْــــفِىءَ النُورُ ودالَتْ دَوْلَةٌ ... وَطَوَى الدهْرُ المُنَى حِينَ طَواها

شَدَّ هُولاَكُو عَلَى أَرْبَاضِها ... شَدّةَ الذُؤْبَانِ أَبْصَرْنَ شِياها

وجَرَى مِنْ حَوْلِهِ عِقْبانُهُ ... كُلَّما أَطْعَمَها هاج ضَراها

لَهْفَ نَفْسِي بِنْتُ عَدْنانَ هَوَتْ ... وأسُودُ الغِيلِ قَدْ دِيسَ شَراها

سائِلُوا دِجْلَةَ عَمَّاــ رَاعَها ... أَوْ دَعُوها فَكَفاها ما دَهاها

قَذَفَ الكُتْبَ بهَا طَاغِيَةٌ ... هَلْ دَرَى ما كَنَزَتْه دَفَّتاها

فَــــتَــــأَمَّلــــْ إِذْ جَرَى آذِيُّها ... أَتَرَى فيهِ عُقُولاً أَمْ مِياها

ذَهَبَ العَسْفُ بآثارِ النُّهَى ... كَيْفَ تَحْيَا أُمَّةٌ ضاعَتْ نهاها

طَارَتِ الفُصْحَى لِمِصْرٍ تَبْتَغِي ... ناعِمَ العَيْشِ خَصِيباً في ذَراها

بَقِيَتْ فيها تُلاقِي شَظَفاً ... في أَحَايِينَ وفي حينٍ رَفاها

ثُمَّ هَبَّتْ حَوْلَها عاصِفَةٌ ... خَلَطَ الذُّعْرُ ضُحاها بِمَساها

وإِذَا نَــــجْــــمٌ بَــــدا مُؤْتَلِقٌ ... شَخَصَتْ نحوَ سَنَاهُ مُقْلتَاها

وإِذا مُنْقِذُ مِصْرٍ ماثِلٌ ... وإذا مِصْرٌ وقَدْ شُدَّتْ عُراها

وإذا العِـــــلْمُ يُـــــدَوِّي صَــــوْتُهُ ... وإِذا الضَّادُ أضاءَتْ صَفْحَتاها

ظَفِرَتْ بالعَبْقَرِي المُرْتَجَى ... فاسْتَجَابَتْ للعُلا لمَّا دَعاها

دَوْلةُ العِــــــــــــلْمِ بِهِ رُدَّتْ إلى ... عَرْشِ مِصْرٍ بَعْدَ أَنْ طَال نَواها

مَنْ كَإِسْماعِيلَ في آلائِهِ ... يَنْفَدُ القوْلُ ولا يَفْنَى جَداها

زُهِيَتْ مِصْرُ جمَالاً وَسَناً ... بِأَبِي الأشْبالِ واهْتَزَّتْ رُباها

تخْجَلُ السُّحْبُ إذا ما وازَنَتْ ... مَرَّةً بَيْنَ نَداهُ وَنَداها

غَرَسَ العِلْمَ بِمِصْرٍ دَوْحَةً ... كُلَّمَا أَخْضَلَها طَابَ جَنَاها

سَمَتِ الآدابُ والدُّنْيا بِهِ ... وَبَدَتْ تَخْطِرُ في أَزْهَى حُلاها

يا ابْنَ إسْمَاعِيلَ يا ذُخْرَ النُّهَى ... جَدَّدَتْ مِصْرُ بِكُمْ عَهْدَ صِباها

كُلُّ أَشْتَاتِ النَّدَى إنْ فُرِّقَتْ ... فَإِلَى بابِ فُؤادٍ مُلْتَقاها

هِمَّةٌ شادَتْ بِمِصْرٍ دَوْلَةً ... صانَها الإِنْصَافُ والعِلْمُ وَقاها

مَسَحَتْ مِصْرُ بهِ عَيْنَ الكَرَى ... بَعْدَ أَنْ طالَ عَلَى مِصْرٍ كَراها

وَثَــــبَــــتْ وَثْبَتَها دَائِبَةً ... كلَّما أَجْهَدَها السَّعْيُ زَجاها

أًيْنَما أبْصَرتَ تَلْقَى نَهْضَةً ... تَمْلأُ العيْنَ وإِقْبَالاً وَجَاها

وَقُصُوراً لاَمِعاتٍ كَالضُّحَا ... رَدَّدَ العِرْفانَ في مِصْرَ صَداها

يا نَصِيرَ العِلْمِ فِي مَمْلَكَةٍ ... بَلَغَتْ بِالْعِلْمِ غاياتِ مُناها

كُــــلَّ يَوْمٍ لَكَ حَفْلٌ لِلعُلا ... وَأَيادٍ تَبْهَرُ الدُّنْيا لُهاها

وَجَدَتْ بِنْتُ قُرَيْشٍ مَوْئِلاً ... في ذَرَا المُلْكِ وحِصْناً مِنْ عِداها

لُغَةُ القُرْءَانِ تُزْهَى شَرَفاً ... أنَّ حامي الدِّينِ وَالْمُلْكِ حَماها

حِكْمَةُ المَأْمُونِ عَادَتْ دارُها ... بِابْنِ إِسْماعيلَ مِنْ بَعْدِ بِلاَها

مَجْمَعُ الفُصْحَى تَجَلَّى مُشْرِقاً ... في سَماءِ الْمَجْدِ مُجْتَازاً سُهاها

هُو في مِصْرَ مَنارٌ كُلَّما ... أَرْسَلَ الأضواءَ في مِصْرَ هَداها

رَأَتِ البَصْرَةُ فِيهِ حَفْلَها ... وَرَأَتْ بَغْدَادُ فِيه مُنْتَدَاها

مَنْ رَسُولِي لأَعارِيبِ اللِّوَى ... أَيْنَ أَعْرَابُ اللِّوَى أَيْنَ لِوَاها

أَنَّ مِصْراً بَعَثَتْ آدابَها ... وأبا الفاروق قَدْ أَحْيا لُغاها

وَبنَى اليومَ عُكاظاً ثانياً ... تَاهَ إِعْجَاباً بِه الدَّهْرُ وبَاهَى

هَلْ حَبا الآدَابَ تاجٌ مِثْلَما ... صاحِبُ التَّاج بِمِصْرٍ قَدْ حَباها

أَنْهَضَ التَّأْلِيفَ مِنْ كَبْوتِهِ ... فَسَقَى الأَحْلاَمَ رُشْداً وَغَذاها

كَمْ كِتَابٍ دَوَّنَتْ أَخْبارُهُ ... مِنَناً كان فؤادٌ مُبْتَداها

رَحَلَ الأَعْلامُ في الغَرْبِ إِلَى ... سُدَّةٍ يَسْطَعُ بِالْعِلْمِ سَنَاها

فَــــرَأَوْا مَــــمْلَكَةً وَثَّابَةً ... ومَلِيكاً بِهُدَى اللّهِ رَعاها

دُمْ فُؤَادَ الْقُطْرِ تَحْيا أُمَّةٌ ... لَمْ يَكُنْ إِلاَّكَ يَوْماً مُرْتَجاها

وَسَما الفَارُوقُ نَجْماً ساطِعاً ... لِبَنِي مِصْرَ وَعُنْوانَ عُلاها

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الألف، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:

  • بالشمس: شمس: الشَّمْسُ: مَعْرُوفَةٌ. ولأَبْكِيَنَّك الشمسَ والقَمَر أَي مَا كَانَ ذَلِكَ. نَصَبُوهُ عَلَى الظَّرْفِ أَي طلوعَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ كَقَوْلِهِ: الشمسُ طالعةٌ، ليسَتْ بكاسِفَةٍ، ... تَبْكِي عليكَ، نُجومَ الليلِ وا … (لسان العرب)
  • بناها: بَنى فلان بيتاً من البُنيان. وبَنى على أهله بِناءً فيهما، أي زفها. والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ. وكان الاصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل بأهله بان. وبنى قصورا، شدد للكثرة. وابْ … (الصحاح)
  • تشعر: شعر: شَعَرَ به وشَعُرَ يَشْعُر شِعْراً وشَعْراً وشِعْرَةً ومَشْعُورَةً وشُعُوراً وشُعُورَةً وشِعْرَى ومَشْعُوراءَ ومَشْعُوراً؛ الأَخيرة عن اللحياني، كله: عَلِمَ. وحكى اللحياني عن الكسائي: ما شَعَرْتُ بِمَشْعُورِه حتى جاء … (لسان العرب)
  • خطاها: خطأ: الخَطَأُ والخَطاءُ: ضدُّ الصَّوَابِ. وَقَدْ أَخْطَأَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: [وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ] عدَّاه بِالْبَاءِ لأَنه فِي مَعْنَى عَثَرْتُم أَو غَلِطْتُم؛ وَقَوْلُ رؤْبة: يَا رَبِّ إ … (لسان العرب)
  • ذراها: ذرأ: فِي صِفَاتِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، الذّارِئُ، وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَ الخَلْقَ أَي خَلَقَهم، وَكَذَلِكَ البارِئُ؛ قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً أَي خَلَقْنَا. وَقَالَ عَزَّ وَجَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • لُبنانُ روضُ الهوى والفنِّ لُبنانُ
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة