سَـنـا الشـرق مـن أيِّ الفـراديـس تَنْبعُ
الشاعر: علي الجارم · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَـنـا الشـرق مـن أيِّ الفـراديـس تَنْبعُ — ومـــن أيِّ آفـــاقِ النُـــبـــوَّةِ تـــلمَـــعُ
وفــــي أيِّ أطـــواء القُـــرونِ تـــنـــقَّتْ — بــمــصــبــاحِـكَ الدنـيـا يَـشُـبُّ ويـسـطَـع
طــلعـتَ عـلى الأهـرام والكـونُ هـامـدٌ — وأشــرقــتَ بــالإلهــام والنــاسُ هُــجَّع
طــلعــتَ شُــعــاعــاً عــبــقـريّـاً كـأنَّمـا — مــن الحــقِّ أو نــورِ البـصـائرِ تـطـلُع
وجــمَّعــتَ أســرارَ العــقــولِ فـهـل دَرَتْ — مــخــابـىءُ فِـرعـونٍ بـمـا كـنـتَ تـجـمَـع
وجــمَّلــتَ أفْــقَ الشــرقِ والأرضُ كـلُّهـا — سُهــوبٌ تــضــلُّ العــيــنُ فــيـهـنّ بَـلْقَـع
أذاك ابـتـسـامُ الغِـيـدِ مـا أشرقتْ به — ثــنــايـاكَ أم زَهْـرُ الرُّبـا المـتـضـوِّعُ
رأيـتَ ابـنَ عِـمْـرانٍ على الطُّورِ شاخصاً — يُهــيــبُ بـه الوحـيُ الكـريـمُ فـيـسـمَـع
وأبـصـرتَ عـيـسَـى يـنشُرُ الرفْقَ والرضا — ويــســتَــلُّ أحــقــادَ القــلوبِ ويــنــزِعُ
وشــاهــدتَ وَسْــطَ الجَــحـفَـلَيْـنِ مـحـمـداً — وبـيـن هُـدى الإيـمـان والشـركِ مَـصْـرَع
إذا صــال فــالدنــيــا مَــجَــرُّ رِمــاحِه — وإنْ قــال فــالأيــامُ عَــيْــنٌ ومــسْـمَـع
ألم تَــرَهُ فــي بُــرْدَةِ الليــلِ سـاجـداً — ومـــنـــه دُروعُ الرومِ حَــيْــرَى تــفَــزَّع
سنا الشرق أشرق وابعث النور ساطعاً — يـــشُـــقُّ ديــاجــيــر الظــلام ويــصــدَع
أعـد شـمسَك الأولَى إلى الأفْقِ مثلما — أعــاد ضــيــاءَ الشــمـسِ للأفْـقِ يُـوشَـع
نــزَفــنــا دمـوعَ المـقـلتـيـن تـفـجُّعـاً — فــهــل مــرةً أجــدَى عــليـنـا التـفـجُّع
وعــشــنــا بــآمــالٍ كــأطــيــافِ نــائمٍ — يـــروِّعـــهــا مــن دهــرِنــا مــا يــروِّع
شـــعـــاعُــك تــاريــخٌ ونــورُك حِــكــمــةٌ — ولمـــحُـــك آمـــالٌ ونـــهـــجـــك مَهْــيَــع
إذا ضــيّــع التــاريــخَ أبــنــاءُ أمّــةٍ — فــأنــفُـسَهُـم فـي شِـرْعَـةِ الحـقِّ ضـيِّعـوا
أبَــى الدهـرُ أنْ يـنـقـادَ إلاّ لَعْـزمـةٍ — يــخِــرُّ لهــا الدهــرُ العَــتِـيُّ ويـخـنَـع
وسـرُّ العـلا نـفـسٌ كـمـا شـاءتِ العـلا — طَــمـوحٌ ورأيٌ مـن شَـبـا السـيـفِ أقْـطـع
ومَــنْ يــتـجـنّـبْ فـي الحـيـاة زحـامَهـا — فــليــس له فــي سـاحـةِ المـجـدِ مَـشْـرَعُ
خــذي مــصــر أسـبـاب السـمـاء لمـوطـنٍ — مــن العــز لا يـسـمـو إليـه التـطـلع
ســحــرتِ عــيــونَ الخــافـقـيْـنَ كـأَنّـمـا — بـــأرضِـــك ســحــرٌ للفــراعــيــن مُــودَع
قِــبــابٌ تــرومُ السُـحْـبُ إدراكَ شـأوِهـا — ومــــن دونـــه أعـــنـــاقُهـــنّ تَـــقَـــطَّع
وآثـــارُ عِـــرفــانٍ تُــضــيــءُ كــأنّــمــا — تــنــاثــر حــول النــيــل عِـقْـدٌ مُـرَصّـع
دعُــونـا نـبـاهـي بـالحـيـاةِ فـطـالمـا — طَــوى أمَــم الشــرقِ الحـيـاءُ المُـقـنَّع
خــلعــنــا رِداءً رَثّ مــن طُــولِ لُبْــســهِ — وكُــــلُّ رداءٍ رثّ بــــاللّبْــــس يُـــخْـــلَع
صـحـا الشرقُ وانجاب الكَرَى عن عيونه — وليــس لمــن رام الكــواكــبَ مَــضْــجَــع
إذا كــان فـي أحـلامِ مـاضـيـه رائعـاً — فـــنـــهـــضـــتُه الكُــبْــرى أجــلُّ وأروع
تــوحّــد حــتــى صــار قــلبــاً تــحـوطـه — قـــلوبٌ مـــن العُــرْبِ الكــرام وأضــلُع
وأرســلهــا فــي الخــافـقـيْـنِ وثـيـقـةً — لهــا الحــبُّ يُــمْــلى والوفــاءُ يــوقِّعُ
لقـد كـان حُـلْمـاً أن نرَى الشرقَ وَحْدةً — ولكـــن مـــن الأحـــلامِ مـــا يُــتَــوقَّع
إذا عُــــدِّدتْ رايـــاتُه فـــهـــي رايـــةٌ — وإنْ كـــثُـــرتْ أوطــانُه فــهــي مــوضــع
فـليـسـت حـدودُ الأرضِ تـفـصِـلُ بـيـنـنا — لنــا الشــرقُ حــدٌّ والعُــروبــةُ مَـوْقِـع
تــذوبُ حُــشــاشــاتُ العــواصــمِ حــســرةً — إذا دَمِــيَــتْ مــن كــفِّ بــغــداد إصْـبـع
ولو صُــدِعَــتْ فــي سَـفـح لُبـنـانَ صـخـرةٌ — لدكَّ ذُرا الأهـــرامِ هـــذا التـــصـــدُّعُ
ولو بَـــرَدَى أنّـــتْ لخـــطـــبٍ مـــيـــاهُه — لســالتْ بـوادي النـيـلِ للنـيـل أدمُـع
ولو مَــسَّ رَضْــوَى عــاصــفُ الريــح مَــرّةً — لبـــاتـــت له أكــبــادُنــا تــتــقــطّــع
أولئك أبــنــاءُ العُــروبــة مــا لهــم — عـن الفـضـلِ مـنأى أو عن المجد مَنْزَعُ
هُــمُ فــي ظِــلالِ الحــقِّ جــمــعٌ مــوحــدٌ — وعــنــد التــقــاء الرأي فــردٌ مُـجـمَّع
وقـــد يُـــدرِكُ الغـــايـــاتِ رأيٌ مُــدرَّع — إذا نــاءَ بــالأمــرِ الكَــمِـيُّ المـدرَّع
لهــم أمــلٌ لا يــنــتـهـي عـنـد مـطـلبٍ — لقـد ذَلّ مـن يُـعـطَـى القـليـلَ فـيـقـنَع
غُــبـارُ رحَـى الهـيـجـاء فـي لَهَـواتِهـم — مـن الشـهْـدِ أحْـلَى أو من المسكِ أضْوَع
إذا لم يــكــن حِـلْمُ الحـليـمِ بـنـافـعٍ — فــإنّ صِــدامَ الجــهـلِ بـالجـهـلِ أنـفـع
سـلوا عـنـهُـمُ عَـمْـرواً وسَـعْـداً وخالداً — ومُــلْكــاً له يــرنـو الزمـانُ فـيـخـشَـع
تــحـدّثـتِ الدنـيـا بـهـم فـي شـبـابِهـا — وجـــاءت إلى أبـــنـــائِهـــم تــتــطــلَّع
فــيــا زعــمــاءَ الشــرق والشـرقُ أمّـةٌ — عـلى الدهـرِ لا تـفـنَـى ولا تـتـضـعْضَعُ
نــزلتــم كــأطــيـافِ الربـيـعِ بـشـاشـةً — يُــضــاحِــكــكُـم روضٌ مـن النـيـلِ مُـمْـرِع
وخــلّفــتُــمُ أهــلاً كــرامــاً وأرْبُــعــاً — فــــحـــيّـــاكـــم أهـــلٌ كـــرامٌ وأرْبُـــع
هـنـا عَـلَمُ الشـرقِ الذي فـي يـمـيـنكم — ســتــعـنـو له الأيـامُ والدهـرُ أجْـمَـع
فــســيـروا بـحـمـدِ اللّه للحـقِّ عُـصْـبـةً — وإنْ أسـرعـتْ دُهْـمُ الليـالي فـأسـرعوا
فــفــي هــمَّةــِ الفــاروقِ أفــيـاءُ عِـزّةٍ — وركـــنٌ عـــلى اللأْواء لا يــتــزعــزع
دعـانـا إلى الجُـلّى فـأكْـرِمْ بـمنْ دعا — إلى الوَحْدَةِ الوثْقى وأعْزِز بمَنْ دُعوا
مــليــكٌ له عــزمٌ هـو السـيـفُ مـاضـيـاً — ورأيٌ إذا مـــا أظـــلم الشـــكُّ ألْمَـــع
أعـاد إلى الشـرقِ الشـبـابَ وقـد مـضَى — وأًَيــأسُ مــا يُــرجَـى الشـبـابُ المـودِّعُ
فـــلا زال دَوْحـــاً للعــروبــة وارفــاً — يُــغَــنِّيــ بِــذكْــراه الزمــانُ ويــسـجَـع
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ابتسام: [ب س م]. (مصدر اِبْتَسَمَ). "كَانَ ابْتِسَامُهُ عَلامَةً عَلَى الرِّضَا" : اِنْفِرَاجُ أَسَارِيرِهِ عَنْ ضَحْكَةٍ خَفِيفَةٍ.
- بلقع: بلقع: مَكَانٌ بَلْقَعٌ: خالٍ، وَكَذَلِكَ الأُنثى، وَقَدْ وُصِفَ بِهِ الْجَمْعُ فَقِيلَ دِيارٌ بَلْقَع؛ قَالَ جَرِيرٌ: حَيُّوا المَنازِلَ واسأَلُوا أَطْلالَها: ... هَلْ يَرْجِعُ الخَبَرَ الدِّيارُ البَلْقَعُ؟ كأَنه وَضَعَ …
- تلمع: تَلَمَّعَ يَتَلَمَّعُ تَلَمُّعاً :- البرقُ وغيرهُ: أضاء-- الشيءَ: اختلسه؛ تَلَمَّعَ النظرَ إليها.
- تنبع: تَنَبَّعَ يَتَنَبع تَنَبُّعا .- الماء. جاء قليلاً قليلا؛ وجد البستاني ماءً يتنبّع من الحفرة التي حفرها.