أرشــــيــــدُ لا جُـــرْحٌ ولا إيـــلامُ
الشاعر: علي الجارم · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أرشــــيــــدُ لا جُـــرْحٌ ولا إيـــلامُ — عـــاد الزمـــانُ وصــحّــتِ الأحــلامُ
وتــمــثّــلتْ فــيـكِ الحـيـاةُ فَـتِـيّـةً — مــن بـعـدِ مـا عـبـثَـتْ بـكِ الأيـام
يـا زيـنـةً بـيْـنَ الثـغـورِ وفـتـنـةً — ســحــرَ المــمــالكَ ثـغـرُكِ البـسّـام
يــا وردةً بــيــن الرمـالِ نـضـيـرةً — تُـزْهَـى بـهـا الأغـصـانُ والأكـمـام
يـا درّةَ البـحـرِ التـي بـومـيـضـها — ضــحِــكَ الصــبــاحُ وأشـرق الإظـلام
يـا دَوْحـةً نَـبـت القـريـضُ بـأرضِهـا — فـــأصـــولُهـــا وفـــروعُهــا إلهــام
يـا روضـةً فـتـن العـيـونَ جـمـالُها — وتــحــدّثــت بــأريــجِهــا الأنـسـامُ
يـا هـمـسـةَ الأمـلِ الوسـيمِ رُواؤه — لو كــان للأمــلِ الوســيــم كــلام
يـا صـحـوةَ المـجـدِ القـديمِ تحدَّثي — طــال الزمــانُ بـنـا ونـحـن نـيـام
يــا طـلعـةً للحـسـنِ شـاع ضـيـاؤهـا — وانـجـاب عـنـهـا البـحرُ وهو لِثامُ
أرشـيـدُ يا بلدي ويا ملهَى الصبا — بـيـنـي وبـيـن مَـدَى الصـبـا أعوام
أيــامَ لي فــي كــلِّ سَــرْحٍ نَــغْــمَــةٌ — وبــــكــــلِّ ركـــنٍ وقـــفـــةٌ ولِمـــام
أيـــام لا أمـــسِـــي يـــجُــرُّ وراءه — أســـفـــاً ولا يــومــي عــليّ جَهــام
ألهـو كـمـا تـلهو الطيورُ حديثها — شـــدْوٌ وَرَفُّ جَـــنـــاحِهـــا أنـــغـــام
مــتــنــقِّلــاتٍ بـيـن أزهـارِ الرُّبـا — الجـــوُّ مَـــتْــنٌ والنــســيــمُ زِمــامُ
ومــطــالبـي لم تَـعْـدُ مـدَّةَ سـاعـدي — بُـعْـداً فـمـا اسـتـعـصَـى عـليّ مـرام
لهـوُ الطـفـولة خـيـرُ أيـامِ الفتَى — إنّ الحـــيـــاةَ وكَـــدَحَهـــا أوهــام
أرشـيـدُ فـيـكِ لُبـانـتـي وصَـبـابـتي — والصِّهـــْرُ والأخـــوالُ والأعــمــام
لمـسـتْ حـنـو الحـبِّ فـيـكِ تـمـائِمـي — ورأيــتُ فــيــكِ الدهــرَ وهـو غـلام
ونــشـأتُ فـي ظـلِّ النـخـيـل يَهُـزُّنـي — شــــوقٌ إلى أفـــيـــائِهـــا وغـــرام
أرخــتْ شــعــوراً للنـسـيـمِ كـأنّـمـا — أظــلالُهــا تــحــت الغَـمـامِ غـمـام
تـهـفـو ويـمـنـعها الحياءُ فتنثني — كـــالغـــيــدِ روّعَ سِــرْبَهــا اللُّوام
إنــا كــبِـرْنـا يـا نـخـيـلُ وحـبُّنـا — بــيــن الجــوانــحِ شُــعْــلةٌ وضِــرامُ
كـم طـوَّقَـتْ مـنـكِ القُـدودَ سـواعـدي — ولكــم شــفــانـي مـن جَـنـاكِ طـعـام
ولكــم هـززتِ فـتـاكِ حـيـن حـمـلتـهِ — كـالأمِّ تُـلْهـي الطـفـلَ حـيـن يـنام
إن يُـقْـصِـنـي عـنـكِ الزمـانُ وأهْـلهُ — فــالْحُــبُّ عــهــدٌ بــيــنــنـا وذِمـام
مِـيـسـي كـأيـامِ الطـفـولةِ وارْفُـلي — فــالجــوُّ صَــفْــوٌ والنــعـيـمُ جِـمـام
غــنَّى لك القــلمُ الذي أرهــفــتــهِ — أرأيـــتِ كـــيــف تــغــرِّدُ الأقــلام
هــذا وليــدُك جــاء يُــنـشـد شـعـرَه — مـا كـلُّ مـا تـحـوي الخـيـوطُ نِـظام
أصــغَـى له الوادي وغـنّـتْ بـاسـمـه — بــغــدادُ واهــتــزَّت إليــهِ الشــام
إن قــال مـال له الوجـودُ بـرأسـهِ — ورنَــت له الأســمــاعُ والأفــهــامُ
مـلك العَـصـي مـن القـريـضِ بـسـحره — طَـوْعـاً فـمـا اسـتـعـصَـى عليه خِطام
أرشيدُ هل في أن يبوحَ أخو الهوى — حَـــرَجٌ وهـــل فــي أن يَــحِــنَّ مــلام
يـا مَـرْتـعَ الآرامِ رَنـحـهـا الصِّبا — كــيــف المــراتــعُ فــيــكِ والآرام
مــن كــلِّ لفَّاــء المــعـاطـفِ طَـفـلْةٍ — جِــيــدٌ كـمـا يـهَـوى الهـوَى وقَـوام
سـتـرت مـلاحـتَهـا المُـلاءَةُ مثلما — سـتـر الغـمـامُ البـدرَ وهـو تـمـامُ
يدنو الجمالُ بها فيحجبها التُقَى — كَــظــبــاءِ مــكــةَ صــيــدُهــنّ حــرَام
فـإذا نـظـرتَ فـخـذْ لنـفـسِـك حِذْرها — إنّ العــيــونَ كــمــا عـلمـتَ سـهـام
أرشـيـدُ مـجـدُكِ فـي القـديمِ صحيفةٌ — بـــيـــضــاءُ لا لبْــسٌ ولا إبــهَــامُ
مــلأتْ مــآذِنـكِ السـمـاءَ شـوامـخـاً — بــيــن الســحــابِ كــأنّهــا أعــلام
كــم شــاهـدتْ قـومـاً زهـتْ أيـامُهـم — حــيــنــاً وجــاءت بــعــدَهـم أقـوام
ســبــحـانَ مـن لا مـجـدَ إلاّ مـجـدُه — نَــفْــنَـي وَيـبـقَـى الواحـدُ العـلاَّم
خذْ من زمانِكَ ما استطعْت فما لما — أخـــذتْ يـــداكَ مــن الزمــان دوام
وارضَ الحـيـاةَ نـعـيمَها أو بؤسَها — نُــعْـمـى الحـيـاةِ وبـؤسُهـا أقـسـام
أرشــيــدُ لم نــســمَــعْ لصـدرِك أَنّـةً — للنّـــازلاتِ الدُّهْـــمِ وهــي جِــســام
أجـمـلتِ صـبـراً للحـواديـثِ فانثنت — إنّ الكــرامَ عــلى الخــطـوبِ كِـرام
اليــومَ جــدّدْتِ الشــبـابَ فـأَقْـدِمـي — مـعـنـى الشـبـابِ العـزمُ والإقدامُ
سـعـت الوفـودُ إلى مـصـيـفِـك سـبّقاً — يــتــلو الزحـامَ إلى سـنـاه زحـام
النــيــلُ والبـحـرُ الْخِـضَـمُّ يـحـوطُه — والبـاسـقـاتُ عـلى الطـريـق قـيـام
والتـوتُ والصَّفـْصـافُ يـهـتـفُ طـيـرُه — فـــتـــردِّدُ الكُـــثْـــبــانُ والآكــامُ
والزهـرُ فـي جِـيـدِ الريـاضِ قـلائدٌ — والنــهـرُ فـي خَـصْـرِ الريـاضِ حِـزام
والمـوجُ كـالخـيـلِ الجوامحِ أُطْلِقت — وانــحــلّ عــنــهــا مِــقْــوَدٌ ولجــام
تــجــري الســفـائنُ فـوقَه وكـأنّهـا — والريــحُ تــدفــع بـالشـراعِ حـمـام
ومـنـاظـرٌ يَـعْـيـا القـريـضُ بوصفِها — ويـــضِـــلُّ فــي ألوانــهــا الرّســام
والنــاسُ بــيــن مــمــازحٍ ومـداعـبٍ — والأنـــسُ حـــتـــمٌ والســـرورُ لِزَامُ
مـن شـاء فـي ظـلِّ السـعـادةِ ضَـجْـعَةً — فــهــنــا تُــشــادُ صُـرُوحُهـا وتُـقـام
أو رام نِـسْـيـانَ الهـموم فها هنا — تُــنْــسَــى الهـمـومُ وتـذهَـبُ الآلام
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البسام: البَسَّامُ : كثيرالتبسم؛ كُنْ بَشُوشاً بسّاماً لا عبوساً مقطباً.
- الوسيم: الوَسِيمُ : الحَسَنُ الوَجْهِ؛ ولدٌ وسيمُ/ إنّهُ لَوَسيمٌ قَسِيمٌ ج وِسَامٌ.
- بوميضها: الوَمِيض : لمعانُ البَرق؛ تتابع الوميضُ وقصْفُ الرعد.
- ثغرك: ثغر: الثَّغْرُ والثَّغْرَةُ: كُلُّ فُرْجَةٍ فِي جَبَلٍ أَو بَطْنِ وَادٍ أَو طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ؛ وَقَالَ طَلْقُ بْنُ عَدِيٍّ يَصِفُ ظَلِيمًا ورِئَالَهُ: صَعْلٌ لَجُوجٌ وَلَهَا مُلِجُّ، ... بِهنَّ كُلَّ ثَغْرَةٍ يَشُجُّ، كَ …
- فتن: فتن: الأَزهري وَغَيْرُهُ: جِماعُ مَعْنَى الفِتْنة الِابْتِلَاءُ والامْتِحانُ وَالِاخْتِبَارُ، وأَصلها مأْخوذ مِنْ قَوْلِكَ فتَنْتُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ إِذا أَذبتهما بِالنَّارِ لِتُمَيِّزَ الرَّدِيءَ مِنَ الجيِّدِ، وَف …