بَـسَـمَـتْ تـتـيـهُ مُـدلّةً بـصـبـاحـهـا
الشاعر: علي الجارم · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الحاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بَـسَـمَـتْ تـتـيـهُ مُـدلّةً بـصـبـاحـهـا — زَهـراءُ يَـعْـبـثُ عِـقـدُهـا بـوِشاحِهَا
نَهَـبـتْ مـن المـسك الفتيقِ سَواده — فـأغـار مـوتـوراً عـلى أنـفـاحِهـا
وتـزيـنـت بـحـلىَ الكـواكبِ مثلَمَا — تَـتَـزيّـنُ الحـسـنـاءُ فـي أفـراحها
أرخـى غـدائرَهـا الحـيـاءُ كـأنها — عَـذراءُ تـخـلِطُ ليـنـهـا بـجِـماحها
هـي ليـلةٌ مـزجَ السـرورُ صـبـاحَها — بـمـسـائِهـا ومـسـاءهـا بـصـبـاحها
نـور المـلائكِ مـن سَـنِـيِّ ضـيائِها — وشـذى جـنـانِ الخُـلدِ من أرواحِها
نَـشَـرتْ جَناحَ السلم يخفِقُ بالمُنى — فـارتـاحـت الدنـيا لخفْقِ جَناحها
ومـضـى بـهـا شَـبَـحُ الخُطوب مُفرَّعاً — ولكَـمْ لقِـينا الويلَ من أشباحها
فُـتِـنَتْ بصفحتها القلوبُ فهَلْ رأتْ — فـي لونِ صـفـحـتـهـا عيونَ مِلاحها
لو أنَّهــا عــادتْ فــكــانـتْ رَوْضَـةً — لتَـغَـنَّتـِ الدنـيـا عـلى أدْواحـهـا
هـي ليـلةُ الفـاروقِ تـتـلو مـجدَهُ — والدهــرُ والأيـامُ مـن ألواحـهـا
قـد أسـفـرتْ عـن صُـبْـحِ يـومٍ بـاسمٍ — بــرّاق ســافـرةِ المُـنَـى لمَـاحـهـا
يــومٌ عــلى مــصــرٍ أغَــرُّ مُــحــجــلٌ — لمـسـتْ به الأملَ البعيدَ براجِهَا
مــدّت له الأيـامُ فَـضْـلَ عِـنـانِهـا — مـن بـعـد طـول نـفـارها وشياحها
وسـمـا بـهـا الفاروقُ نحو مطامحٍ — جـاز الشـبـابُ بـها مدى أطماحها
غُـصـنٌ مـن المـجـدِ النـضيرِ بدوحةٍ — كـم أصْـغـتِ الدنـيا إلى أصْداحها
إن أشـكـلت دُهْـمُ الأمـورِ وأغلقتْ — أبـوابَهـا فـسـلوه عـن مِـفـتـاحها
تُـبْـنَـى المـمالكُ والبطولَةُ أُسَّها — وعــزائمُ الأحـرار مـن صُـفَّاـحـهـا
والمـجـدُ أنْ تَـرِدَ الصـعـابَ بـهمةٍ — شُـمُّ الرواسـي عِـنـدَهـا كـبِـطـاحها
تُـلقـى على الأحْداثِ من بَسَماتِها — مـا يُـذهِـلُ الأحـداثَ عن إلحاحها
وَلرُبَّ نــفــسٍ ضَــمَّهـا صـدرُ الفـتَـى — ويـضـيـقُ صـدرُ الأرضِ عـن فـيَّاحها
شَـرَتِ المـكـارمَ حُـلوةً بـجـهـادهـا — مُـرا فـكـان الحـمـدُ مـن أرباحها
والنــاس أشــبــاهٌ ولكــنَّ العُــلاَ — عَـرَفَـتْ فـتـى العزماتِ من مزَّاحها
فاروقُ أنت فتى العُروبةِ وابنُها — وبـشـيـرُ وحْـدتِهـا وزَنـدُ كِـفـاحها
جَــمَّعــتَ فُــرقــتـهـا فـأضـحـتْ أمّـةً — أقـوى وأصْـلَبَ مـن حـديـد رمـاحها
بَـسـمَتْ لها الدنيا وأشرقَ وجهُها — مـن بـعـدِ مـا عَبَستْ لطولِ نُواحها
وشـفـى الزمـانُ جِـراحَها ولطالما — ضــاق الزمــانُ وطِــبّهُ بـجـراحـهـا
وتــوحّــدت رايــاتُهــا فــي رايــةٍ — تُـزْهَـى الريـاحُ بـعُجبها ومِراجِهَا
أمــمٌ لهــا خُــلْقُ السـمـاحِ سَـجـيَّةٌ — ودمـاؤهـا في الحرب رَمزُ سَماحها
فـي جَـبـهـة التـاريـخ منها أسْطُرٌ — كَـتَـبَ الإِبـاءُ حـروفَهـا بـسلاحِها
آيــاتُ مــجـدٍ مُـشـرِقـاتٌ فـاسـألوا — عَـمْـرواً وسـيـفَ اللّه عن أوْضاحها
نــهــضــتْ بــفــاروقٍ فـكـانـت آيـةً — للبَـعـثِ بـعـد شَـتـاتـهـا وطراحها
ورأتْ بـشـائرَ يُـمـنـهـا فـي طَـلْعَةٍ — تُـغْـني بها البسَماتُ عن إفصاحها
وجــه كــأنّ البــدرَ ألقــى فــوقَه — لألاءَهُ والشــمــسَ نـورَ لِيـاحـهـا
ومــضـاءُ نـهَّاـض العـشـيـرة بـاسـلٍ — حــمَّاــل ألوِيَــة العُـلاَ كَـدّاحـهـا
هَــبَّتــْ بـه مـصْـرٌ إلى قَـصَـبـاتـهـا — ريـحـاً تُـسـابـق عـاصـفـاتِ رياحها
رَسَــمَ النـجـاح لهـا فـسـارتْ حُـرَّةً — من بَعْدِ ما التبستْ طريقَ نجاحها
والنـاسُ مـن هممِ الملوكِ وثوبُهم — مـن وحْـيـهـا وصـلاحُهـم بـصـلاحها
وإذا السـفـينةُ لم تُبالِ زَعازعاً — فـاسـأل كـبـيـرَ الشـطِّ عن ملاَّحهَا
عـيـدَ الجـلوسِ وفـي جَـبـيـنـك آيةٌ — للسـلْم تُـنجي الأرضَ من أتْراحهَا
حَـرْبٌ طَـوى الحـلفـاءُ فـيـها صَيْحةً — للظـلم أزعـجـتِ الورى بـنُـبـاحهَا
والحـربُ تـبـدأ كـالحَـصـاة بزاخرٍ — لم يُـدْرَ إنْ قُـذفَـتْ مـدَى مُنداحها
كـم هـزَّتْ الدنـيـا صـواعـقُ نارها — وأصــاب وجـهَ الأرضِ مـن لَوّاحـهَـا
نـفـسـي فـداءُ البسل في حَوْماتها — وفـدَى الشـبابِ يسيلُ فوقَ صِفاحهَا
تَـشـري شُـعـوبُ الحـقِّ فـيـهـا مبدأً — بـالنـقْـدِ مـن دمِها ومن أرواحهَا
النـصـرُ قـد خَـفَـقَـتْ لهـم أعـلامُه — والحـربُ قـد صاح البشيرُ بساحهَا
وغَــدَتْ عــلى الظـمـآن للدّم غُـصّـةً — وجَهــنــمــاً أخْـزَى عـلى سَـفّـاحـهَـا
عــيــدَ الجــلوسِ وللقــوافـي رَنّـةٌ — ألْهَـتْ غـصـونَ الدوْح عـن صَـدّاحـهَا
أرسـلتُهـا مـلءَ الأثـيـر كـأنـمـا — وحْـيُ السـمـاء اخـتار غُرَّ فصاحهَا
ونَــثــرتُهــا دُرراً فــودّتْ أنــجــمٌ — لو عَـدّهُـنَّ الحـسـنُ بـيـن صِـحـاحهَا
عـيـدَ الجلوسِ وفيكَ ضاحكةُ المُنى — دَبَّ الســرورُ بـروحـهـا وبـراحـهَـا
ثـمِـلَتْ وأغـصـانُ الربـيـع تمايلتْ — فــكــأنـهـنّ شـرِبْـنَ مـن أقـداحـهَـا
فـاروقُ ذكْـرُكَ فـي الوَرى مـتـجـدِّدٌ — كـالشـمـس بـيـن غُـدوِّهـا ورَواحـهَا
أجْهـدتَ سـاريـةَ الخـيـال فـأجْبَلَتْ — مـاذا تـقـولُ اليـومَ في أمداحهَا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الحاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الفتيق: الفَتِيقُ : الصُّبْحُ المشرِق؛ استيقظ عند الفتيق.- من العقولِ: ما تفتَّق فهما.- من الألسِنَةِ: ما تفتَّق فصاحةً وبياناً ج فِتَاقٌ.
- بجماحها: الجُمَّاحُ : سهمٌ بلا نصل مدوَّرُ الرّأس؛ بالجُمّاح يتعلّم الناسُ الرَّميَ.-: سهمٌ أو قصبة يُجعل على رأسها طينٌ ليرمى بها الطيرُ.
- بسمت: سمت: السَّمْتُ: حُسْنُ النَّحْو فِي مَذْهَبِ الدِّينِ، والفعلُ سَمَتَ يَسْمِتُ [يسمُت] سَمْتاً، وإِنه لحَسَنُ السَّمْت أَي حَسَنُ القَصْدِ والمَذْهَب فِي دِينِهِ ودنْياه. قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ سَمَتَ لَهُمْ يَسْمِتُ …
- بصباحها: الصَّبَاحُ : أَولُ النَّهار؛ أتاهُ صباحَ مساءَ أي تردد عليه من غير انقطاع/ عِمْ صَبَاحاً، أي طابَ عيشك في الصَّباح ج أَصْبَاحٌ.
- بوشاحها: الوشَاحُ : خَيْطانِ من لؤلؤ وجوهر منظومان يُخَالَفُ بينهما معطوفٌ أحدهما على الآخر. -: نسيجٌ عريض يُرَصَّع بالجوهرِ وتشدّه المرأةُ بن عاتِقها وكَشْحَيْها. -: نسيج عريض مُلوَّن يَشُدُّه القاضي أو النائب بين عاتفه وكَشْحِه …