مَــلكَ المُــصَــابُ عـليـهِ كُـلَّ جِهـاتِه

الشاعر: علي الجارم · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة رثاء

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 69 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة رثاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مَــلكَ المُــصَــابُ عـليـهِ كُـلَّ جِهـاتِه — إِنْ كــانَ مِــن صَــبْـرٍ لَدَيْـكَ فـهـاتِه

أسْـوانُ تَـعْـرِفُهُ إذا اخْـتَلَطَ الدُّجَى — بـــالنَّبـــْرَةِ السَّوْدَاءِ فــي أَنَّاــتِه

يَـبْـكِـي ويَـنْـظُـرُ في السَّماء مُصَعِّداً — مـا يَـبْـتَـغِـي الْحَـيْرَانُ مِنْ نَظَرَاتِه

خَـفَـقَـانُ نَـجْـمِ الأُفْـقِ مِـن خَـفَقَانِه — وَهَـجـيـرُ قَـيْـظِ البِـيـدِ مِـنْ زَفَراتِه

وبُــكــاءُ كــلِّ غَــمَــامَــةٍ هَــتَّاــنَــةٍ — مِـنْ بَـعْـضِ مـا يُـبْـدِيِهِ مِـنْ عَـبَراتِهِ

ونُــوَاحُ ذاتِ الطَّوْقِ فــي أعْـوادِهـا — مـا تُـرْسِـلُ الأقْـلاَمُ مِـن نَـفَـثَـاتِهِ

يـرْثـي فـيـحـتـبِـسُ البـكـاءُ بـصَوْتِه — أيـنَ الرَّخِـيـمُ الْعَـذْبُ مِـنْ أصْـوَاتِه

فــي صَــدْرِه قَــلِقُ الْجَـوَانِـح مُـوجَـعٌ — مَــلَّتْ نُــجُــومُ الَّليــلِ مــن دَقَّاــتِهِ

كَـالطَّيـْرِ فـي قَـفَـصِ الْحَـدِيدِ مُوَثَّقاً — قـد أَوْهَـن الأَسْـلاَكَ مـن خَـفَـقـاتـهِ

يَـبْـكِـي ويَـضْـرِبُ بِـالجَـنَـاحِ مُـجـرَّحاً — يـا وَيْـلَ مـا فَـعـلتْ يَـمـيـنُ رُمَاتِه

نُــوَبٌ كَـليْـلاتِ المَـحـاق تَـتـابـعـتْ — مُـــتَـــشــابــهــاتٍ هــذه مِــنْ هــاتِه

وبـنـاتُ دَهْـرٍ قـد زَحَـمـنَ مَـنَـاكـبِـي — وَيْــلاَهُ لَوْ أَسْــطِــيــعُ وَأدَ بَـنَـاتِه

أوْدَى أبـو الفـتحِ الْمُرجَّى واختَفَى — عَــلَمٌ طَــواه الدهــرُ فــي طَــيَّاــتِه

وانـــحـــازَ للرَّكْــبِ الذي مــن آدمٍ — مــا زَال يُــزْعـجـنَـا رَنِـيـنُ حُـدَاتِه

سـارتْ بـه الأَحْـبـابُ تَسْتَبِقُ الْخُطَا — والقَــلْبُ مَــكْــظــومٌ عَــلَى حَـسَـرَاتِه

فـوقـفتُ أَنْظُر في الفَلاةِ فلم أجِدْ — إِلاَّ جــلالاً فــي فــسِــيــحِ فَــلاتِه

يـا جَـامِـعـاً شَـمـلَ الشُّيـوخِ بـحَزْمِهِ — مَــنْ ذَا يَــلُمُّ اليـومَ مِـن أشْـتـاتِه

يَـمْـشِـي الرَّعـيـلُ نـواكـسـاً أَبصارُهُ — مـن بـعـدِ مـا عَـبِـثَ الرَّدَى بِحُماتِه

أَلوَى بِـــعَـــزْمَـــتِهِ وَهَـــدّ شِــمــاسَه — قَــدَرٌ أطــاحَ القَــرْمَ عَــن صَهَــواتِه

حَـيْـرَانُ يـعـثُـرُ بـالأعِـنَّةـِ مـثـلَما — يــتَــعــثَّرُ التَّمــْتَـامُ فـي تـاءاتـهِ

يَـطْـفُـو نَـشِـيـجُ اليَـأْسِ مـن لَهَواتِه — وَتـــئِزُّ نَـــارُ الشَّوْقِ فـــي لَبَّاـــتِه

سارتْ به الفُرْسانُ تَخْبِطُ في الدُّجَى — والرَّكْــبُ قــد زاغَـتْ عُـيـونُ هُـداتِه

يَــبْــكُــون للطّــرْفِ المُــخَـلَّى سَـرْجُه — والفــارِسِ المُــنْــبَـتِّ عـن غـايَـاتِه

يَــبْــكُــون للدِّرْعِ المــطَــرَّحِ حَـطَّمـَتْ — أيـدِي الزَّمـانِ العُـسْـرُ من حَلَقاتِه

يَــبــكُـون أطـولَهـم يـداًن وأبَـرَّهـم — كــفــا وَأَسْــبَــقَهــم إِلى قَــصَـبـاتِه

خُـلُقٌ كـمـا يَـصْـفُـو النُّضـارُ وطَـلْعَةٌ — أَزْهَـى مـن ابـنِ الليـلِ في هالاَتِه

مَـنْ صـارَ فـي الْخَـمْسِينَ فَخرَ بِلادِه — قـد كـان فـي العِـشْرينَ فَخْرَ لِدَاتِهِ

والدَّهْـرُ لا يُـنْشِي الرِّجالَ صَوارِماً — إِلاّ إِذا نَــضِــجُــوا عــلى جَـمَـراتِه

صــانَ الكَــرامــةَ أَن تُـمَـسَّ وَإِنّـمـا — إِذلالُ نَـــفْـــسِ المَــرْءِ مــن زَلاَّتِه

مُـنِـعَ الرَّقـيـقُ ولا تـزالُ عِـصـابـةٌ — تَهْـــفُـــو إِلى أَغْـــلالِهِ وسِـــمَــاتِه

قـد كـان كـالفَـلَكِ الدَّءُوبِ نَـشـاطُه — لاَ يــسْــتـريـحُ الدَّهـرَ مـن دَوْرَاتِه

فــإذا تــراءَى ســاكــنــاً فَــلأَنــه — فــي أَســرعِ الأَحْـوَالِ مـن حَـركَـاتِه

الْحَـــقُّ والإِيـــمــانُ مِــلْءُ فُــؤَادِه — وبَــلاَغــةُ الأَعْــرابِ مِــلءُ لَهــاتِه

فــإِذا تَــخــطَّرَ للجِــدَالِ مُــصَــاوِلاً — فـاحْـذَرْ فَـتـى الفِتْيانِ في صَوْلاتِه

السـيـلُ فـي دَفَـعـاتِه والسـيـفُ فـي — عَــزَمــاتِه والمَــوتُ فــي وَثَــبــاتِه

ليــس القَــوِيُّ بــنَــابِه وبــظــفْــرِهِ — مِـــثْـــلَ القَــوِيّ بــرَأيِه وثَــبَــاتِهِ

والْحُـجَّةـُ البَـيْـضـاءُ أفْـضَـلُ مَـقطَعاً — مـــن نَـــصْــلِ كُــلِّ مُهــنَّدٍ وشَــبَــاتِه

مــاذَا أصــابَ الليــثُ عـن غَـدَواتِهِ — صُــبْــحــاً ومـاذَا نَـالَ مـن رَوْحـاتِه

سَـمَـحـتْ له الدُّنـيـا بـماء سَرَابِها — فــابــتـاعَه مـنـهـا بـمـاءِ حَـيـاتِه

إِنَّ الأمــانِــيَّ الْحِــسَــانَ جَــمِـيـلةٌ — لو حــقــقَ الإِنْــســانُ أمْــنِــيّــاتِه

فـــلرُبّ رَوْضٍ للنّـــواظِـــر مُـــعْــجِــبٍ — كــمَــنـتْ سُـمـومُ الصِّلـِّ فـي زَهَـراتِه

قــد كــان لي أمــلٌ سَـقَـيْـتُ فُـروعَه — بــدَمِــي وغَــذَّيــتُ المُـنَـى بـعَـذَاتِه

أَحْـنُـو عـليـه مـن الهَـجـيـرِ يَـمَـسُّه — ومــن النَّســِيــم يَهُــزُّ مـن أسَـلاتِه

وأَذُودُ عـنْهُ الطـيْـر إِن حـامتْ على — زَهْــرٍ يُـضِـيـءُ الأفـقَ فـي عَـذَبـاتـه

الليـــلُ يَـــنْـــفـــحُه بــذَائبِ طَــلِّه — والصُّبــحُ يَــمْــنَــحُه شُــعَـاعَ إِيَـاتِه

حــتــى إِذا قَــوِيــتْ لِدَانُ غُــصــونِه — واســتَـحْـصَـد المَـرْجُـوُّ مـن ثـمَـراتِه

وأَخَـذْتُ أَسْـتَـجْـلي السَّنـَا مـن نَوْرِه — وأشَــمُّ رِيــحَ الْخُــلْدِ مـن نَـفَـحـاتِه

وأُفـــاخِـــرُ الزُّرَّاعَ أنَّ غِـــرَاسَهـــم — لم يَــزْكُ مِــثــلَ زَكــائهِ ونَــبــاتِه

عَــصَــفــتْ بــه هُــوجٌ فــخــرّ مُـعَـفَّراً — وجَـنَـى عَـلَيْه الْحَـيْـنُ قَـبْـل جَـناتِه

وَوَقَــفْــتُ أَنــظُـرُ للحُـطَـامِ مُـحَـطَّمـاً — مُــتَــفَــتِـتَ الأفْـلاذِ مـثـلَ فُـتـاتِه

أَهْــوِنْ بــدُنْــيـا مَـا لحـي عِـنْـدهـا — وَعْــدٌ يُــنــجَّزُ غَــيْــرَ وَعْــدِ وَفــاتِه

سَـلْ كُـلَّ مَـنْ كَـتَـب الكَـتائب غَازِياً — هـــل رَدَّ الْجَـــيْـــشُ سَهْـــم مــمــاتِهِ

إنَّ ابــــنَ داودٍ عــــلَى سُـــلْطـــانِه — قــد خَــرَّ مُــنْـفَـرِداً عـلى مِـنْـسـاتِهِ

وهــو الذي مَــلَك المُـلوكَ بـبَـأسـهِ — وأخــاف جِــنَّ الأرضِ مــن سَــطَــواتِهِ

كلُّ ابنِ أنثى في الْحَياةِ إِلى مدىً — والمـرءُ فـي الدُّنـيـا إِلى مِيقاتِهِ

أأخِــي دعــوتُ فــلم تُـجِـبْ ولرُبّـمـا — قــد كــنــتَ أســبـقَ نـاهـضٍ لدُعـاتِهِ

قـد كـان عَهْـدُك فـي بَـشـاشـةِ أُنْـسِهِ — عَهْــدَ الشَّبــابِ مَــضَــى إِلى طِـيّـاتِهِ

كــان الزمــانُ يُــظِــلُّنـا بـرَبِـيـعِه — فــتــركــتــنـي للقُـرِّ مـن مَـشْـتَـاتِهِ

أَبــكِــي الشَّبــابَ وزَهْــوَهُ وصِـحـابَه — والمُــشْــرِقَ الوَضّــاحَ مـن بَـسَـمـاتِهِ

كــنَّاــ كــفَــرْعَــيْ بـانـةٍ فَـتـفَـرّقـا — والدَّهْــرُ لا يَــبْـقَـى عـلى حَـالاَتِه

والعُــمْــرُ أَضْــيَـقُ أن يُـمَـدَّ لسـالِكٍ — إِن أوْسَــع الْخُــطُـواتِ فـي سَـاحـاتِه

أَصْـفَـيْـتـنـي مَـحْـضَ الوِدادِ وطَـالما — خَــلَط المُــمــاذِقُ مِــلْحَه بــفُــرَاتِه

ورَفَــعْــتَ مــن شِـعْـري وكـنـتَ تُـحِـبُّه — وتُــحِــسُّ سِــرَّ الفَــنِّ فــي أبْــيــاتِه

فــاســمَـعْه مـن بـاكٍ أَطَـاع شُـجـونَه — فَــطَــغــتْ زَواخِــرُهـا عَـلَى مَـرْثـاتِه

نَـظَـم الدُّمُـوعَ فـكُـنّ بَـحْـراً كـامِلاً — وأقــام بــالزَّفَــراتِ تَــفْــعـيـلاتِه

أَنْــشِــدْه حَــسّــانــاً إِذا لاقَــيْــتَهُ — فــي جَــنــةِ الفِــرْدَوْسِ بـيـن رُواتِه

وافـخـرْ بـقَـوْمِكَ أَنْ أعادُوا لِلْورَى — عــهــدَ البَــيــانِ ومُـجْـتـلى آيـاتِهِ

وانـــعَـــمْ بــرضْــوانِ الإِله وظِــلِّه — واسـعَـدْ بـعَـيْـشِ الْخُـلْدِ فـي جَـنَّاتِهِ

إِن الذي خَـــلَقَ البُـــكــاءَ أغــاثَه — بــاللُّطـفِ والإِحْـسـانِ مـن رَحَـمـاتِه

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • اختلط: اخْتَلَطَ يَخْتَلِطُ اخْتِلاطاً : امتزج. - عقله: فسد؛ تجلَّى الاختلاطُ في تفكيره. - عليه الأمرُ: أشكل وخفي. - الليلُ: اعتكر؛ اختلط الليل وامتلأت السماء بالغيوم.
  • الحيران: الحَيْرَان : المتَحَيِّركالَّذِي اسْتَهْوتْهُ الشَّيَاطِينُ في الأَرْضِ حَيْرَانَ مؤ حَيْرَى ج حَيَارَى.
  • الرخيم: الرَّخِيمُ : ــ من الأصوات: اللَّيِّنُ السَّهل؛ أطربَ المغنِّي المستمعين بصوته الرَّخيم.
  • الطوق: طوق: الطَّوْقُ: حَلْيٌ يُجْعَلُ فِي الْعُنُقِ. وَكُلُّ شَيْءٍ اسْتَدَارَ فَهُوَ طَوْقٌ كطَوْق الرَّحى الَّذِي يُدِير القُطْب وَنَحْوِ ذَلِكَ. والطَّوْقُ: واحدُ الأَطْواق، وَقَدْ طَوَّقْتُه فتَطَوَّقَ أَي أَلبسته الطَّوْق …
  • بصوته: صوت: الصَّوتُ: الجَرْسُ، مَعْرُوفٌ، مُذَكَّرٌ؛ فأَما قَوْلُ رُوَيْشِدِ بْنِ كَثيرٍ الطَّائِيِّ: يَا أَيُّها الراكبُ المُزْجِي مَطِيَّتَه، ... سائلْ بَني أَسَدٍ: مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ فإِنَّما أَنثه، لأَنه أَراد بِهِ الضّ …
  • ترسل: تَرَسَّلَ يَتَرَسَّلُ تَرَسُّلاً : ـ في الأَمرِ: تمهّل فيه وترفَّقَ؛ ترسَّل الباحثُ في دراسة الموضوع متوخّياً الدِّقة. ـ الكاتبُ: أتى بكلامِهِ مرسلاً غير مسَّجع؛ يندر أن يترسل الكُتَّابُ المعاصرون فيما يكتبون. ـ في القعو …
  • تعرفه: جمع: ـات. [ع ر ف]. "حُدِّدَتْ تَعْرِفَةٌ جَدِيدَةٌ لأَسْعَارِ الْمَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ" : لاَئِحَةٌ تُحَدِّدُ الأَسْعَارَ.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة