يــا نَــسْــمَــة رنّــحــتْ أعـطـافَ واديـنـا

الشاعر: علي الجارم · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة غزل

هذه القصيدة من شعر علي الجارم، من العصر الحديث، وتقع في 79 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

يــا نَــسْــمَــة رنّــحــتْ أعـطـافَ واديـنـا — قِــفــي نُــحــيِّيــك أو عــوجــي فـحـيِّيـنـا

مــرَّتْ مــع الصـبـح نَـشْـوَى فـي تـكـسُّرهـا — كــأنَّمــا سُــقِــيــتْ مــن كــفِّ ســاقــيـنـا

أرخـــتْ غـــدائرَهـــا أخـــلاطَ نــافِــجــةٍ — وأرســـلتْ ذيـــلَهــا ورداً ونِــسْــريــنــا

كــأنّهــا روضــةٌ فــي الأفــقِ ســابــحــةٌ — تــمــجُّ أنــفـاسُ مَـسْـراهـا الريـاحـيـنـا

هـبَّتـْ بـنـا مـن جـنـوبِ النـيـلِ ضـاحـكـةً — فـيـهـا مـن الشـوقِ والآمـالِ مـا فـينا

إنّــا عــلى العــهـدِ لا بـعـدٌ يـحـوِّلنـا — عــن الودادِن ولا الأيــامُ تُــنْـسـيـنـا

أثــرتِ يــا نــســمَــة الســودانِ لاعـجـةً — وهِــجْــتِ عُــشَّ الهَـوى لو كـنـتِ تـدريـنـا

وســرت كــالحــلم فــي أجــفـان غـانـيـة — ونـشـوة الشـوق فـي نـجـوى المـحـبـيـنا

ويـحـي عـلى خـافـقٍ فـي الصـدر مـحـتـبسٍ — يــكــاد يــطـفـر شـوْقـاً حـيـن تـسـريـنـا

مـــرّت بـــه ســـنـــواتٌ مـــا بـــهــا أَرَجٌ — مــن المُــنَــى فــتــمــنّــى لو تـمـرّيـنـا

نــبّهــتِ فــي مــصــرَ قُـمْـريَّاـً بِـمُـعـشـبـةٍ — مــن الريــاض كــوجـهِ البِـكْـر تـلويـنـا

فـــراح فـــي دَوْحِهِ والعـــودُ فـــي يــده — يــردّد الصــوتَ قُــدْســيــا فــيــشْـجـيـنـا

صــوتٌ مــن اللّه تــأليــفــاً وتــهــيــئةً — ومــن حــفــيــفِ غـصـونِ الروْضِ تـلحـيـنـا

يَـــطـــيــرُ مــن فَــنَــنٍ نــاءٍ إلى فَــنَــنٍ — ويــبــعَـثُ الشـدْوَ والنـجـوَى أفـانـيـنـا

يــا شــاديَ الدَوْحِ هــل وعــدٌ يـقـربُـنـا — مــن الحــبـيـبِ فـإنَّ البـعـدَ يُـقْـصـيـنـا

تــشــابــهــت نَــزَعــاتٌ مــن طــبــائعـنـا — لمــا التــقــتْ خَــطَـراتٌ مـن أمـانـيـنـا

فــــجَــــاءَ شـــعـــريَ أنّـــاتٍ مُـــنَـــغَّمـــةً — وجــاء شــعــرُك غَــمْــرَ الدمـع مـحـزونـا

شــعــرٌ صَــدَحــنــا بــه طـبـعـاً ومـوهِـبَـةً — وجــاشَ بــالصــدرِ إلهــامــاً وتـلقـيـنـا

والنَّفـسُ إنْ لم تـكـنْ بـالشـعـرِ شـاعـرةً — ظـــنَّتـــْه كـــلَّ كـــلامٍ جـــاء مـــوزونــا

تــعــزّ يــا طــيــرُ فــالأيــامُ مــقـبـلةٌ — مــا أضـيـقَ العـيـشَ لو عـزّ المُـعَـزّونـا

خُـــذِ الحـــيــاةَ بــإيــمــانٍ وفــلســفــةٍ — فــربّ شــرٍّ غــدا بــالخــيــرِ مــقــرونــا

فَـــكـــمْ وزنّــا فــمــا أجــدتْ مــوازنــةٌ — فـي صَـفْـحـةِ الغيبِ ما يُعْيي الموازينا

الكـــون كـــوَّنـــه الرحـــمــنُ مــن قِــدَمٍ — فــهــل تــريــدُ له يــا طـيـرُ تـكـويـنـا

إن المْـنَـى لا تُـواتـى مـن يـهـيـمُ بها — كــالغــيـدِ مـا هـجَـرتْ إلاّ المـلحّـيـنـا

تــبـكـي وبـيـنَ يـديْـكَ الزهـرُ مـن عَـجَـبٍ — والأرضُ تــبـراً وروْضـاتُ الهَـوى غِـيـنـا

والمــاءُ يــســبَـحُ جـذْلانَ الغـديـرِ إلى — مـنـابـتِ العُـشْـبِ يُـحـيـيـهـا فـيُـحـيـينا

والزهــرُ يــنــظــرُ مـفـتـونـاً إلى قَـبَـسٍ — يُــطِـلُّ بـيـن ثـنـايـا السـحْـبِ مـفـتـونـا

قـــد حـــزْتَ مُـــلْكَ ســـليـــمـــانٍ ودولتَه — لكَ الريــاحُ بــمــا تــخـتـارُ يـجـريـنـا

مــا أجـمـلَ الكـونَ لو صـحّـتْ بـصـائرُنـا — وكــيـف نُـبْـصِـرُ حُـسْـنَ الشـيـءِ بـاكـيـنـا

اللّه قــد خــلق الدنــيــا ليُــســعـدنـا — ونــحــن نــمــلؤُهــا حُــزنــاً وتـأبـيـنـا

إن جُـزْتَ يـومـاً إلى السـودانِ فارْع له — مـــودّةً كـــصـــفـــاءِ الدرِّ مـــكـــنــونــا

عــهــدٌ له قــد رَعَــيْــنَــاهُ بــأعـيُـنِـنـا — وعُــرْوةٌ قــد عــقــدنــاهــا بــأيــديـنـا

ظِــلُّ العُــروبــةِ والقــرآنِ يــجَــمــعُـنـا — وسَــلْسَــلُ النــيــل يُـرويـهـم ويُـرويـنـا

أشـــعّ فـــي غَـــلَسِ الأيـــام حــاضــرُنــا — وضــاء فــي ظُـلْمـةِ التـاريـخِ مـاضـيـنـا

مـجـدٌ عـلى الدهـر فـاسـألْ مَن تشاءُ به — عَــمْــراً إذا شــئتَ أو إنْ شــئتَ آمـونـا

تــركــتُ مِــصْــرَ وفــي قــلبـي وقـاطـرتـي — مــراجــلٌ بــلهــيــبِ النــار يَــغْــليـنـا

سِــرْنـا مـعـا فُـبـخـارُ النـار يـدفَـعُهـا — إلى اللقــاء ونــارُ الشــوقِ تُـزجـيـنـا

تَــشــقُّ جــامــحــةً غُــلْبَ الريــاضِ بــنــا — كـالبـرقِ شـقَّ السـحـاب الحُـفَّلـَ الجـونا

وللخـــمـــائِل فـــي ثـــوب الدجَــى حَــذَرٌ — كـــأنّهـــا تـــتـــوقَّى عـــيـــنَ رائيــنــا

كـــأنـــهـــنّ العَـــذارَى خِـــفْـــن عــاذلةً — فــمــا تــعــرّضْــنَ إلاَّ حــيـثُ يـمـضـيـنـا

وللقُــرَى بــيــن أضْــغــاثِ الكَــرَى شَـبَـحٌ — كـالسـرِّ بـيـن حـنـايـا الليـلِ مـدفـونا

نــســتـبـعـدُ القُـرْبَ مـن شـوقٍ ومـن كَـلَفِ — ونـــســـتـــحـــث وإنْ كــنَّاــ مُــجــدّيــنــا

وكــم سـألْنـا وفـي الأفْـواهِ جَـابـتُـنـا — وفــي الســؤالِ عَــزاءٌ للمــشــوقــيــنــا

وكــم وكــم مــلَّ حــاديــنــا لجـاجـتـنـا — ومــا عــليــنــا إذا مــا مـلَّ حـاديـنـا

حــتَّى إذا مــا بــدتْ أَسْــوانُ عــن كَـثـبٍ — غــنّـى بـحـمـدِ السُّرَى والليـلُ سـاريـنـا

ومـــا شـــجـــانـــيَّ إلاّ صـــوتُ بـــاخــرةٍ — تــسـتـعـجـلُ الركـبَ إِيـذانـا وتـأذيـنـا

لهــا تــرانــيــمُ إنْ ســارتْ مُهَــمْهَــمــةً — كـالشـعـرِ يُـتْـبـعُ بـالتـحـريـكِ تـسـكينا

يــا حـسـنَهـا جـنَّةـً فـي المـاء سـابـحـةً — تـلقـى النَّعـيـمَ بـهـا والحورَ والعينا

مــرَّتْ تــهــادَى فــأمــواجٌ تُــعــانــقـهـا — حــيـنـاًن وتـلثِـمُ مـن أذيـالهـا حـيـنـا

والنَّخـلُ قـد غَـيـبـتْ فـي اليـمِّ أكـثرَها — وأظــهــرتْ سَــعَــفــاًَ أحْــوى وعُــرْجــونــا

مـا لابـنـةِ القَـفْـرِ والأمـواه تسكُنُها — وهـــل يـــجــاورُ ضَــبُّ الحــرَّة النــونــا

سِــرْ أيُّهــا النـيـلُ فـي أمْـنٍ وفـي دَعَـةٍ — وزادك اللّه إعـــزازاً وتـــمـــكـــيــنــا

أنْــتَ الكــتــابُ كــتـابُ الدهـر أسـطـرُهُ — وَعَــتْ حــوادثَ هــذا الكــون تــدويــنــا

فــكـم مُـلوكٍ عـلى الشَـطْـيـنِ قـد نـزلوا — كـانـوا فـراعـيـنَ أو كـانـوا سـلاطينا

فُـــنـــونُهـــم كـــنّ للأيـــام مُـــعْــجِــزةً — وحُــكــمــهــم كــان للدنـيـا قـوانـيـنـا

مـرّوا كـأشـرطـةِ السّـيـمـا ومـا تـركـوا — إلا حُــطــامــاً مــن الذكــرى يُــؤَسِّيـنـا

إنــا قـرأنـا الليـالي مـن عـواقِـبـهـا — فـصـار مـا يُـضـحـكُ الأغْـرارَ يُـبـكـيـنـا

ثـم انـتـقـلنـا إلى الصـحـراءِ تُـوسِعُنا — بُــعْــداً ونُــوســعُهــا صـبـراً وتـهـويـنـا

كـــأنّهـــا أمـــلُ المـــأفـــون أطـــلقــهُ — فــراح يــخــتــرق الأجــواءَ مــأفــونــا

والرمــلُ يــزخَــرُ فــي هَــوْلٍ وفــي سَـعَـةٍ — كــالبـحـرِ يـزخَـرُ بـالأمـواج مـشـحـونـا

تُــطــلُّ مــن حَـوْلهـا الكُـثـبـانُ نـاعـسـةً — يـــمـــدُدْنَ طَــرْفــاً كــليــلاً ســفــيــنــا

وكــم سَــرابٍ بــعــيــدٍ راح يــخــدَعُــنــا — فــقـلت حـتـى هُـنـا نـلقـى المُـرائيـنـا

أرضٌ مــن النــوم والأحـلام قـد خُـلِقـتْ — فــهــل لهـا نـبـأٌ عـنـد ابـن سـيـريـنـا

كــأنــمــا بــســط الرحــمــنُ رُقْــعــتَهــا — مـن قـبـل أن يـخـلُقَ الأمـواهَ والطينا

تـــســـلَّبَــتْ مــن حُــلِيِّ النَــبْــتِ آنــفــةً — وزُيِّنـــت بـــجـــلالِ اللّه تـــزيـــيـــنــا

صـــمْـــتٌ وســحــرٌ وإرهــابٌ وبــعــدُ مــدىً — مـاذا تـكـونـيـن قـولي مـا تـكـونـيـنـا

صــحــراءُ فــيــكِ خَــبــيــئاً سـرُّ عِـزَّتِـنـا — فــأفـصـحـي عـن مـكـانِ السـرِّ واهـديـنـا

إنّـا بـنـو العُـربِ يـا صـحراءُ كم نَحتت — مــن صــخـركِ الصـلْدِ أخـلاقـاً أواليـنـا

عــزّوا وعــزتّ بــهــم أخــلاقُ أمّــتــهِــم — في الأرضِن لمّا أعزّوا الْخُلقَ والدّينا

مِــنَــصّــة الحــكــم زانــوهــا مــلائكــة — وجَــذْوَة الحــرب شــبّــوهــا شــيـاطـيـنـا

كــانــوا رُعــاةَ جِـمـالٍ قـبـلَ نـهـضـتِهـم — وبــعــدهــا مَــلأوا الآفــاق تـمـديـنـا

إن كَــبّــرتْ بــأقــاصــي الصـيـن مِـئْذَنـةٌ — سـمـعـتَ فـي الغـربِ تـهـليـلَ المـصـلّينَا

قــف يــا قِــطــارُ فـقـد أوهـى تـصـبُّرنـا — طــولُ الســفــارِ وقـد أكْـدَتْ قـوافـيـنـا

وقــد بــدتْ صــفــحـةُ الْخُـرْطـوم مُـشْـرقـةً — كــمــا تـجـلَّى جـلالُ النـورِ فـي سـيـنـا

جــئنــا إليــهــا وفـي أكـبـادنـا ظـمـأٌ — يــكــاد يــقــتُــلُنــا لولا تــلاقــيـنـا

جــئنــا إليــهــا فــمــن دار إلى وطــنٍ — ومــن مــنــازِل أهــليــنــا لأهــليــنــا

يــا ســاقــيَ الحــيِّ جــدّد نَـشْـوَةً سـلفـتْ — وأنــت بــالجَـنَـبـاتِ الحُـمُـرِ تـسـقـيـنـا

واصــدَحْ بــنــونــيــةٍ لمـا هـتـفـتُ بـهـا — تــشــرّق الســمـع شـوقـي وابـنُ زيـدونـا

وأحْــكِــم اللحــنَ يــا سـاقـي وغـنِّ لنـا — إنَّاــ مــحــيّــوكِ يــا ســلمـى فـحـيـيـنـا

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • السودان: [س و د]. : مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ (الجُمْهورِيَّةُ السُّودانِيَّةُ). عاصِمَتُها الخُرْطومُ.
  • تدرينا: تَدَرَّى يَتَدَرَّى تَدَرَّ تَدْرِيَةً [ دري] :- ـه بالشيءِ: أعلمه به؛ إن حاشية الحاكم لا تتركه يتدرَّى بكل ما يجرى في البلد.- ت المراة: سرحت شعرها بالمدرى، وهو ما يشبه المشط.
  • تكسرها: تَكَسَّرَ يَتَكَسَّرُ تَكَسُّراً .- الشيءُ : انكسـر، أي تهشّم؛ تكسرَّ زجاج النافذة / تكسّرت النِّصالُ على النصال.- الشيءَ: كسره.- النورُ على كذا. في الفيـزيـاء، انكسر أي غيّراتَِّجاهَ مساره عند انتقالـه من وسط شفْافٍ إلى …
  • تنسينا: تنس: تُناسُ النَّاسِ: رَعاعُهم، عَنْ كُرَاعٍ. قَالَ الأَزهري: أَما تَنَسَ فَمَا وَجَدْتُ لِلْعَرَبِ فِيهَا شَيْئًا، قَالَ: وأَعرف مَدِينَةً بُنِيَتْ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ بَحْرِ الرُّومِ يُقَالُ لَهَا: تِنِّيسُ، و …
  • جنوب: الجَنُوبُ : الجِهَةُ المقابلة للشَّمال، تقع مدينتنا في جنوب البحر الأبيض المتوسط.-: الريحُ التي تهبُّ من جهة الجنوب؛ هبَّت علينا جَنُوبٌ حارّةٌ/ ريحُهُما جَنُوبٌ، أي هما متصافيان ج جَنَائبُ.
  • ذيلها: ذيل: الذَّيْل: آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ. وذَيْل الثَّوْبِ والإِزارِ: مَا جُرَّ مِنْهُ إِذا أُسْبِل. والذَّيْل: ذَيْلُ الإِزار مِنَ الرِّداء، وَهُوَ مَا أُسْبِل مِنْهُ فأَصاب الأَرض. وذَيْل المرأَة لِكُلِّ ثَوْبٍ تَلْبَسه إِذا …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة