سفينة الموت
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
فَغَرَ اليمُّ فاه للرُّكبانِوطغى الماءُ، واختفى الشاطئان
وبدا الموتُ سافرًا كالحَ الوجــهِ، ولم تُجدِ حيلةُ الرُّبان
وتهاوى السفينُ تحتَ جبالٍشاهقات الذُّرا غِلاظِ الرِّعَان
الجبالُ التي على الفُلك ماءٌربَّ ماء أقسى من الصَّفوان
رُبَّ زيتٍ يفري البُطون، وماءٍعبَّ منه مَن ليس بالظمآن
دَخَلَ الموتُ، يسرقُ الخطوَ، لصًّابين رقص الدُّمى، وعزفِ الكَمان
سائل الرَّكبَ: كيف صارت أغانيــهِ أنينًا يصُكُّ سمع الزمان؟
واستحالتْ ألحانهُ حشرجاتِمن حلوق النساء والولدان؟
لهْفَ نفسي على صبي غريرٍغافلٍ عن طوارق الحِدثان
مات في حِضن أمَّه! يا لأمٍأدركتها في لحظة موتتان!
لهف نفسي على فتًى أطبقَ الموجُ عليه فخانه الساعدان!
وفتاةٍ زفت إلى النيل بكرًاومضى عرسُها بلا مهرجان!
ربَّ ناج أصابَ عمرًا جديدًافقضاهُ فريسةَ الأحزان!
صرخاتُ الغرقى يصُكُّ صداهاأُذنيه صكًّا بكلِّ مكان
أيُّها النيلُ، كم عمرت يبابًاوبعثتَ الحياة في الأبدان
فعلام استحلتَ موتًا زُؤامًاوأشعتَ الخراب في العمران؟
أعصيرَ الكروم يا نيلُ تحويأم لعاب الحياتِ والأُفعوان؟
نلتَ ما لم تنلهُ -يا نيلُ- مناضاربات الأُسود والذُّؤبان
ليتَ شعري أبتَّ تستكثرُ المنَّــة؟ ليس الكريمُ بالمنَّان
أم تُراك ادَكَرتَ مالك من ماضٍ قديمٍ مع الغواني الحِسَان؟
كنتَ تغتالُ جؤذُرًا كلَّ عامٍفلم اغتلتَ ربربًا في ثوان؟
صف لنا الحرب: كيف دارت رحاهابين جيش الأطفال والطُّوفان؟
كيف كانت تغالبُ الموتَ غيدٌبأكفٍ مخضَّبات البَنَان؟
ربَّ عبلِ الذراعِ أنحت عليهلُجَجٌ ما له يهنَّ يدان
حدِّث الناس -أيها النيل- من فطـرةِ حبِّ البقاء في الإنسان
صف لنا: كيف يخطفئ الماء نورَ الْـعَين بعدَ البريق واللمعان؟
كيف كان الآذيُّ في القتل أمضىمن شبا صارم، وحدِّ سنان؟
صف لنا: كيف صعّدت آخر الأنفاسِ فيه، وزمَّت الشَّفتان؟
يا عدوَ النيران إِن هي شبَّتكيف أصبحت مشعل النيران؟
كم فؤادٍ تركتهُ يتلَظَّىفي جحيمٍ، وأنتَ نبعُ الجنان؟
ذهب القوم يستجمُّون حينًافاستجَمُّوا لكن مدى الأزمان
أزمعوا رحلةً؛ فكانت من الدنــيا إلى العالم البعيد الثاني
ما دروا إِذ تأنقوا في كساهمأَنهم يكتسون بالأكفان
كان للموت ما تحلت به الغيــدُ، وما خضَّبته بالألوان
لكأني بالماء سال نُضارًاأصفرَ اللونِ من شعور الغواني
وكأني بالماءِ سال على الغرقى دموعًا من أعين الخزَّان
ربُ لا أظلمُ المقاديرَ؛ إنِّيإن بدا الشَّكُّ، لذتُ بالإيمانِ
إن نقل: أذنب الكبارُ فماذاقد جناه طفلٌ رضيعُ لبان؟
عبرٌ كلما تأملت فيهاعُدتُ منها مُشَتَّتَ الوجدان
أيُّها الهاربون من تعبِ الأرضِ، استريحوا بجنَّة الرَّضوان
إنَّ في الكوثر الأمانَ لمن عزَّعليه في النيل شَطُّ الأمان
شُهداءِ السَّلامِ أنتم، ويا ربَّشهيدٍ مَن مات في الميدان!
عن القصيدة
«سفينة الموت» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في ٤٢ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.