في مهرجان الجزائر
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الكامل
«في مهرجان الجزائر» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 122 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
زار البقيعَ، وحجَّ زائرْ — شدَّ الرحالَ إلى الجزائرْ
لبَّيْتُ حين نزلتُها — وأقمتْ للحجِّ الشعائر
ونضَوْتُ أثوابي بها — واعتضتُ عنها بالمآزر
وخلعتُ نعلي فوق تر — بٍ مثلِ تُرب الطُّور طاهر
شدُّ الرِّحالِ إليكمو — للذنبِ عند الله غافر
جبلُ الجزائر أنت، يا — أُوراسُ، أم جبلُ المجازر؟
هل فيك شبرٌ لم يخضَّـ — ـبْهُ دَمٌ جُرح ثائر؟
مَثَلٌ لِعَمْري، أنت، للـ — ـحُرِّيَّة الحمراءِ سائر
يا أُمةَ الشهداء، يا — عِرِّيسةَ الأُسْد الزوائر
الحاملين على العدا — مثلَ السيول أو الأعاصر
الصاعدين على الهضا — ب، الهابطين إلى المغاور
المؤثرين لطعنةٍ — من قاتلٍ عن قيد آسر
المنكرين ذواتِهم — حتى تراهم بالمجاهر
ما مَنْ يجاهد خُفيةً — خلف الستار كمن يجاهر
لم يطمعوا -إذا دافعوا — عن أرضهم- في أجر آجر
من ذاد عن أوطانه — لينال أجرًا، فهْو تاجر
إن غاب حدُّ سلاحهم — فيقينُهم بالله حاضر
أغناهمو إيمانُهم — عن كلِّ طائرةٍ وطائر
هدُّوا المدافع بالفئو — س، وبالعصيّ، وبالخناجر
ما كان أعزلُهم بوا — هي العزمِ في الهيجاء خسائر
لو لم يجد فأسًا ولا — حجرًا، ولحارب بالأظافر
شبَحُ المنيَّةِ -إن أغا — روا، لا يدور لهم بخاطر
لو مات منهم تِسعَةٌ — لم يرهب الإِقدامَ عاشر
إن يركبوا كانوا قَسَا — وِرَ، تَحتها خبلٌ ضوامر
وإذا مشَوْا نَقَبْوا الثرى — نقبًا كأنَّ لهم حوافر
من كل رامٍ حاذق — في الرمي والتَّسديد ماهر
بالرُّوحِ تَسمح نفسه — وبِعِرضْه في بُخْل مَادر
ما مات منهم واحدٌ — برصاصةٍ من كفِّ غادر
إلا انبرى للثأر منـ — ـهُ ألفُ ثائرةٍ وثائر
كم زان سيفٌ مِعْصَما — كانت تزيَّنُه الأساور
كم غادةٍ هيفاءَ يشـ — ـكُو جيدُها حملَ الجواهر
ما آدها حملُ السلا — ح ولا شَكَتْ ثِقْلَ الذخائر
بالسهدِ، لا بالكُحْل، يو — مَ الزحفِ كحَّلَتِ النواظر
نسجَتْ حَمائلَ سيفها — في الحرب من سُورِ الغدائر
كم ذاتِ جفنٍ فاترٍ — صالت بعزمٍ غيرِ فاتر
كم للجزائر قصة — تُتْلى كما تتلى المزامِر
قام الرُّواةُ ينقلها — فَصَغَا إليها كلُّ سامر
أهلَ الجزائرِ، أنتمو — ملءُ الخواطرِ، والمشاعر
لو صُغْتُ كُلَّ مشاعري — شَكَت المحابِرُ، والدفاتر
أنا لست أسْلُو حُبَّكم — «غيري على السُّلوان قادر»
أنتم لطُلاَّب الحقو — قِ -إذا همو ضَلَّوا- منائر
أنتم لتاريخ الشعو — بِ -إذا هي انتَفْضَتْ- مصادر
أنتم أساتذةُ الورى — في حربِ تقريرِ المصاير
جُرْحُ العروبةِ في احتلا — لِ القدسِ عزَّ على الجبائر
عجبي على الذؤبانِ: كيـ — ـف عَدَتْ على الأُسْدِ الكواسر؟!
فسدَ القياسُ؛ وما أصا — بَتْ في حَزِيرانَ المعاير
خَسِرَ القضيةَ صاحبُ الـ — ـفوزِ، المبينِ وفاز خاسر
لو تنطقُ الأفلاكُ، قا — لتْ: تلك نادِرَةُ النوادر
أنا لا أُصدِّق ما أرى — عَقْلِي عن الإِدراكِ قاصر
أنا حائرٌ في سِرِّ ذَا — لِكَ الاندحار، وألفُ حائر
أمرٌ تطيشُ له العقو — لُ، ومنه تنْفَطِرُ المرائر
قالوا: تُظَاهِرُهُم قوي الـ — ـعدوانِ، قلنا: فَلْتُظَاهر
في شعب «فِتْنَامَ» الأَبِيِّ — المُسْتَمِيتِ لنا بصائر
هل بين مَنْ قهروا الصليـ — ـبيين للصِّهْيَوْنِ قاهر؟
شُذَّاذُ أهلِ الأرضِ في — «حَيْفَا» أذلَّوا كلَّ كابر
وَعَنَا لهم عَرَبٌ عَنَتُ — لهُمُ القَيَاصِرُ، والأكاسر
قالوا: اليهودُ، فقلت: شعـ — ـبٌ من قديم العهدِ فاجر
من يومِ أجْلاَه النبيُّ — عن المدينة وهُْوَ صاغر
إن ينسَ ماضيَه مع الـ — إسلامِ، فالتاريخُ ذاكر
بَرِئَ الخليلُ وسبْطُه — يعقوبُ من تلك العناصر
حَتَّام، يا قومي، نُفا — خِرُ بالأَوائل إذْ نفاخر؟
أنعيش عالاتٍ على — زمنٍ بعيدٍ العَهْدِ غابر؟
خَلُّوا صلاحَ الدين خَلُّـ — ـوا خالدًا رهْنَ المقابر
كلٌّ علينا ساخِطٌ — في قَبْرِهِ، والكلُّ ساخر
لا تذكروا مجدِ الأوا — ئلِ، واذكروا عمَلَ الأواخر
الصبرُ طال على الهوا — نِ، فهل يُثَابُ عليه صابر؟
صَبْرُ الكريم على المذلَّـ — ـةِ والأَذى إحدى الكبائر
طال الوقوفُ على القنا — ة، أَمَا لهذا الماء عابر؟
ماذا يفيدُ -بغيرِ ضَرْ — ب- صارمٌ في كفِّ شاهر؟
شُدُّوا على أعدائكم — أو سَرِّحُوا تلك العساكر
ما العارُ في الخذلانِ، لـ — كِنْ في الرضاءِ به المعايِرْ
لا تحذَروا خطرَ الهجو — م؛ فليس يظفرُ مَنْ يحاذرَ
بل قَامِرُوا بمصيركم — فلَرُبَّمَا فاز المُقَامر
فِتيانُ فَتْح وحدهم — في الحظ ليس لهم مؤازر
وكمِيُّهُمْ بين العِدَا — ومكايدِ العملاء حائر
لله دَرٌ فنى العر — وبة: ياسر؛ ورجال ياسر!
لا تطلبوا الإنصافَ مِنْ — قاضٍ بواشنْطونَ جائر
حُكَّام وَاشُنْطُون -عنـ — ـد الحكمِ- ليس لهم ضمائر
لا تَبْسُطوا الأَعذارَ؛ ما — في الناسِ للمغلوبِ عاذر
الناسُ أنصارُ القَوِيِّ — وليس للضعفاء ناصر
لا تُوسِعُوا الأَقدارَ لَوْ — مًا، أو تقولوا: الجَدُّ عَاثِر
شرٌّ صنَعْنَاهُ بأَيـ — ـدينا، فما ذنْبُ المقادر؟
حتَّام يَحْتَدم الخلا — فُ، وفيمَ تفترقُ العشائر؟
الجوُّ لا يصفو لنا — إلا إذا صَفَتِ السرائر
والنصرُ طوعُ العُرْبٍ، ما — عَقَدوا على النصر الخناصر
أحسبتُمُ النصرَ المبيـ — ـنَ يجيئكُم معَ صُبْحِ باكر؟
في سَلَّة خضراءَ حُفَّـ — ـتْ بالورد، وبالأَزاهر؟
وجنودكم رهنُ الكَرى — بين المخادع، والمقاصر؟
النصر دون سبيلهِ — قبضُ الأكُفِّ على المجامر
النصرُ دون بلوغهِ — عَرَقٌ كموج البحرِ زاخر
ودمٌ يمورُ على الثَّرى — متأججُ القطرات فائر
هيهات! لا تَأسُو جرا — حاتِ الحمى خُطَبُ المنابر
الحقُّ يؤخذ بالخنا — جرِ، لا هتافاتِ الحناجر
لغةُ المدافع وحدها — أسلوبُها في الحرب ساحر
وقذائفُ البارود أبـ — ـلغُ من قصائد ألفِ شاعر
وزئيرُها عند الوغى — من بعضِ رنَّات المزاهر
وشواظُها قَبَسٌ يُضِـ — ـئُ لنا المسالِكَ في الدَّيَاجر
لَهْفِي على الأَحرار من — أَهْلِ العروبة والحرائر
سكن العراءَ رجالُهم — ونساؤُهم بعدَ العمائر
يا لاجئين، وجرحُكم — مُتَغَلْغِلٌ في القلبِ غائر
لا تيئسوا يا قوم؛ سو — ف تدقُّ للنصرِ البشائر
هي هجرةُ قمتم بها — والنصرُ يُكْتَبُ للمهاجر
لكأَننَّنِي بِغَدٍ وقدْ — دارَتْ عَلى الباغِي الدوائر
كما ضاحكٍ في يومه — يبكي غدًا ملءَ المحاجر
يا رُبَّ شاك منكمو — قد عادَ يومًا وهْوَ شاكر
العُرْبُ نـحن وليس يُفْـ — ـلتُ من يد العَرَبِيِّ واتر
أنتم على سفرٍ، وسو — ف يعُودُ للوطنِ المسافر
أملَ العروبةِ، يا ابْنَ مد — ينَ، من يَلُذْ بك فَهْوَ ظافر
تدري العروبةُ كم لنَجْـ — ـدَتِها ركبتَ من المخاطر
ولرُبَّمَا عقَدَتْ على النَّـ — ـوَم الجُفونَ وأنت ساهر
للهِ قلبُك! إنهُ — بالحبِّ والإِسلامِ عامر
مُسْتَرْشِدٌ بهدى الحنيـ — ـفةِ، باسمها ناهٍ، وآمر
في عالمٍ مُتَحَلِّل — بالدين والديَّانِ كافر
أقسمتُ، ما زجرَ الورى — عن غَيَّهم كالدين زاجر
وهي الحضارةُ؛ كم عليـ — ـها للحنيفة من مآثر
كم باسمها نشر العلو — مَ، وأَسَّسَ العَرَبُ الحواضر
ولقد تشيبُ الشمسُ، والـ — إسلاُم غضُّ العُودِ، ناضر
تدري العروبةُ، يا ابْنَ مد — ين، أنكَ الرجلُ المغامر
لك في جميع ربوعِها — ذكرٌ كنفحِ المسْك عاطر
كَذَبَ الذي زعم العرو — بةَ لم تعُدْ تَلِدُ العباقر
فلأنتَ أكبر شاهد — ما أُمَّةٌ ولدتْكَ عاقر
للعُربُ أنت، وأنورٌ — ومعمَّرٌ، إن غابَ ناصر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البقيع: البَقِيعُ : مكان متسع فيه أشجار كثيرة.
- الجزائر: : مِنَ البُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ بِالْمَغْرِبِ العَرَبِيِّ (الجُمْهُورِيَّةُ الجَزَائِرِيَّةُ الدِّيمُوقْرَاطِيَّةُ الشَّعْبِيَّةُ). عَاصِمَتُهَا الجَزَائِر.
- الرحال: الرَّحَّالُ : صانعُ الرَّحْل.-: الكثير التنقُّل والتَّرحال؛ كتب الرَّحَّالون وصفاً لأَسفارِهم ورحلاتِهم ج رَحَّالَةٌ ورَحَّالون.
- الشعائر: جمع شَعِيرَة. [ش ع ر]. 1. "يُحَافِظُ عَلَى الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ" : مَظَاهِرُ العِبَادَةِ وَتَقَالِيدُهَا وَمُمَارَسَتُهَا. الحج آية 32 وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ . (قرآن). …
- الطور: طور: الطَّوْرُ: التارَةُ، تَقُولُ: طَوْراً بَعْدَ طَوْرٍ أَي تَارَةً بَعْدَ تَارَةٍ؛ وَقَالَ الشَّاعِرُ فِي وَصْفِ السَّلِيم: تُراجِعُه طَوْراً وطَوْراً تُطَلِّقُ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: صَوَابُهُ: تُطَلِّقُه طَوْراً وطَوْ …
- زائر: الزَّائِرُ [زور]: فا. -: الآتي بقصد الالتقاء؛ احتفت الأسرة بالزّائر الآتي من مدينة أخرى / الأستاذ الزائر في الجامعة، هو أستاذ يأتي لمدّة معيّنة لإلقاء محاضرات في الجامعة.
- شبر: شبر: الشِّبْرُ: مَا بَيْنَ أَعلى الإِبهام وأَعلى الخِنْصر مُذَكَّرٌ، وَالْجَمْعُ أَشْبارٌ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُجاوزُوا بِهِ هَذَا الْبِنَاءَ. والشَّبْرُ، بِالْفَتْحِ: الْمَصْدَرُ، مَصْدَرُ شَبَرَ الثوبَ وغيرَهُ يَش …