بــط المــاحــي

الشاعر: محمود غنيم · البحر: البسيط

«بــط المــاحــي» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 103 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

تبتدئُ هذه المساجلة الفكاهية، — حينما وقف الشاعر الظريف: عبد السلام شهاب

ي إحدى الندوات التي نوقش فيها ديوان الماحي، — فأَلقى زجلاً فكاهيًا ظريفًا، بدأه بقوله:

ديوان الماحي الدمياطي — سبحان الوهَّابِ العاطي!

ثم جعل يعدِّدُ مناقَبَه حتى قال: — ولبيت الماحي صِيتٌ في

تربية البطِّ الزَّغاط — وحينئذ: تحركت شهوة الطعام عند الشاعر؛

فأرسل إلى صديقه الماحي هذه القصيدة : — قد سمعنا عن بطكم ما سمعنا

فأكَلنا بالأُذْن حتى شبِعْنا — غير أن الأفواه تنطق هَمْسًا:

ما عرفنا لذلك البط مَعْنى — يا أبا مُصْطفى، عليك سلامٌ

أفَيُرْضيك أن شبعتَ وجُعْنا؟ — مع الناسَ كلَّهم بطُّك النا

ضِحُ دُهنًا، لكنه لم يسعْنا — جُدْ علينا ولو بطيفِ جَنَاح

لا تَدَعْنَا نشكو الطوى، لا تدعنا! — نـحن في عَهْدِ أزمة وغلاءٍ

قد رهنَّا فيه المتاع وبعنا — نـحن قوم لنا العفافُ شِعَارٌ

إن سُقينَا حِسَاءَ بطٍ قنعنا — وإذا نالنا كَرِيمٌ بإِحسا

نٍ شكرْنَا صنيعَهُ وأذعنا — ونذيق البخيل هَجْوًا وبَيِلاً

مِثْلَ حدِّ السلاح ضربًا وطعنا — صاح، لا عذر بعد هذا، فَقُلْ لي:

قد سمعنا ما قلتَهُ وأطعنا — فكتب الماحي إلى الشاعر، يقول:

يا أخي، يا غنيمُ، رِفْقًا بحالي — إن عبد السلام بات يُغَالي

لا تصدقْ ما قالَهُ، يا صديقي — إنه شاعرٌ رحيب الخيال

لم يزرني ولم أزره، ولكن — هاجه الشوقُ للطعام الغالي

كان فيما مضى يقدِّمُ بطٌّ — ودَجَاجٌّ محمَّرٌ في المقالي

يومَ كان الزمان سهلاً رَخيًّا — لا يمر الغلاء فيه ببال

فَغَدَا البطُّ والدجاج -كما تَعْـ — ـلم- ضربين من ضُرُوب المحال

غير أني -وقد تَصَوَّرتُ ما قا — ل صحيحًا- أراه سَهْلَ المنال

لك عندي وللصديق شِهَابٌ — أسمنُ البطِّ في قريب الليالي

ولمن شئت من مُحبيك طُرًّا — أنا والله لست بالبخَّال

فاقترح، يا أخي -فديتُكَ- يومًا — واختبر -إن شكَكْت- صِدْقَ مقالي

ولما وجد الشاعر الدعوة مذبذبة غير صريحة؛ — بعث إلى الماحي يقول:

أيها الشاعر الرقيق الحال — أنا لم أدْرِ أن جيبَك خالي

أنت قَدْ بِتَّ تدَّعي الفَقْرَ حتىَّ — كِدْتُ أهدي إليك قوتَ عيالي

ما طلبنا إليك ذبح فَصِيليْـ — ـن، وفَحلينِ من فُحُول الجمال

بل طلبنا جنَاح أنثى من البطِّ — إلى الله تَشْتَكِي من هُزال

فعلام الأسى، وطولُ التَّشَاكي — والتَّباكي على الزمانِ الخالي؟

لَسْتَ ممن يدعو الضيوفَ بقلبٍ — بل بقول ممزَّقِ الأوصال

لست ممن يدعو بطرفٍ قريرٍ — بل بطرفٍ ذي مَدْمَع سَيَّال

مُومِئًا نـحوَ باب دارك للضيـ — ـف بِيُمْناك، طَارِدًا بالشِّمَال

والكريم الكريم يدعو بقلب — ثابتٍ ثابت ثبَاتَ الجبال

يا ابن دِمْيَاطَ، إنَّ دمْيَاطَ — إنْ عدَّت بنيها تعدَّك ابن حلال

إن دمياط مَهْبِطُ الشِّعرِ، لكن — هي في الحرص مضربُ الأمثالَ

إِن أنْجَالَهَا كَثِيرٌ، ولكن — أنت، يا صَاح، أنْجَبُ الأنجال

يكرُهَا أنتَ حِكْمَةً وبيانًا — وفتاها حِرْصًا على الأموال

صاح دَعْني من أكل بطِّك، دَعْني — أوثِر الجوعَ، إن عِرْضِيَ غالي!

فأجاب الماحي إجابة — لا تزيد عن سابقتها فتيلا بقوله:

يا صديقي، لقد عهدتُكَ عَدْلاً — منصفًا في المقَال والأفعال

أنا لا أشتكي -كما قلت- فقْرًا — لا، ولا البُخْلُ خَصْلَةً من خصالي

فلم الجور والتشكُّكُ فيما — سُقْتَه باكيا لِرِقَهِ حالي؟

فيم نُكْرَانُك الغلاءَ، وكلُّ الـ — ـناس يشكون من أذى مغتال؟

فإِذا لم تحسَّهُ، فهنيئًا — لكَ ما قد جمعتَ من أموال

أنا عندي من القناعة كَنْزٌ — ومن الله فضلِّه المتوالي

إن دمياط ذاتُ جد، وقَصْدٍ — لا لحرص، ولا لِسُوءِ فعال

تضع الحقَّ في النِّصَاب، ولا تفـ — ـعل فعل الأغفَال والجُهَّال

هل أُجَارِيك في دُعَابَتِك الحرَّ — ى، وأنت المُدَاعِبُ المتغالي

لا، وحسبي أنِّي أعُودُ إلى دَعْـ — ـوَتِكَ اليوم، صادِقًا في سؤَالي

معَ مَنْ شِئْتَ مِنْ محبيك، أنِّي — لا أماري، ولست بالبخَّال

فاقترح، يا أخي -فديتُك- يومًا — واختبر -إِن شككت- صدقَ مقالي

وحينئذ: وجد الشاعر أنه — لا مندوحة من تنفيذ ما هدد به؛

فبعث إليه بهذه المقطوعات: — 1- دون الوصال

بالله، يا ذاتَ المُحَيَّا الضَّاحِي — قد طال بي لَيْلي، وأنتِ صَبَاحي!

قالت: أتطمع في الوِصَال ودونه — قُبَلُ النجوم وأَكْلُ بطِّ الماحي؟

2- ليلى المريضة بالعراق — ويلاه! ليلى بالعراق مريضة

قد أصْبَحَتْ في عالمَ الأرواح! — كيف السبيلُ إلى الدواءِ، وإنما

هو دِرْهمٌ من دهنِ بَطِّ الماحي؟ — 3- حامل الأوسمة

قال الصديق: لقد وصلتُ؛ فزينوا — صدري بأَلفِ قِلادَةِ ووشاح

فسألته: أوليت عرشًا؟ قال: لا — لكن لمحت خَيَال بَطِّ الماحي

4- مصارع الآساد — ساءَلته من أنت؟ قال: أنا الذي

يدري الكماةَ المُعْلَمُون كفاحي — صارعت آساد الشَّرَى؛ فَصَرعْتُهَا

لكن عجزتُ أمام بط الماحي — 5- الفرسان الثلاثة

لو أن «هانيبالَ» جاءَ محاربًا — في ألف ألف مُدَجَّجِ بسلاح

أو أن «نابليونَ» عاد، و«هِتْلَرَا» — لم ينجحوا في غَزوْ بط الماحي

6- المستحيلان — لا شيءٍ في دنياك غيرُ متاح

من يسْعَ، كُلِّلَ سعْيُهُ بنجاح — إلا طبيبًا قام يُحْيِي ميتًا

أو طامعًا في أكلِ بط الماحي! — 7- في زحــــل

لما تكَشَّفَت النجوم، وأفلحوا — في غَزْوها بالعلم أيَّ فلاح

ساءَلتْ عن زُحَل: أفيه خلائقٌ؟ — قالوا: وجدنا فيه بطَّ الماحي

8- عفريت من الجن — أسمعت عن جنِّ ابن داود الذي

قد جاءَهُ بالعرش فوْقَ جناح؟ — لو ظل يبحث ألفَ عامٍ كامل

لم يدر أين مكانُ بط الماحي! — 9- محتضر يتمنى

شاهدت خِليِّ وهْو يَلْفِظُ رُوحهُ — فسألته: ما تشتهي يا صاح؟

فأجاب: أطلب من حبيبي قبلةً — أو قطعةً من لحم بط الماحي

10- مهر الخطيبة — قال الخطيبُ: لَقَدْ فقدت خطيبتي

وأطُول حُزْني بعدها ونُواحي! — كيف السبيلُ إلى الزواج، ومرها

هو ريشة من ريش بط الماحي؟ — وقد أجاب الماحي على هذه الدعابات بقوله:

يا أخي، يا غنيم، سامحك اللـ — ـه! فما كنتُ يا أخي بالشَّحَاح

كم قصيد دَبَّجْته كنتَ فيهِ — مَثَلاً في براعة اللَّمَّاح

تحسب البط نعمةَ الله، حتى — بِتَّ ترضى بريشة من جنَاح

مَرَّةً تطلب الحِساءَ، وأُخْرى — تَتَغَنَّى بالبط في إِفصاح

أتُرى: ليس في البسيطة شيءُ — يملأُ البطنَ غير بط الماحي؟

إِن ذكرت الغلاءَ يومًا تشككـ — ـت، وبالغتَ في مقالةِ لاحي

ورفعتَ السياط حتى كأني — جئت ذنبًا فوق الرضا والسماح

كم تأتُّي مستنفرًا في حديث — خَالِبٍ للعقول والأرواح

في خيال مُجنَّح، وبيان — أين منه بلاغة الوضَّاح؟

صغت فيه ملاحِمًا وحِكايا — ت تجلت في أجمل الأوضاح

ولقد كدتُ أحْرَنُ اليوم حتى — أتلقى العِتَاب كل صباح

فهو عتب مُحبَّبٌ بل نكاتٌ — مُسْكِرَاتٌ للنفس مثل الراح

غير أني أعودُ ألمحُ ما يسـ — ـفر عنه البيان من إلْحَاح

فَسَلِ الرحمة التي أمر الله — بها؛ فَهْيَ شيمة السمَّاح

فاقترح يا أخي -فديتك- يومًا — واختبر -إن شككت- صِدْق الماحي

وأخيرًا ذبح البط؛ فقال الشاعر شاكرًا: — العـــود أحمـــد

يقولون: ما للشعر غاض معِينُه — وكنتَ تقول الشعر في البط محكَما؟

فقلت لهم: قد كان جوعَي مُلْهِمِي — فلما أكلت البط؛ لم ألق مُلْهِما

فلا شُكْرَ للماحي إذا لم يُثنِّها — فإِن هو ثَنَّى كان أسْخَى وأكرما

وإلا فإنا قائلون لِبَطِّهِ: — «إلى حيث ألْقَتْ رحلَها أم قشعما»

وأهونُ من هذا لدَيَّ: لوَ أننَي — حفرت بظُفْري في الجَنَادِل مَنْجِما

له الله بطا صِدْتُه بقصائدٍ — تكاد تصِيدُ النَّجْم من كبد السَّمَا!

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الظريف: الظَّرِيفُ : ذو الظَّرْف والكياسة؛ يأنسُ الإنسانُ بالجلوسِ إلى رجلٍ ظريف ذكيّ. -: البليغُ والبارع في كلامه ج ظُرفَاءُ وظِرَافٌ.
  • العاطي: عَاطَى يُعَاطِي عاطِ مُعَاطَاةً وعِطَاءً [عطو]:- ـه الشيءَ: ناوله إياه؛ عاطتها الإبرةَ والخيط.
  • الماحي: [م ي ح]. (فعل: ثلاثي لازم متعد). مِحْتُ، أَمِيحُ، مِحْ، مصدر مَيْحٌ. 1."مَاحَ العَطْشَانُ" : مَتَحَ، اِغْتَرَفَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ. 2."مَاحَ رِفَاقَهُ" : اِسْتَقَى لَهُمُ اغْتِرَافاً بِاليَدِ. 3."مَاحَ صَاحِبَهُ": نَفَعَ …
  • الوهاب: الوَهَّابُ : اسم من أسماء اللّه تعالى ومعناه الكثير العطاء بلا عِوَضٍ إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.
  • بقوله: قول: القَوْل: الْكَلَامُ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ عِنْدَ المحقِّق كُلُّ لَفْظٍ قَالَ بِهِ اللِّسَانُ، تَامًّا كَانَ أَو نَاقِصًا، تَقُولُ: قَالَ يَقُولُ قَولًا، وَالْفَاعِلُ قَائِل، وَالْمَفْعُولُ مَقُول؛ قَالَ سِيبَوَ …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • أنــا وابناي
  • ســــباق
  • فقيد القنـــاة
  • منصب زائف
  • تحية مولود
  • المصور الشمسي
  • تحيــة وتقدير