زيارةٌ إلى (أَبي العَلاء) في مَحبَسِهِ الأَخير

الشاعر: يحيى الحمادي · البحر: الكامل

«زيارةٌ إلى (أَبي العَلاء) في مَحبَسِهِ الأَخير» من شعر يحيى الحمادي، وتقع في 61 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

آتٍ إِليكَ بِحُلَّةٍ بَيضَاءِ — حَيَّ المَوَاجِعِ.. مَيِّتَ الأَعضَاءِ

آتٍ إِليكَ وكُلُّ ما في جعبَتي — قَلَقٌ يُطِلُّ بِدَهشَةٍ خَرساءِ

آتٍ إِليكَ.. ولَستُ أَعلَمُ ما الذي — سَأَقُولُ حِين أُفِيقُ مِن إِغمائي

آتٍ إِليكَ.. ولَستُ أَعلَمُ مَن أَنا.. — فَأَنا الضَّريرُ هنا. وأَنتَ الرَّائي

لا عِلمَ لِي.. إِلَّا بِرَعشَةِ غَيمةٍ — نَضَحَت بِآخِرِ ما بِها مِن ماءِ

زَعمًا أَتَيتُ بِكُلِّ شَيءٍ.. إِنَّما — لا شَيءَ مِن كُلِّي ومِن أَشيائي

إِن شِئتَ فَاكتُبنِي مِن الغُرَباءِ، أَو — إِن شِئتَ فَاكتُبنِي مَع الغُرَباءِ

*** — كُلُّ الكَلَامِ الآنَ يُولَدُ مَيِّتًا

مَوتَ السَّرابِ بِخَاطِرِ الصَّحراءِ — كُلُّ الأَماكِنِ والجِهاتِ تَحَوَّلَت

شَبَحًا يُسَاقُ بِآلَةٍ حَدباءِ — كُلُّ الأَحِبَّةِ والصِّحَابِ تَدَافَعُوا

نَحوِي.. بِلا حُجَجٍ، ولا إِبطاءِ — حَمَلُوا غِلافَ الرُّوحِ بَعدَ خُلُوِّهِ

مِنها، وبَعدَ تَسَاقُطِ الأَعباءِ — حَمَلُوهُ.. وانطَلَقُوا به، وكَأَنَّهُم

لم يَسكُبُوهُ بِأَعيُنِ القُرَّاءِ — ما أَكثَرَ البَاكِينَ حَولِي.. بَعدَما

بَلَغَ السَّماءَ تَنَهُّدِي وبُكائي! — مَن سَوفَ يَرجِعُ بي لِأَهجُوَ كُلَّ مَن

سَيُحاوِلُونَ -وقد رَحَلتُ- رِثائي — مَن سَوفَ يَرجِعُ بي لِأَغرِزَ رِيشَتِي

في عَينِ كُلِّ مُنافِقٍ ومُرائي! — ما أَكذَبَ الدُّنيا، وأَقبَحَها.. وما

أَقسَى شُعُورَ مُفَارِقٍ مُستاءِ — ***

شَيخَ المَعَرَّةِ.. ما الذي سَيَقُولُهُ — آتٍ إِليكَ بِمُهجَةٍ جَرداءِ؟!

لم تُبقِ في يَدِهِ الحَيَاةُ سِوى فَمٍ — يَنسَاهُ بين إِجابَةٍ ونِداءِ

يَدُهُ على يَدِهِ.. وبين فُؤادِهِ — ويَدَيهِ أَضرِحةٌ بِلا أَسماءِ

والحَربُ تَبدَأُ يَومَها بِوَدَاعِهِ — وتَعُودُ بين مَوَاكِبِ الشُّهَداءِ

حَربٌ تُغَيِّرُ كُلَّ آنٍ شَكلَها — لا فَرقَ بين الحَربِ والحرباءِ

ماذا يَقُولُ فَمٌ أَتَاكَ بِكُلِّ ما — في القَولِ مِن زَحفٍ ومِن إِقواءِ

ها أَنتَذَا تُصغِي.. وها أَنَذا بِلا — لُغَةٍ أُغَالِبُ رَهبَةَ الإِصغاءِ

وأَرَاكَ ذا عَينَينِ واسِعَتَينِ في — وَجهٍ فَصِيحِ السَّمْتِ والسِّيماءِ

عَينَينِ مُشرِقَتَينِ.. أَلمَحُ فيهِما — عَينَيْ (مُحَمَّدَ) لَيلةَ الإِسراءِ

وعلى الجَبِينِ الرَّحبِ ظِلُّ مَهَابَةٍ — لَيسَت بِنَاطِقَةٍ ولا بَكماءِ

وسَنًا يُضِيءُ الوَجنَتَينِ.. كَأَنَّهُ — دَمعُ (المَسيحِ) بِوَجنَةِ (العَذراءِ)

ويَكَادُ يُنطِقُنِي الذُّهُولُ، فَأَكتَفِي — بِالصَّمتِ، بعد الصَّمتِ والإِيماءِ

*** — شَيخَ المَعَرَّةِ.. لا اعتِزالَ لِشَاعرٍ

إِنَّ العَذَابَ بِضَاعَةُ الشُّعَراءِ — هذا زَمَانُ (اللَّا اعتِزال) فَحيثُما

وَلَّيتَ بُؤسَكَ عُدتَ بِالبُؤَسَاءِ — حِين اعتَزَلتَ النَّاسَ لم تَكُ حاضِرًا

عَنهُم، بِكُلِّ وَسَائلِ الأَنباءِ — لكنني شاهَدتُ ماءَ وُجُوهِهِم

يَمتَدُّ مِن ظَمَئِي إِلى استِسقائي — ورَأَيتُ كيف النَّاسُ تَأكُلُ بَعضَها

وتُحارِبُ الأَعداءَ بِالأَعداءِ — وتَلُوكُ أَدمِغَةَ النِّساءِ وتَستَبِي الـ

أَطفالَ بين المَهدِ والحِنَّاءِ — تَرَكُوا لُحُومَ الضَّأنِ آمِنَةَ الأَذى

مِن طُولِ ما التَحَمُوا مِن الأَشلاءِ! — يا مُطلِقَ العَقلِ الأَسِيرِ، وآسِرَ الـ

ـعَقلِ الطَّلِيقِ.. أَنا مِن الأُسَراءِ — أَنبَتَّ لِي رِيشًا.. فَجِئتُكَ زاحِفًا

مِن فَرطِ ما لَبِسَ الطَّريقَ حِذائي — وقَذَفتُ نَحو البابِ رِيشَكَ قائِلًا:

ما نَفعُ أَجنِحةٍ بِغَيرِ فَضاءِ! — و(رِسَالةُ الغُفرانِ) حِرتُ بِذَنبِها

فَبَعَثتُ لِـ(ابنِ القارِحِ) استِهزائي — بِيَدَيَّ هاتَينِ احتَشَدتُ مُكَبِّرًا

وقَلَعتُ آخِرَ نَجمةٍ بِسَمائي — ولو انَّنِي أَسطِيعُ مَنعَ نِهايَةٍ

لَمَنعتُ أَمسِي أَن يَكونَ وَرَائي — ***

أَنا -يا رَهِينَ المَحبَسَينِ- مَحَابِسِي — شَتَّى.. ووَاحِدةٌ بها أَدوائي

مُتَوَحِّدُ المَأساةِ إِلَّا أَنني — مُتَعَدِّدُ الرَّاياتِ والآراءِ

أَنا مِن بَنِي الغَبراءِ، حيثُ جَهَنَّمُ الـ — ـكُبرَى، وحيثُ القَتلُ كالإِمضاءِ

حيثُ اللُّصُوصُ الأَثرياءُ، بِكُلِّ ما — أُوتُوهُ.. يَتَّجِرُونَ بِالفُقراءِ

ويُؤَجِّجُونَ الحَربَ بين مَجَاعَةٍ — وفَمٍ، وبين جَماجمٍ ودِماءِ

لم يَنتَصِر أَحَدٌ على أَحَدٍ.. فقد — جاعَ الجَميعُ وفازَ ذُو الأَمعاءِ

(تَعَبٌ -تَقُولُ- هي الحَياةُ).. لِأَنَّها — أَدنَى إِلى المَوتَى مِن الأَحياءِ

لو لم تَكُن هذي الحَيَاةُ دَنِيئةً — ما كان سَادَتَها بَنُو اللُّقَطاءِ

*** — أَ(أَبَا العَلاءِ) لقد أَتيتُكَ حامِلًا

وِزرَ الذين تَنَاسَلُوا واللَّائي — يَرِثُ الغِنَى الأَبناءُ مِن آبائِهِم

وأَنا وَرِثتُ الفَقرَ مِن أَبنائي! — (هذا جَنَاهُ أَبي عَلَيَّ).. جِنَايَةُ الـ

أَبناءِ بِنتُ جِنايَةِ الآباءِ — ولِأَنني دَافَعتُ عن يَمَنِيَّتي

ومَنَعتُ رَبَّ المالِ مِن إِغوائي — خَرَجَت مُوَلوِلَةً (صَيَادُ) تَقُولُ لِي:

لا أَنتَ مِن عَدَنِي، ولا صَنعائي — ما بين مَولِدِ شاعرٍ ووَفاتِهِ

يَومانِ.. لِلضَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ — في فَجرِ يَومِ السَّبتِ وَحدِي جِئتُها

ورَحَلتُ وَحدِي ليلَةَ الثُّلَثاءِ — آتٍ إِليكَ بِأُمَّةٍ لم يَبقَ مِن

نارِ الدُّخانِ بِها بَصِيصُ هَبَاءِ — لكنَّهُ قَدَرُ الكِبَارِ.. تُصِيبُهُ

ويُصِيبُها.. لِتُطِلَّ كالعَنقاءِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الرائي: الرَّاءُ: مِنَ الْحُرُوفِ الْمَجْهُورَةِ، وَهِيَ مِنَ الْحُرُوفِ الذُّلْق، وَسُمِّيَتْ ذُلْقاً لأَن الذّلاقَة فِي الْمَنْطِقِ إِنما هِيَ بطَرَف أَسَلَةِ اللِّسَانِ، وَالْحُرُوفُ الذُّلْقُ ثَلَاثَةٌ: الرَّاءُ وَاللَّامُ و …
  • الضرير: الضَّرِيرُ : المضرور. -: الأعمى؛ كان الشاعر أبو العلاء المعريُّ ضريراً. -: الغَيْرة؛ اشتدّ ضريرُه على زوجته ج أضِرَّاءُ.
  • خرساء: الخَرْسَاءُ : مذ الأخْرَسُ. -: الأفْعى. -: الدََّاهِيةُ؛ أَصابتهم خرساءُ لا تُبقِي ولا تَذَرُ / الكتيبة الخرساء، هي التي لا يُسْمع لها جَلَبة / الأرض الخرساء، هي غير الصالحة للزراعة / سحابة خرساء، أي ليس لها برقٌ ولا رعد …

قصائد ذات صلة

  • قفزةٌ على ظَهر الصّمت
  • يا حامِلاتَ الزَّعِيمْ
  • ذَكَرْتَكْ
  • قُولُوا لِهادِيْ "لَو صَحَا هادِيْ"
  • غَبَّانْ غَبَّــــــانْ وَا رَبّي تِصَــحَّرْ عُبَـــــيْدَكْ
  • بَالَهَ البَالْ.. لَيتِكْ يا بِلادِيْ بِلادِي
  • كم جَهْد قلبي يضاوي لَكْ
  • يا غُصنْ طُولَ السَّنَهْ مَمطورْ