مأساة سُهَيل اليَمَاني ( 2 )
الشاعر: يحيى الحمادي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة رثاء
«مأساة سُهَيل اليَمَاني ( 2 )» من شعر يحيى الحمادي، وتقع في 29 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سُهّيلُ كان أبَانا حِين تُنهِكُنا — مَوَاسِمُ الجَدبِ تَجويعًا وخِذلانا
وها هُو الآنَ.. لا (الشِّعرَى) نَعَتهُ، ولا (الـ — ـعبورُ) ناحَت عليهِ حِينَما عانَى
وها هُو المَوتُ يَدنُو نافِضًا يَدَهُ — كَعَامِلٍ يَتَقَاضَى الأَجرَ عَجلانا
وها أَنا الآنَ وَحدِي أَرتَجِيهِ بما — لَدَيَّ مِن كَلِماتٍ ذُبنَ أَشجَانا
فَلم يَقِف بِإزائِي غَيرَ ثانيةٍ.. — وغابَ.. غابَ حَسِيرَ الطَّرفِ حَيرانا
وكُنتُ أَسأَلُ نَفسِي: كيف لم يَرَنِي — وكان أَقرَبَ مِن عَينَيهِ وَجْهانا؟!
أَلَم يَجِد لِفَراغِي فيه مُتَّسَعًا — أَم أَنه لِرُجُوعٍ غابَ حُسبانا؟!
"ما كُلُّ ما يَتمَنَّى المَرءُ يُدرِكُهُ" — فالمَرءُ قد يَتَمنَّى المَوتَ أحيانا
*** — وحين أَيقَنتُ أَنِّي ما أَزالُ على
قَيدِ الحَياةِ، حَمَلتُ القَيدَ قُضبانا — لم تَترُكِ النَّارُ لِي بَابًا فَأُغلِقَهُ
ولم تَدَع لِيَ تحت السَّقفِ جُدرانا — تَصَاعَدَ الخَوفُ.. وانسَلَّ الدُّخَانُ كما
يَنسَلُّ سارِقُ لَيلٍ عادَ كَسبانا — وصائِحٌ صَاحَ: (لا غُفرَااانَ).. قُلتُ لهُ:
وهل وُلِدنا لكي نَحتاجَ غُفرانا؟! — نَحنُ الذين دُفـِنَّا قَبلَ أَزمِنةٍ
مِن خَلقِنا.. أَفَنُعطَى الآنَ دَفَّانا؟! — أَم هل نَخَافُ على ما سَوف نَفقِدُهُ
وقد سُلِبناهُ -قَبلَ الفَقدِ- حِرمانا! — يا كُنتَ مَن كُنتَ.. هذا يَومُ مَولِدِنا
فنحن أَقدَمُ خَلقٍ عاشَ فُقدانا — أَين اشتِعالُ رُؤُوسٍ في بَيَاضِكَ مِن
مَن لم يَذُوقُوهُ أَطمارًا وأكفانا! — كُنَّا بَنِي سَكَرَاتٍ غَيرِ كافيةٍ
حتى لِنَعرِفُ أُوْلانا وأُخرانا — لم نَقطَعِ العُمرَ.. لا شَكًّا، ولا ثِقَةٍ
ولا كَفَافًا، ولا كُفرًا وإيمانا — إِن كان ذَنبٌ فإِنَّا لا ذُنُوبَ لنا..
فَنحنُ لم نَتَعدَّ العُمرَ صِبيانا — يا كُنتَ مَن كُنتَ.. ماذا لو رَجَعتَ بِنا
حتى نُعِدَّ لِهذا اليَومِ أَذقانا؟ — ما دُمتَ قبل بُلُوغِ الدَّفقِ قاطِفَنا
فَلا تَكُن بِبُلُوغِ الفَقدِ مَنَّانا — مَن لم يَعِش مُستَطِيبًا عَيشَهُ فَلَهُ
أَن يَقبِضَ العَيشَ بعد المَوتِ مَجَّانا — يا كُنتَ مَن كُنتَ.. لا تَضرِب يَدًا بِيَدٍ..
كي تَعرِفَ النَّاسَ كُن مِن قَبلُ إِنسانا — ***
وعُدتُ أَسأَلُ نَفسِي: مَن أنا؟ وعلى — ماذا أَنُوحُ؟ وما لِي زِدتُ نُقصانا؟!
وكَيف أَصبَحتُ طَيفًا لا يَرَى أَحَدًا — ولا يَرَاهُ.. وعَمَّن أَبحَثُ الآنا؟!
هذا الصُّداعُ غَريبٌ.. كيف يَحمِلُنِي — (قَوسًا).. وأَحمِلُهُ (حُوتًا) و(مِيزانا)؟!
وكيف -دُونَ جَميعِ النَّاسِ- بِتُّ على — مَصَارِعِ الخَلقِ والأَفلاكِ نَدمانا!
أَعُوذُ بِاللهِ مِن سَمعٍ ومِن بَصَرٍ — لا يَعرِفانِ إِلَيَّ الآن عِنوانا
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الجدب: جدب: الجَدْبُ: المَحْل نَقِيضُ الخِصْبِ. وَفِي حَدِيثِ الاسْتِسْقاءِ: هَلَكَتِ المَواشِي وأَجْدَبَتِ البِلادُ، أَي قَحِطَتْ وغَلَتِ الأَسْعارُ. فأَما قَوْلُ الرَّاجِزِ، أَنشده سيبويه: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَرَى جَدَبَّا، …
- حسير: الحَسِيرُ :- من الإبل: الذي أصابه الكلل.- من البصر: الكليل يَنْقلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرُ.
- ذبن: ذبن: ابْنُ الأَعرابي: الذُّبْنةُ ذُبُولُ الشَّفَتَيْنِ مِنَ الْعَطَشِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: والأَصل الذُّبْلة فَقُلِبَتِ اللَّامُ نُونًا.
- سهيل: سُهَيْل : نجم قِيلَ إنه عند طلوعِهِ تنضج الفواكه وينقضي القيظ، وهو من النجوم اليمانية.
- عبور: العَبُورُ :- من الغَنَم: ما كانت فوق الفَطيم من إناث الغَنَم/ الشِّعْرى العَبُورُ هي إحدى الشِّعريَيْنِ، وهي كوكب في الجوزاء سميت بذلك لعبورها أي اجتيازها المجرّة، والأخرى الشِّعرى الغُمَيْصَاءُ.