النيل يرفع راية العصيان

الشاعر: فاروق جويدة · البحر: المنسرح

«النيل يرفع راية العصيان» من شعر فاروق جويدة، من العصر الحديث، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر المنسرح، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

رحل الزمان وما برحت مكانــــي ... فأنا الخلود.. ومالديكــــــم فـــــان

سجد الزمان علي ضفافي رهبة ... واستسلمــــــت أمم علي شطآني

لم يركع التاريخ إلا في يــــــــدي ... لم تسمع الدنيا سوي ألحانــــــي

أنا من جنان الله أحمل سرهـــــــا ... وكم انتشيتم من رحيق جنانــــي

مهد الخليقة كان سرا في دمــــــي ... ومواكب التاريخ من أعــــــواني

نام الزمان علي ضفافي آمنــــــــا ... وبقيت وحدي كعبـــــة الأوطان

لا تسألوا كيف انتهي سلطانـــــــي ... وتكسرت في غفلــــــــة تيجــــاني

لم تحفظوا عهدي وخنتم رايتــــــي ... حين استبحتم حرمــــــة الإنســــان

لم تحفظوا مائي فصار خطـــــــيئة ... حقت عليها لعنـــــــــة الرحمـــــن

*** ... الله سطرني علي وجـــــــــه الوري

نهرا يصــــــــلي بعــــــــد كل أذان ... في كل أرض للمآذن صرخــــــــة

وبكل ركن رتلــــــــوا قرآنــــــــي ... أنا وحي هذي الأرض سر وجودها

والله كرمني بكـــــــل زمــــــــــان ... عندي من الصلبان ألف تميمـــــــة ملأت بنور هلالــــها وديانـــــــــــي كم لاح وجه الله بين ربوعهـــــــــا

سجد الزمان وكبر الهـــــــرمــــان ... فحملت للدنيا رسالة خالقــــــــــي

ورسمت نهر الحــــــب والإيمــــان ... منذ استبحتم حرمة الشطـــــــآن

جحد الرفاق وخانني جيـــــراني ... أنا لم أكن نهرا وضل طريقـــــه

بل كنت دما ذاب في شريــــــــان ... أنا لم أكن في الأرض ماء جاريا

بل كنت قلبا ضمـــــه جســـــــــدان ... في مصر شريان يذوب صبابــــة

والعشق داء في ربي الســـــــودان ... ***

وحدت أوطانا.. جمعت عشائرا ... والكل في عشق العلا إخوانــــــي

الما بين يدي عهد مسالــــــــــم ... فإذا غضبت فإنـــــــه بركـــــــاني

سجد الفراعنة العظام علي يدي ... وتزاحمــــــــت أمم علي سلطاني

كان الوجود خرائبا منسيـــــــــة ... شيدتها بشوامخ البنيــــــــــــــــان

في كل شبر كنت أغرس نخلة ... وعلي الضفاف يتيه سحر جناني

أهديتكم دربا طويلا للعــــــــــلا ... ديني.. وعلمي.. نخوتي.. وبياني

واخترت أن أبقي رسولا للهــــوي ... بين الأحبة.. واسألوا شطآنـــــــــي

في كل ركن عقد فل عاشـــــــق ... وحبيبة رحلت.. وطيف حنــــــان

*** ... يوما غرست علي الضفاف مهابتي

ورفعت في قمم الجبال مكانــــــي ... ماء طهورا للصلاة فــــإن بــــدت

عين الخيانة أشعلت نيرانـــــــــي ... في واحتي تبدو الطيــــور أليفــــــة

لكنها أســــد علي العــــــــــدوان ... كم صرت نارا حين راوغني العدا

ورأيت طيف الغدر في سجاني ... من باع إيماني وخان فضائلــــــي

وأعادني للشرك والبهتـــــــان؟! ... كيف ارتضيتم محنتي وهوانـــــي ؟!

فتمردت خيلــــي علي فرساني ... هل يسكن القلب العنيد إلي الثري

وتلفني في وحشة أكفـــــــــاني؟! ... هل يصبح الماء الجسور وليمـــــــة

للشامتين علي ثــــري جثمــــاني؟! ... هل يخفت الضوء العتيق.. وتختفي

فوق السنابل فرحة الأغصان؟! ... هل ينتهي صخبي.. وتخبو أنجمي

وتكف أطياري عن الـــــدوران؟! ... أو تجلسون علي شواطي نيلكــــم

تترنحون كعصبة الشيطــــــان؟! ... ماذا سيبقي للحيــــــاة إذا اختفـــــي

وجهي.. وسافر في دجي النسيان؟! ... أأكون تاريخا.. تواري باكيـــــا

بين السفوح ولوعة الأحـــــزان..؟! ... ***

من ألف عام كنت أركض شامخا ... بين الجموع يحيطني فرســـــاني

والآن ترصدني الوجوه فــــــلا أري ... غير الخنوع وخسة الكهـــــان

فالجالسون علي العروش تسابقــــوا ... عند الفرار وأحرقوا شطـــــآني

قد علموني الصمت.. صرت كدمية ... سوداء شاخصة علي الجــــدران

والآن أقرأ في دفاتر رحلتـــــي ... فأري الجحود.. وجفوة الخلان

ماذا جنيتم من سلام عاجـــــــز ... غير الهوان.. يسوقنا لهــــــوان؟!

تتراقصــــــون لكــــــل ذئب قادم ... وتراوغون.. كرقصة الحمــــلان!

وتهرولون إلي الأعــــادي خلسة ... خلف اللصوص.. وباعة الأوطان!

خنتم عهود الأرض.. بعتم سرها ... للغاصبين بأبخس الأثمـــــــــــان

من باعني أرضــــا وخــــان قداستي ... من دمر التاريخ في وجدانـــــــي؟!

يتزاحم الكهــــان حـــــول مضاجعي ... يتعانقون علي ثري أكفانــــــــــي

وحدتكم زمنا فكنتم ســــــــــــــــــادة ... للعالمين علي هــــدي سلطانــــــــي

والآن صرتم لعبـــــــــــة يلهو بهــــا ... شر العباد.. وعصبة الكهـــــــان

ما اخترت أرضي.. ما اصطفيت زماني ... لكنه قدري الذي أشقانـــــــــــــي

فلقد تبدلت الليـــــــــالي بيننــــــــــــا ... ورأيت عمرا جاحـــــدا أدمانـــــــي

*** ... يا أيها الوطن العريق قم.. انتفض

واكسر كهوف الصمت والقضبان ... أطلق أسود النيـــــل من ثكناتها

واهدم قلاع البطش والطغيــــــان ... في الأفق شي لا أراه وإن بدا

خلف السحاب كثـــــورة البركــــان ... يعلو صهيل الماء.. يصرخ حولنا

يتزاحم الفرسان.. في الفرســـــان ... تهتــــز أرض.. تستغيث مواكب

ويهرول الكهان.. للكهــــــــــان ... وأنا أطل علي الربــــوع معاتبــــا

أشكو إليها محنتي وهوانـــــــي ... منذ استبحتم حرمــــة الشطــــــآن

صدئت علي أطلالكم تيجانـــــــي ... حتي عيون الناس ضــــل بريقها

ما بين ليل القهر والهذيـــــــان ... ***

سأزوركم في كــــل عام كلما ... حنت حنايــــا الأرض للفيضــــان

أتسلق الأفق البعيـــــد لكـــــي أري ... خلف السدود شواطئي وجنانــــي

أنا لن أكف عن المجــــئ لأنني ... كالأرض ما كفت عن الدوران

سأطل من خلــــف الحدود وربما ... تبدو علي مرارة الحرمـــــــــان

عودوا إلي الحب القديم.. وعلموا ... أبناءكم أن يحرسوا شطآنـــــــــي

أعطيتكم عمري.. وهانت عشرتي ... والآن ارفع راية العصيان

لو كنت أعلم ما طواه زمانـــــــــي ... لاخترت أرضا غيركم أوطانــــي

البحر والقافية

القصيدة على بحر المنسرح. بحر قليل الاستعمال، سُمّي منسرحًا لانسراحه أي سهولته على اللسان.

تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • تحفظوا: (حَفِظَ) الْحَاءُ وَالْفَاءُ وَالظَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الشَّيْءِ. يُقَالُ حَفِظْتُ الشَّيْءَ حِفْظًا. وَالْغَضَبُ: الْحَفِيظَةُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْحَالَ تَدْعُو إِلَى مُرَاعَاةِ الشَّيْءِ … (مقاييس اللغة)
  • جناني: جنن: جَنَّ الشيءَ يَجُنُّه جَنّاً: سَتَره. وكلُّ شَيْءٍ سُتر عَنْكَ فَقَدْ جُنَّ عَنْكَ. وجَنَّه الليلُ يَجُنُّه جَنّاً وجُنوناً وجَنَّ عَلَيْهِ يَجُنُّ، بِالضَّمِّ، جُنوناً وأَجَنَّه: سَتَره؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ … (لسان العرب)
  • رايتي: رأي: الرُّؤْيَة بالعَيْن تَتَعدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَبِمَعْنَى العِلْم تتعدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ؛ يُقَالُ: رَأَى زَيْدًا عَالِمًا ورَأَى رَأْياً ورُؤْيَةً ورَاءَةً مِثْلُ راعَة. وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الرُّؤْي … (لسان العرب)
  • سجد: سجد: السَّاجِدُ: الْمُنْتَصِبُ فِي لُغَةِ طَيِّءٍ، قَالَ الأَزهري: وَلَا يُحْفَظُ لِغَيْرِ اللَّيْثِ. ابْنُ سِيدَهْ: سَجَدَ يَسْجُدُ سُجُودًا وَضَعَ جَبْهَتَهُ بالأَرض، وَقَوْمٌ سُجَّدٌ وَسُجُودٌ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلّ … (لسان العرب)
  • سلطاني: سلط: السَّلاطةُ: القَهْرُ، وَقَدْ سَلَّطَه اللهُ فتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ، وَالِاسْمُ سُلْطة، بِالضَّمِّ. والسَّلْطُ والسَّلِيطُ: الطويلُ اللسانِ، والأُنثى سَلِيطةٌ وسَلَطانةٌ وِ سِلِطانةٌ، وَقَدْ سَلُطَ سَلاطةً وسُلوطةً، و … (لسان العرب)
  • ضفافي: ضفف: الضَّفُّ: الحَلَبُ بالكفِّ كلِّها وَذَلِكَ لِضِخَم الضَّرْع؛ وأَنشد: بَضَفِّ القَوادِمِ ذاتِ الفُضُولِ، ... لَا بالبِكاء الكِماشِ اهْتِصارا وَيُرْوَى امْتِصاراً، بِالْمِيمِ، وَهِيَ قليلةُ اللبَنِ؛ وَقِيلَ: الضَّفُّ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • الصبح حلم.. لا يجئ
  • ويمضي العمر
  • في عينيك عنواني
  • بقايا.. بقايا
  • ويبقى السؤال
  • وعمرى .. أنت مرساه
  • كأن العمر ماكان
  • عيناك أرض لا تخون