مرثية رجل عظيم
الشاعر: صلاح عبد الصبور · البحر: المجتث · الغرض: قصيدة رثاء
«مرثية رجل عظيم» من شعر صلاح عبد الصبور، من العصر الحديث، وتقع في 44 بيتًا. نُظمت على بحر المجتث، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مرثية رجل عظيم ... كان يريد أن يرى النظام في الفوضى
و أن يرى الجمال في النظام ... و كان نادرَ الكلام
كأنه يبصر بين كل لفظتين ... أكذوبة ميّتة يخاف أن يبعثها كلامُهُ
ناشرة الفودين, مرخاة الزمام ... و كان في المسا يطيل صحبةَ النجوم
ليبصر الخيط الذي يلمُّها ... مختبئا خلف الغيوم
ثم ينادي اللهَ قبل أن ينام ... الله, هب لي المقلة التي ترى
خلف تشَتُّتِ الشكول و الصور ... تغيُّر الألوان و الظلال
خلف اشتباه الوهم و المجاز و الخيال ... و خلف ما تسدله الشمس على الدنيا
و ما ينسجه القمر ... حقائقَ الأشياء و الأحوال
و تسألونني: أكان صاحبي؟ ... هل صحبة تقوم بين سيدٍ عظيم
و خادمٍ محتال؟ ... مرثية صديق كان يضحك كثيرا
كان صديقي ... حين يجىء الليل
حتى لا يتعطَّن كالخبز المبتل ... يتحول خمرا
تتلامس ضحكته الأسيانة في ضخكته الفرحانة ... طينا لمَّاعاً أسود
أو بلورا ... و يخشخش في صوت الضحكات المرسَل
صوت كتكسُّر قشر الجوز المثقل ... كنا نتلاقى
أو بالأحرى نتوحد, كل مساء ... في قاع الحانة
كالأكواخ المتقاربة المنهارة ... و الريح من الشباك المترب للشباك المترب
تتسكّع بين فراغات الأشياء ... يتنحَّى كلٌّ منا عن موضعه للجار الأقرب
لا عن أدب و حياء ... بل خوفا أن تختل الدورة
إذ نتصادم أو نتلاقى ... كلمات, أو أذرعة, أو آلاما, أو أهواء
حذرا أن نهتز و نتفتَّح ... يتقارب كلٌّ منا في داخله كالأجَمِ الفارغ
فإذا مال تنحنح ... كان صديقي في ساعات الليل الأولى
يتجول في بلدتهِ ... كانت بلدتُه ساعات الليل الأولى
و يجمِّع من مهجته المنثورة ... أو من بهجته المكسورة
ما ذاب نهارا في أسفلت الطرقات ... يترشَّفُه قطرات...قطرات
حتى يمتلىء كما تمتلىء القارورة ... يتعمَّمُ بالختم الطينيِّ اللمَّاع على عينيه الطيبتين
ينقش فوق نداوته المحبورة ... صورةَ كون فياض بالضحكات
يتدحرج نحو الحانة ... يتعثَّر في أيدينا مختارا
يهوي مسفوحا ... يتأرَّج عطرا, ريحا, روحا
يجعلنا أحيانا نضحك كالخمر الصفراء ... إذ ندرك أان الأشياء المبذولة, مبذولة
و الأشياء العادية, عادية ... و الأشياء الملساء, مجرد أشياء ملساء
يجعلنا أحيانا نضحك, إذ يضحك كالخمر السوداء ... إذ يبصر في ورق الشجر المتهاوي
موتَ البذرة ... أو يتحسَّسُ بلسان الحكمة, و اللامعنى
حين يمصُّ ثنايا امرأة في قُبلتها الأولى ... جدرانَ الجمجمة النخِرة
كنا, و صديقي, في آخر ساعات الليل ... نتحول عاصفة مخمورة
تتخدد فوق ملامحنا ... تجعلنا نهتزُّ و نتفتَّح
تجعلنا نتكسَّر ... حتى نبدو كتلا متشابهة, متكررة, متآلفةً
من إنسان فرد متكثِّر ... مات صديقي أمس
إذ جاء إلى الحانة, لم يُبصر منا أحدا ... أقعى في مقعدهِ مختوما بالبهجة
حتى انتصف الليل ... لم يُبصر منا أحدا
سالت من ساقيهِ البهجة ... و ارتفعت حكمته حتى مسَّت قلبَه
فتسمَّم بالحكمة ... غاب الندماء, فلم يقدر أن يتحول خمرا
و تفتَّت مثل رغيف الخبز
البحر والقافية
القصيدة على بحر المجتث. بحر قصير قليل الاستعمال، سُمّي مجتثًّا لاجتثاث أجزائه (اقتطاعها).
تفعيلاته: مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الخيط: خيط: الخَيْطُ: السِّلْك، وَالْجَمْعُ أَخْياطٌ وخُيوطٌ وخُيوطةٌ مِثْلُ فَحْلٍ وفُحولٍ وفُحولةٍ، زَادُوا الْهَاءَ لتأْنيث الْجَمْعِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِابْنِ مُقْبِلٍ: قَرِيساً ومَغْشِيّاً عَلَيْهِ، كأَنَّه ... خُيوطة … (لسان العرب)
- الزمام: زمم: زَمَّ الشيءَ يَزُمُّه زَمّاً فانْزَمَّ: شَدَّهُ. والزِّمامُ: مَا زُمَّ بِهِ، وَالْجَمْعُ أَزِمَّةٌ. والزِّمامُ: الْحَبَلُ الَّذِي يُجْعَلُ فِي البُرَةِ وَالْخَشَبَةِ، وَقَدْ زمَّ الْبَعِيرَ بالزِّمام. اللَّيْثُ: الز … (لسان العرب)
- الشكول: شكل: الشَّكْلُ، بِالْفَتْحِ: الشِّبْه والمِثْل، وَالْجَمْعُ أَشْكَالٌ وشُكُول؛ وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ: فَلَا تَطلُبَا لِي أَيِّماً، إِن طَلَبْتُما، ... فإِن الأَيَامَى لَسْنَ لِي بشُكُولٍ وَقَدْ تَشَاكَلَ الشَّيْئَانِ وشَا … (لسان العرب)
- المجاز: جأز: الجَأْزُ، بِالتَّسْكِينِ: الغَصَصُ فِي الصَّدْرِ، وَقِيلَ: هُوَ الغَصَصُ بِالْمَاءِ؛ قَالَ رُؤْبَةُ: يَسْقِي العِدَى غَيْظاً طَوِيلَ الجأْزِ أَي طَوِيلُ الغَصَصِ لأَنه ثَابِتٌ فِي حُلُوقِهِمْ. وجَئِزَ بِالْمَاءِ يَج … (لسان العرب)
- المسا: مسأ: مَسَأَ يَمْسَأُ مَسْأً ومُسُوءًا: مَجَنَ، والماسِئُ: الماجِنُ. ومَسْءُ الطريقِ: وَسَطُه. ومَسَأَ مَسْأً: مَرَنَ عَلَى الشيءِ. ومَسَأَ: أَبْطَأَ. ومَسَأَ بَيْنَهُمْ مَسْأً ومُسُوءًا: حَرَّش. أَبو عُبَيْدٍ عَنِ الأَصم … (لسان العرب)
- تسدله: سدل: سَدَلَ الشَّعْرَ والثوبَ والسِّتْرَ يَسْدِلُه ويَسْدُلُه سَدْلًا وأَسْدَلَه: أَرْخاه وأَرْسَلَه. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، كرَّم اللَّهُ وَجْهَهُ: أَنه خَرَج فرأَى قَوْمًا يُصَلُّون قَدْ سَدَلُوا ثيابَهم فَقَالَ: كأَنّ … (لسان العرب)
- تشتت: شتت: الشَّتُّ: الِافْتِرَاقُ والتَّفْريقُ. شَتَّ شَعْبُهم يَشِتُّ شَتّاً وشَتاتاً، وانْشَتَّ، وتَشَتَّتَ أَي تَفَرَّقَ جمعُهم؛ قَالَ الطِّرِمَّاحُ: شَتَّ شَعْبُ الحَيِّ بَعْدَ التِئامِ، ... وشَجاكَ الرَّبْعُ، رَبْعُ المُ … (لسان العرب)