أيتها الغربة وداعا
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
-1-كان صديقي خالد
ممتلئا بالحبكان رقيقا وعنيفا كالنسمة والإعصار
كان معي في هذا البلد يكابد ..غربته ,
مرتقبا سيل النارمسكونا بالفعل الحيّ الصامت
وكان يعانق في الصحراءواحته المنفيّة خلف جدار باهت
ويحدّثني إذ ألقاهعن فقدان المعنى والتيه
عن تلك الأيام الصفراءعن موت الإنسان الضائع ,
خلف قناع التمويهعن غضب سوف يجيء
يكنس فينا هذا الفقر المعتم ويضيءغرفا في النفس رماديّة
كان يواجهني بالبسمةمحتجّا ..
إذ أسمعه بعض الشعر الأسيان- يا قيسيّ
دعنا من هذي السوداويّة- الحزن خميرتنا يا خالد
والحزن سلاح لا يغمدنغسل أعماق الروح به ,
نسمو , نتجدّدحين يرافقنا في اليقظة والنوم
يتنفّس معنا , ويشاركنا الخبزلا نقدر أن نتجاهل هذي النعمة
يا خالد-2-
كان جريئا في زمن الصمتلا يخفض هام الكلمة
لا يرسلها زلفى لأمير أو حاكمكان يجلّ الصدق
يحلم بمدائن تحتضن الإنسانلا تورده الموت
لكنّ صديقي خالدطولب أن يصمت
طولب أن يكسر قلمهطولب أن يخنق ألمه
طولب أن يرضى بالأمر الواقع-3-
أسألكم ..من يرضى أن يسقط طوعا ؟
من يقدر أن يمنع أمّا ,معدمة , جوعى
من أن تحمل سيفا ؟وإذا لزم الأمر
أن تسرق ثمن حليب الطفل الجائع ؟طوبى لأبي ذر
-4-لم يسرق خالد , لم يحمل سيفا
لم يقتل يوما نملةكان صديقا للناس , محبّا للفقراء
لكنّ الخوف على أمن الدولةيلزمهم أن لا تبقى الكلمة مسموعة
أن لا يبقى خالد حرّا-5-
فوجىء خالد ذات صباحبدخول الشرطيّ عليه
يحمل بين يديهكومة أصفاد
في اليوم التالينشرت بعض الصحف اليوميّة
أمر الإبعاد-6-
" ملاحظة ..في ذلك اليوم , بكت طفلتان صغيرتان , لأن
أباهما تأخر عن موعده , ولم يعد للبيت ,كانت تنتظران أن يحمل لهم حبّا , وأمنا ,
وحلوى ..ربما كانت جائعتين .."
-7-لم أر خالد ذاك اليوم
لكّني كنت أرى جبهته ,سارية في الريح , منارة
لم يوهنها الإبحاركان الإصرار
مرسوما في عينيه علامةكان يردّد أنّ الصبح ,
- وإن طال سيأتيواحتضن وسامه
ومضى ..يبحث عن أرض ,
تطعمه خبزا وكرامة ..-8-
لا أذكر كم مرّ من الأعوامحين تقابلنا أول مرّة
في باحة فندقوسط دمشق
أذكر كان عناقا ,عبر الصمت مليئا بالصدق
حيث أعاد إلى سمعي الكلمات الحرّةكان كلانا ,
يبحث في رحلته عن شاطىءعن قطعة أرض غالية ,
يسند جبهته المتعبة عليها ..تطفىء ظمأ الأيام
عن شجر يمنحه الظلّعن بيت دافيء
يؤويه إذا جاء الليل-9-
وفتحنا كلّ شبابيك الجرح-10-
كان تراب الوطن العربيما زال طريّا أخضر
والجثث المقتولة في سيناءوغزة والجزلان
ينهشها الطير ولم تدفنوتحدّثنا في ذاك اليوم ,
عن الآمال البرّاقةوعن السفر الثاني ,
وزنود الفتيان الغلاّبةإذ تلج بجنح الليل
أبواب فلسطين بلا تصريحمثل الريح
تحمل شارات الصبح ..-11-
كنّا نعبر في الطرقات معاأحزنني وجه دمشق
بردى كان بلا صوتلاحظت لأول مرّة
أنّ ملابس خالد كانت كاكيّةلكن فيما بعد عرفت
أنّ صديقي من زمن ,يلتزم بتدريبات يوميّة
فسرحت ببصري في الصمتوتحدّث خالد , فاجأني بسؤاله
- ما حال الغربة والأصحاب ؟جالت في أعماقي الكلمات المرّة
.. .. .... ................................
لكنّي أطرقت-12-
يا أيام الغربة أعطيني إسميأعطيني أوراقي ويدي
أعطيني قلميآن لنا أن نفترق الآن
آن لهذا القلب المحكوم عليهأن يرتاد الأبعاد
ركضا خلف خلاص موهومآن له أن يستقبل ,
فعل المرتقب المحتومبعد سنّي التجوال
أزهر يا غربة في أرضي الليمونوامتلأ " المارس " بسنابل معطاءة
وابتهج الفلاحونأمّا الفقراء فقد مدّوا أيديهم ,
واحتضنوا قمر الثورةيا غربة هاتي كفيّك
أودعك بها كلماتي المرّةورنين الزمن الجاحد
إني أرتحل الآنفيّاضا بالفرح إلى خالد ..
عن القصيدة
«أيتها الغربة وداعا» من شعر محمد القيسي، وتقع في ٧٨ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.