شهقة وزفرة
الشاعر: أكرم المعفري · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
«شهقة وزفرة» من شعر أكرم المعفري، وتقع في 75 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أشكُو إلَيكَ إلَهِي فَرْطَ ما أجِدُ — مِن الجَفاءِ لمن أهوَى وما يَجِدُ.
خَليلُكَ المصطفَى ضاعَت مَحبَّتُه — وأصبَحَت في ثَرَى النِّسيانِ تلتَحِدُ.
ذاك الحبيبُ فِداهُ مُهجَتي ودَمِي — ووالِدَيَّ مَعًا والأهلُ والوَلَدُ.
لي مَوعِدٌ مَعَهُ حَقًّا سَيُنجِزُهُ — يَومَ القِيامَة عندَ الحوضِ لو أرِدُ
كَيْ أرتَوِي مِن نَمِير الماء مِن يَدِهِ — لا ظَمَأٌ بَعدَها كَلَّا ولا نَكَدٌ.
العَيشُ ثَمَّ ولا أرضَى به بَدَلًا — ثَم النعيمُ وثَم الخُلدُ والأبَدُ.
ما ضَلَّ قَلبٌ رَسُولُ الله أسوَتُهُ — وما هَوَى مَن بِرَبِّ العَرشِ يَستَنِدُ.
قَلبُ المحِبِّ مُضاءٌ دائمًا بهُدَى الْـ — مَحبُوبِ أهدَى الوَرَى ما أظلَمَتهُ يَدٌ.
فما لِقَومِي عن المحبُوبِ قَد بَعُدُوا — ومالَهُم عَن هُدَى الرَّحمَنِ قَد شَرَدُوا.
ما بالُهُم تَرَكُوا حَوضَ الهُدَى وسَعَوْا — كالهِيمِ خَلفَ سَرابٍ ظَلَّ يَبتَعِدُ.
يا صاحِبَ الحَوضِ ماتَتْ بَعدَكُم سُنَنٌ — وأُحْدِثَت بِدَعٌ بالجَهلِ تَتَّقِدُ.
وأقبَلَت فِتَنٌ كاللَّيلِ مُظلِمَةٌ — تَمُوجُ مِثلَ قَطِيعِ الضَّانِ إذ يَرِدُ.
أبا الفَضائِلِ هَل تَدرِي بِمِحنَتِنا؟ — كُفِيتَ -صَلَّى عَلَيكَ الله- ما نَجِدُ.
أما عَلِمتَ بما آلَت إلَيهِ أمُو — رُ المسلِمِينَ وما لاقَوا وما شَهِدُوا؟
بَلَى، -عَلَيكَ صَلاةُ الله دائمَةً- — عَلِمتَ مِن لَدُنِ العَلّامِ ما يَفِدُ.
صِرْنا غُثاءً كَما أخبَرتَ، وا أسَفًا — نَحنُ الغُثاءُ، غُثاءُ السَّيلِ والزَّبَدُ.
الذُلُّ يُرعِدُ والآلامُ مُمطِرَةٌ — والعِزُّ يُفقَدُ والآمال تَبتَعِدُ.
فيا حَبِيبي! دِماءُ المسلِمِينَ غَدَت — تَرْوَى بها الأرْضُ والأرواحُ تُفتَقَدُ.
ويا جِراحِي! جِراحُ القُدسِ غائِرَةٌ — أبكِيكِ أنتِ أم الأقصَى الذِي وَأدُوا؟
ماذا أعَزِّي بِشِعرِي والمدَى فَجَعٌ — والجُرحُ يَنزِفُ والآلامُ تَطَّرِدُ؟
القُدْسُ تَحتَ نِعالِ البَغْيِ يَهتِكُها — وَغدٌ وقِردٌ وخَنزِيرٌ ومَن وَلَدُوا.
أَوّاهُ كَم ذَبَحُوا طِفلًا بلا وَزَرٍ! — كَم عَذَّبُوا! ومِن الأرواحِ كَم حَصَدُوا!
وما ذُنُوبُ الضَّحايَا غَيرَ أنهُمُ — تَحَنَّفُوا ولِغَير الله ما سَجَدُوا.
وما لَهُم مِن خَطايَا غَيرَ أنَّ لَهُم — صَبرٌ صَلِيبٌ وبالصُّلبانِ ما اعتَقَدُو.
فيا حُماةَ حُقُوقِ الإنسِ أينَ غَدَت — حُقُوقُنا؟ خَبِّرُوني أينَ تَلتَحِدُ؟
أم قُلتُمُ مِثلَما قال اليَهُودُ بأنْ — (لَيسَ عَلَينا في الاُمِّيِينَ) مُنتَقِدٌ.
ويا رُعاةَ حُقُوقِ الطِّفلِ كَيفَ غَدَا — أمامَكُم يُذبَحُ الأطفالُ إنْ وُلِدُوا؟
بِرَبِّكُم حَدِّثُونِي عَن حُقُوقِهِمِ — فقَد نَسِيتُ لِهَولِ الكَربِ ما عَقَدُوا.
ويا دُعاةَ احتِرامِ الدِّينِ مُنذُ مَتى — غَدا التَّحَنُّفُ جُرمًا حَدُّه الرَّصَدُ؟
يا مُسبِلَ الدَّمعِ حُزنًا صارخًا وأسًى — ءَاسَى لِحالِكَ أمْ ءاسَى لما أجِدُ؟
لَستَ الوَحِيدَ هُنا فالجُرحُ مُلتَهِبٌ — والقَلبُ مُتَّقِدٌ والرُّوحُ والكَبِدُ.
اِنفَطَرَت مُهجَتِي مِن فَرطِ ما شَهِدَت — مِن المهانَةِ في قَومِي وما شَهِدُوا.
واستَعبَرَت مُقلَتِي لما رَأت حُرَمَ الْـ — إسلامِ يَهتِكُها الأوغادُ والقِرَدُ.
تَأَسَّفَت وبَكَت دَمعًا ولَو عَدَلَت — لأسكَبَتهُ دَمًا يُكوَى به الجَسَدُ.
الدَّمعُ يُبْرِدُ أكبادًا قَدِ احتَرَقَت — والدَّمُ يُوقِدُ أخرَى مَسَّها الجَمَدُ.
يا لائِم الدَّهرِ إنَّ الدَّهْرِ مُعتَذِرٌ — "اِستَأسَدَ الغَيُّ لما استَنوَقَ الرَّشَدُ".
لو كان فينا (أبو الزَّهراء) ما جَرُؤوا — على استِباحَةِ أوطاني وما احتَشَدُوا.
لو كان فينا (أبو حَفصٍ) لما هَتَكُوا — عِرضًا وما دَبَّرُوا كَيدًا وما عَقَدُوا
وما أراقوا دِماءَ المسلِمِينَ وما — بَغَوا وما يَتَّمُوا طِفلًا وما طَرَدُوا.
لو كان فينا (أبو السِّبطَينِ) ما رَفَعُوا — رَأسًا وفي قَلبِهِم مِن (مَرحَبٍ) صَفَدٌ.
لَو كانَ فِينا (صَلاحُ الدِّينِ) لارتَدَعُوا — عَن غَيِّهِم ولَذاقُوا الرُّعبَ وارتَعَدُوا.
ءَاااهٍ عَلَينا (صَلاحَ الدِّينِ) بَعدَكُمُ — بِتنا طَرائِدَ يَعدُو خَلفَها الأسَدُ.
صِرنا غُثاءً كَما قالَ الحبيبُ فقُم — وانهَضْ فِداكَ أبي فالنَّاسُ قَد رَقَدُوا.
عادَ اليَهودُ وداسُوا قَبرَكُم ومَضَوا — ودَنَّسُوا المسجِدَ الأقصَى الذِي قَصَدُوا.
أينَ اللُّيوثُ الَّتِي (حِطِّينُ) تَذكُرُها — و(القادِسِيَّةُ)؟ أينَ الجَيشُ والعُدَدُ؟
الجيشُ سُخِّرَ في تأمين مُطرِبَةٍ! — وقَتلِ مَن لِسِوَى الرَّحمَنِ ما سَجَدُوا!
والدِّينُ ضُيِّعَ في لَهوٍ وفي طَرَبٍ — والمال أنفِقَ في تَكرِيمِ مَن سَمَدُوا (غنَّو)
ولَيسَ في العِلمِ أو تأسِيسِ جامِعَةٍ — أو مَسجِدٍ كَي يَعِزَّ الدِّينُ والبَلَدُ.
وا حَرَّ قَلباهُ مِمَّا باتَ يُسهِدُني — ووا أَسايَ عَلَى الإسلامِ يا سَهَدُ.
ءَااهٍ وفي الأُذْنِ أَصْواتٌ تُعَذِّبُنِي — مِن صِبيَةٍ ما لَهُم صَبرٌ ولا جَلَدٌ.
البَردُ يَجلِدُهُم والجُوعُ يَلفَحُهُم — وما لَهُم مِن سِياطِ البَغيِ مُلتَحَدٌ.
والذُلُّ مَطعَمُهُم، والظُّلمُ مَورِدُهُم — والبُؤسُ مَضجَعُهُم والحُزنُ والكَمَدُ.
والدَّمعُ مُؤنِسُهُم، والله مَلجَؤُهُم — فالمرتَجَى لَيسَ إلّا الواحِدُ الصَّمَدُ.
لَيلُ الأقارِبِ ءَاهاتٌ ومَجزَرَةٌ — تُدمِي القُلُوبَ ولَيلُ المـُسلِمِينَ دَدٌ. (لهو)
أَوَّااهُ كَم في ثَرَى الإسراءِ أرمَلَةٌ — تَبكِي وتَستَصرِخُ الحُكَّامَ كَي يَفِدُوا
وربَّما استَعطَفَت قَهرًا مُرَمِّلَها — إنْ لَم يَقُم مَن يُزِيلُ الظُّلمَ أو يَقِدُ. (يقتص)
تَبكِي وفي قَلبِها نارٌ مُؤَجَّجَةٌ — وعَبرَةُ العَينِ تُشْوَى دُونَها الكَبِدُ.
تَبكِي أسًى ولِسانُ الحالِ يَصرُخُ: (وا — مُعتَصِماهُ)! ولَكِن أينَ مَن يَبِدُ. (يغضب)
إنْ لَم تَجِدْ أذُنًا تُصْغِي لِصَرخَتِها — فإنَّ لِلشِّعرِ آذانًا لَها نُجُدٌ.
الشِّعرُ يَسمَعُ أنّاتٍ لَها ويَرَى — لَها دُمُوعًا وما يَدرِي بها أحَدٌ.
الشِعرُ لَيسَ عِباراتٍ نُنَمِّقُها — عَلَى السُّطُورِ لكَيْ تُروَى وتُنتَقَدُ.
ما أقصَرَ الشِّعرَ إن كانَت دَوافِعُه — مَدحٌ وفَخرٌ وتَشْبِيبٌ ومُعتَقَدٌ.
لا خَيرَ في الشِّعرِ إنْ لَم تَسعَ فِيهِ يَدٌ — تُؤَجِّجُ الحَقَّ إنْ لَم تَسعَ ثَمَّ يَدٌ.
الشِّعرُ يَسمُو مَتَى تَحيَا بهِ مُهَجٌ — الشِّعرُ روحٌ مَدَى الأزمانِ لا جَسَدٌ.
أينَ الأخُوَّةُ يا قَومِي ونَخوَتُكُم؟ — أينَ الّذِينَ بنَصرِ اللهِ قَد وُعِدُوا؟
إخوانُنا من كُؤوسِ الضَّيمِ قَد ثَمِلُوا — ونَحنُ تُثمِلُنا الآلاءُ والرَّغَدُ؟!
ألَيسَ رابِطُ دِينِ اللهِ يَجمَعُنا؟ — لِمَ التَّشَتُّتُ؟ أينَ العَهدُ والعُقَدُ؟
أحَقًّا العُروَةُ الوُثقَى قَدِ اِنفَصَمَت؟ — أم أنَّ إخوانَنا أعداؤُنا الجُدُدُ؟
الشامُ، بَغدادُ، والأقصَى، وكُلُّ ثَرًى — مُستَعمَرٌ في حِمانا، فَوقَهُ صَفَدٌ
خَصِيمُنا قَبلَ الاَعداءِ الذينَ بَغَوا — عَلَيهِ يَومَ يَجيء الخَصمُ والشُهُدُ.
لا زِلتُ أبصِرُ فِيكُم قَومِ نَخوَتَكُم — ما زِلتُ ءامُلُ أن تَذكُو وتَتَّقِدُ.
لَطالَما سَمِعَت مِن عُمقِكُم أُذُنِي — صَدًى زَكِيًّا يُدَوِّي صارِخًا: (أُحُد).
يا رَبِّ قَد بَلَغَ الإجهادُ غايَتَهُ — مِنِّي، وتَمَّ بكَ المأمُولُ والقَصَدُ
فتَمِّمِ الفَضلَ واختِم بالصَّلاةِ عَلى — حِبِيبِكَ المصطفى خَيرِ الألَى سَجَدُوا
يا صانِعَ الحَوضِ بَلِّغ عَنِّ صاحِبَهُ — أني أحِنُّ إلى لُقياهُ لَو أرِدُ.
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الجفاء: جَفَأَ: جَفَأَ الرَّجلَ جَفْأً: صَرَعه، وَفِي التَّهْذِيبِ: اقتَلَعه وذَهَب بِهِ الأَرضَ. وأَجْفَأَ بِهِ: طَرَحَهُ. وجَفَأَ بِهِ الأَرضَ: ضَرَبَها بِهِ. وجَفَأَ البُرْمةَ فِي القَصْعةِ جَفْأً: أَكْفأَها، أَو أَمالها فَصَ …
- الحوض: حوض: حاضَ الماءَ وغيرَه حَوْضاً وحَوَّضَه: حاطَه وجَمَعَه. وحُضْتُ أَحُوضُ: اتخذْتُ حَوْضاً. واسْتَحْوَضَ الماءُ: اجْتَمَعَ. والحَوْضُ: مُجْتَمَعُ الْمَاءِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَحْواض وحِيَاض. وحَوْضُ الرَّسُولِ، ﷺ: ا …
- خليلك: الخَلِيلُ : الصّديق الخالص. -: الذي اتُّخذ وليًّا وَإذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. -: النَّاصح يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فلاناً خَلِيلا. -: الضعيف الجسم؛ جسمٌ خليل أى نحيف هزيل / رجل خليل أي فقير ج أَخِلاَّءُ وخُ …
- فداه: الفِدَاءُ [فدي]: مصـ. ـ: ما يُعطى من مالٍ ونحوه مقابل تخليص المَفْدِيّ. ـ: ما يُتَقَرَّبُ به إلى اللَّه جزاءً لتقصيرٍ في عبادةٍ، مثل كفَّارة الصَّوْم والحَلْقِ ولُبس المَخيط في الإحرام. ـ: الأُضْحِيَّةُ؛ ضحَّى بخروف فداء …
- نكد: نكد: النَّكَدُ: الشؤْمُ واللؤْمُ، نَكِدَ نَكَداً، فَهُوَ نَكِدٌ ونَكَدٌ ونَكْدٌ وأَنَكَدُ. وَكُلُّ شَيْءٍ جَرَّ عَلَى صَاحِبِهِ شَرّاً، فَهُوَ نَكَدٌ، وَصَاحِبُهُ أَنكَدُ نَكِدٌ. ونَكِدَ عيشُهم، بِالْكَسْرِ، يَنْكَدُ نَك …