الخطبُ هدَّ مشاعري
الشاعر: إبراهيم أبو طالب · البحر: الكامل
«الخطبُ هدَّ مشاعري» من شعر إبراهيم أبو طالب، وتقع في 45 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الخَطْبُ هدَّ مشاعري وكَياني ... والموتُ قيَّدَ خَاطِري ولِسَاني
يا للمَنونِ فمَا لها مِن دَافِعٍ ... كَمْ أخْرَسَتْ ذا حكمةٍ وبيانِ!
يا للمنيةِ حين تنشبُ سُمَّها ... في قسوةٍ مُزْوَرَّةِ الأركانِ!
يا وَيحَ نَفْسِي يومَ تفقدُ نَفْسَهَا ... صَارَتْ بِلا أَمَلٍ بلا وجدانِ!
قد كنتَ أنتَ حياتَها وعبيْرَها ... كنتَ الملاذَ، إذا دَجَى الَحدَثانِ
كُنتَ الُمؤَدِّبَ والمُعَلِّمَ والنَّدَى ... قَدْ كُنْتَ خَيْرَ الأَهْلِ والخِلَّانِ
أَعطَيتَ في جُوْدٍ فَمَا بَخِلَتْ يَدٌ ... مَمْدُوْدَةٌ بالفَضْلِ والإِحْسَانِ
قد كُنتَ كَهْفًا للضَّعِيْفِ مُوَاسِيًا ... في حِكمَةٍ، وعُذوبةٍ، وحَنَانِ
كُنْتَ البَشُوشَ إذا ابتسمتَ مُدَاعِبًا ... ضَحِكَ الوجودُ لِرِقَّةِ الإِنْسَانِ
مَن للأراملِ والحيارى بَعْدَهُ ... مَنْ لِلْكَسِيرِ وللفقيرِ العَانِي
مَنْ كانَ يجمعُنَا بلطفِ وِدَادِهِ ... ويَضمُّنَا بالأهلِ والإخوانِ
من كانَ يَسحرُنا بعَذبِ حَدِيثهِ ... فهو البَلاغةُ طُرِّزَتْ ببيانِ
قد كانَ لي نِعْمَ الصَّديق، فلم أرَ ... منه سِوى الإخلاصِ والتحنانِ
والآنَ فَارَقَنَا، فَفَارَقَنِي الْهَنَا ... وتَمزَّقَتْ نَفْسِي بِلا سُلوانِ
والعَينُ أرسلَتِ الدُّمُوْعَ بِحَسْرَةٍ ... وبَكَى الْفُؤَادُ بِحُرْقَةِ الحَيرانِ
جَدَّاهُ؛ هَلْ حقًا رحلتَ مودعًا ... وتركتنا للدمعِ والأحزانِ؟
أبتاهُ؛ هل حقًا رحلتَ مُوَدِّعًا؟! ... وتركْتَنَا في لَوْعَةِ الأَشْجَانِ؟
من سُوء حَظِّي كيفَ أَبْعَدَنِي النَّوى ... عن أنْ أكونَ بقرْبِكم مُتَفَاني؟!
حتَّى أَتَاني النَّعْيُ، يا لخسارتي! ... ماذا أقولُ وقد فَقَدْتُ كَيَاني؟
ماذا أقولُ؟! سُوى مَقُولةِ صَابرٍ ... حَمدًا لربِّ الْكَونِ والفُرْقَانِ
للهِ مَا أَعْطَى، وللهِ البقا ... ولهُ مَزِيدُ الحَمْدِ والعِرْفَانِ
لَكنْ أُعَزِّي العِلمَ في نِبْراسِهِ ... في عَالِمٍ مُتبحِّرٍ مُتَفَاني
والأَرضُ تَنْقُصُ حينَ تَفقدُ عالمًا ... هذي إرادةُ خَالقِ الأكوانِ
لمْ تُلْهِهِ الدُّنْيا بكُلِّ مَتَاعِهَا ... عَاشَ الكريمُ بسِيرةِ "العَدنانِ"
أَحيَا الشَّريعةَ وِفْقَ سُنَّةِ أحمدٍ ... وقَضَى بما في مُحْكَمِ القُرآنِ
هَذي المحاكمُ، كم بها من آيَةٍ ... تُنْبي بروحِ الصِّدْقِ والإتقانِ
والحزمُ كانَ شِعَارَهُ ومَسِيرَهُ ... بنزاهةٍ، وبقُوَّةِ الإيمانِ
بالعَدْلِ والإنصَافِ كانَ قضاؤُهُ ... حتى اسْتَوَى في حُبِّهِ الخَصْمَانِ
فعجبتُ للأَشْبَارِ كيفَ تَضمُّهُ؟ ... من كانَ نَهْرًا دائمَ الجريانِ
للهِ درُّكَ! كمْ تَركتَ مَفَاخِرًا ... "والذِّكْرُ للإنسانِ عُمْرٌ ثَاني"
فاسألْ "صَدَى الأيامِ" عن إبداعِهِ ... والحرفُ خلَّدَهُ "بحرفِ مَعَاني"(1 )
هذا اليراعُ؛ وقد تلحَّفَ بالأَسَى ... يبكيهِ في أَلَمٍ وفي خُسْرانِ
إني لأسمعُ نَوْحَ كُلِّ ثَنِيَّةٍ ... ولقد بكى القَاصِي بها، والدَّانِي
فـ (حبيشُ) تبكيهِ وتحمدُ ذِكْرَه ... وكذا "رداعُ" لعَدْلِهِ الإِنْسَاني
(صَنعاءُ) و(البيضاءُ) تشهدُ أنَّهُ ... ما لانَ في حَقٍّ، ولا بهتانِ
و(الروضةُ) انتحبتْ لفَقْدِ عَزِيزِها ... وتلفعتْ ثوبَ الحدادِ القَاني
و(الحَيْمَةُ)(2) الغَرَّاءُ مَأْوَاهُ التي ... قد عاشَ فيها أطيبَ الأزمانِ
شَهِدَتْ لَهُ بالفضلِ طُوْلَ حَيَاتِهِ ... بجهادِهِ في الخيرِ والإحسانِ
إنّي أُعَزِّي أرضَهَا وسَمَاءَها ... بشيوخِها بالشِّيْبِ والفِتْيَانِ
وعزاؤنا للشَّعبِ في أَصْقَاعِهِ ... بفقيدِهِ رَمْزِ التُّقَى الرَّبَّاني
عَبْدٌ إلى الرَّحمنِ يُنْسبُ رَحْمَةً ... فتَوَلَّهُ يا ربُّ بالرضوانِ
رَبَّاهُ فارحَمْهُ بواسِعِ رَحمَةٍ ... مشفوعةٍ بالصَّفْحِ والغُفْرَانِ
أَبدلهُ دارًا بالنَّعِيْمِ تَكَلَّلَتْ ... بالحُورِ، والأغصانِ، والوِلْدَانِ
أسكنه في غُرَفٍ جوار مُحَمَّدٍ ... خَيْرِ الوَرَى المُصْطفى العدنانِ
صَلَّى عَليهِ اللهُ في عليائِهِ ... والآلِ والأصحابِ طُولَ زَمَانِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- المؤدب: ودب: الوَدَبُ: سُوءُ الْحَالِ. (لسان العرب)
- الملاذ: ملذ: مَلَذَه يَمْلُذُه مَلْذاً: أَرضاه بِكَلَامٍ لَطِيفٍ وأَسمعه مَا يُسِرُّ وَلَا فِعْلَ لَهُ مَعَهُ؛ قَالَ أَبو إِسحق: الذَّالُ فِيهَا بَدَلٌ مِنَ الثَّاءِ. وَرَجُلٌ مَلَّاذٌ ومِلْوذ ومَلَذان ومَلَذانيٌّ: يَتَصَنَّعُ ك … (لسان العرب)
- بخلت: خلت: الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ حَلَتَ: اللَّيْثُ: الحِلْتِيتُ الأَنجَرُذُ؛ وأَنشد: عَلَيْكَ بقُنْأَةٍ، وبسَنْدَرُوسٍ، ... وحِلْتِيتٍ، وشيءٍ مِنْ كَنَعْدِ قَالَ الأَزهري: هَذَا الْبَيْتَ مَصْنُوعٌ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ وَا … (لسان العرب)
- تفقد: فقد: فَقَدَ الشيءَ يَفْقِدُه فَقْداً وفِقْداناً وفقُوداً، فَهُوَ مَفْقُودٌ وفَقِيدٌ: عَدِمَه؛ وأَفْقَدَه اللَّهُ إِياه. والفاقِدُ مِنَ النساءِ: الَّتِي يموتُ زَوْجُها أَو ولدُها أَو حَمِيمُهَا. أَبو عُبَيْدٍ: امرأَة فاقِ … (لسان العرب)
- تنشب: النَشَبُ: المال والعقار. ونَشِبَ الشئ في الشئ بالكسر نشوبا، أي علقَ فيه: وأنْشَبْتُهُ أنا فيه، أي أعلقته، فانتشب. وأنشب الصائِدُ: أعلَقَ. ويقال نَشِبَتِ الحربُ بينهم. وقد ناشَبَهُ الحربَ، أي نابذَه. والنُشَّابُ: السهامُ، … (الصحاح)
- حياتها: حيا: الحَيَاةُ: نَقِيضُ الْمَوْتِ، كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ لِيُعْلَمَ أَن الْوَاوَ بَعْدَ الْيَاءِ فِي حَدِّ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: عَلَى تَفْخِيمِ الأَلف، وَحَكَى ابْنُ جِنِّي عَنْ قُطْرُب: أَن أَهل الْيَمَنِ ي … (لسان العرب)
- دافع: دفع: الدَّفْع: الإِزالة بِقُوَّةٍ. دَفَعَه يَدْفَعُه دَفْعاً ودَفاعاً ودافَعَه ودَفَّعَه فانْدَفَع وتَدَفَّع وتَدافَع، وتدافَعُوا الشيءَ: دَفَعَه كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ، وتدافَع القومُ أَي دفَع بعضُهم بَعْ … (لسان العرب)