صراخ الحنين
الشاعر: نوري سراج الوائلي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة شوق
«صراخ الحنين» من شعر نوري سراج الوائلي، من العصر الحديث، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا من عليهم شغافُ القلبِ يلتئمُ — يا من إليهم جراحُ الروحِ تبتسمُ
يا صرخة العشقِ قد هزّت حناجرُها — عمقَ الزمانِ حنيناً ملؤه الألمُ
أشجو عليهم بكاءً زادني ولعاً — بالذكرياتِ وهم في لحنها الكلمُ
ما طابَ عُمري ولا طابت مباهجهُ — كأنّ منّي صُروف الدهرِ تنتقمُ
قد جفّف الصبرُ عيني من قساوته — رغماً ، ودمعي على الأجفانِ مُزدحمُ
ما طاوعَ الموتُ قلبي في استجارتِه — كانّه وسقام الروحِ مُختصمُ
قد فارقوني وهمْ للروحِ مؤنسها — وهم حُشاشةُ قلبي والدماءُ همُ
كيفَ التصبّرُ لا ينهارُ إذ رحلوا — وكيفَ لا بدني من هجرهم يكمُ
بالغمّ عينايَ بحرٌ والفؤاد دمٌ — والدهرُ ليلٌ طواني بالأسى برمُ
الحزنُ يضغطُ كالأفعى ويبلعني — والسّمُ يزعفُ والأحشاءُ تخترمُ
في ليلةِ الضّر ذكراهمْ تُسامرني — ومن شذاهم قروحُ النفسِ تلتئمُ
تهفو العيونُ لهم حتّى بغفوتها — وفِي لِقاهمْ همومُ الدهر تنصرمُ
القلب يشدو قريضاً كلما ذكروا — والنبضُ يعزف ألحاناً و ينسجمُ
هم عزوةُ النفسِ ، هم معيار صبْغتها — همْ فرحةُ العمر فيها السعدُ يُختتمُ
هم بلسمُ الروح مُذ كانوا بطينتها — فما علاها بهم رغم النوى السقمُ
الخيرُ طاف علينا عند مولدهم — في النفس تغبُطه من وسعه النّعمُ
عند الولادةِ نفسي كان مولدها — حتّى كأنّ حياتي قبلهم عدمُ
لهم ذراعايَ عند النومِ أجنحةٌ — مثل الطيور على أفراخهِا حومُ
كالطفلِ أغفو إذا ناموا على بدني — وأنشق الليلَ من أنفاسهم نسمُ
فوق البساطِ بقايا من ملابسهم — وفِي القُمامةِ من أوراقهم حُزمُ
تقاسم الزادُ والحاسوبُ مكتبهم — وفوقه الحبرُ والقرطاسُ والقلمُ
أشياؤهم عبثاً في لهوهم نُشرت — هي البراءةُ في الأطفال ترتسمُ
كم من ثمارٍ بدون الأذنِ قد قضموا — وكم حلاءٍ بجهلِ الأمِ قد لهموا
كم كسّروا من زُجاجاتٍ ومن لُعبٍ — ومن سطوحٍ من الحيطانِ قد خرموا
تشاكسوا في مزاجاتٍ بلا سببٍ — ولا لقصدٍ تناءوا حينما قطموا
بكلّ بابٍ خدوشٌ من أناملهمْ — وعند كل أثاثٍ منهمُ ثُــلمُ
عاشوا الطفولةَ أحلاماً تساورهم — وكلُّ حلمٍ على الجدرانِ مُرتَسمُ
شوقاً ينادون إن ناموا وإن نهضوا — بابا ؛ وجوعاً إذا ما الأكلُ يُقتسمُ
طالوا الحلاوةَ والعينان تتبعهم — مخافة الّلومِ هم داع ومُتّهمُ
عاشوا وداداً وعاشوا مرّةً زعلاً — في الليل ناموا وما في السرّ مُهْتضمُ
نادوا أباهم إذا للودّ قد جُمعوا — نادوا أباهم إذا في الملعبِ اخْتصمُوا
كُنتُ الرحيمَ إذا جاءوا لمشكلةٍ — كنتُ الشديدَ إذا ما بعضهم ظلموا
حولي الضجيجُ كأنّ الدارَ منحلةٌ — أغفو وأصحو وما ينتابني سأمُ
مثل الدُمى تحت سيل الماءِ أحملهم — وفِي البلوغِ تناءوا حينما احتلموا
بابا تدوّي فلم أطرب لنغمتها — فالشغلُ عنهم طواني والنوى حممُ
للواجباتِ فطولِ الليلِ قد شُغلوا — حولي تنادوا إذا للحلِّ ما فهموا
حولي أراهم إذا من بعضهم هربوا — وحين للعطف قد راموا كمن حُرموا
هبّوا إذا ما أتيت الدارَ من عملي — هذا يقبّلُ ذَا بالحُضن يلتحمُ
لهوٌ ولعبٌ وتلفازٌ ومدرسةٌ — هي الطفولة لا همٌ ولا وجمُ
مرّت ليالٍ عجاف حين أذكرها — ما كان في الدار لا خبزٌ ولا دسمُ
من ثغري الزاد منزوعٌ لثغرهمُ — للآن حتّى وهم فوق العُلا قممُ
كم أوجع القلبَ مرّاتٍ أنينهُمُ — وكم كواني الأسى إن صابهم ألمُ
بين الأطباءِ أسعى حينما زُكموا — وأطلبُ الحرزَ من شيخٍ إذا سُقمِوا
فكم حفلنا معاً أعياد مولدهم — وكم شموعاً أضأنا حينما قدموا
حولي البناتُ كأزهارٍ معطرةٍ — ملءُ الحنانِ لهنّ الروح تحتشمُ
حولي البنون أرى فيهم عُلا قيمي — همُ الفؤاُد وهم من حوله الحشمُ
قبلتُ بالذلّ مرّاتٍ لأجلِهُمُ — فالعزُ فيهم وأوصالي لهم خدمُ
دارَ الزمانُ سريعاً شبّ أصغرهم — طالوا شباباً وهم كالنخل قد وَسَموا
عاشوا البلوغَ بآمالٍ مُقلّبةٍ — والصَحْبُ تحكمهم والأهلُ والقيمُ
هذا لزوجٍ وَذَا للعلمِ يهجُرني — وذاك للشُغل مغلولٌ ومُلتزمُ
ساروا تباعاً وقلبي سارَ يتبعهم — والفكرُ والشعرُ والتلحينُ والنغمُ
ربّيتُهم زغباً أرجو مودّتهم — حتّى إذا كبروا طارتْ بهم هممُ
عند الوداعِ عيوني عينَ مُبتهجٍ — لمّا تناءوا عليها الدمعُ مُحتدمُ
أدور بالدار لا خلٌّ يُسامرني — ولا وليدٌ بيوم العُسر مُبتسمُ
أدور بالحيّ هيماناً لوحشتهم — والكرْبُ في القلب جاثٍ والدموعُ فمُ
يا منْ سألت فحالي بعد فرقتهم — كمن عليه الجبالُ الصمّ تنهدمُ
هي الأبوّة مُلءٌ الكون رحمتها — ومن عطاها يغارُ الجودُ والكرمُ
كم كانت الدارُ تشدو من صياحِهُمُ — واليوم أحيا كمن قد نابهُ الصممُ
كانوا هنا يملؤون البيت فرْحته — واليوم قد شُغلوا عنّي بما حلموا
بعد المشيب أجفّ العرقَ بُعدُهمُ — فهم إلى القلب ماءٌ في اللظى شَبِمُ
ليلاً أنادي تعالوا حان نومكمُ — لا الطفلُ يأتي ولا الأوهامُ تنحسمُ
الدارُ كانت حياةً من طفولتهم — واليوم باتت كأنْ لم تخطها قدمُ
بالقلبِ شوقاً تراءوا رغم بعدِهمُ — كما تراءتْ ضياءً في الدّجى النُجمُ
الذكرياتُ برغم الهجر تُسعدني — فيها المشاعرُ والتصويرُ والحلمُ
بقوا صغارا بعيني حينما كبروا — أمري عليهم ونُصحي حيثما صرموا
ياليت حُضني ليوم ٍضمّ جمعُهمُ — فيرجع النبضُ حيّاً فالحياةُ همُ
لهوا قد انْشغلوا كلٌّ لغايتهِ — عنّي ولمْ أنشغلْ يوماً فهل علموا ؟
رغمَ الشجونِ فقلبي بعضه جَذِلٌ — فكلّ فخرٍ لأولادي به هرمُ
للسّوءِ والإثمِ ما ناخوا ولا قصدوا — فهم شبابٌ بحبل الله مُعتصمُ
إذا الأمومةُ للأجيالِ مدرسةٌ — دور الأبوّة في بنيانها العلمُ
مرّت سريعاً سنونُ العمر خاتمُها — العجزُ والضرُ والنسيانُ والهرمُ
فلا شفاني برغم الطبّ مقتدرٌ — ولا طواني الردى كي يبرأَ السقمُ
عودوا إليّ لعلّ الوصلَ يرحمني — ويجمعُ الأهلَ من بعد النوى الرحِمُ
هيهات هيهات لا يُرجى لعودتهم — فالعذرُ عندهمُ فوق الرجا حَكمُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التصبر: تَصَبَّرَ يَتَصَبَّرُ تَصَبُّرًا : - الشخصُ: حَمَل نفسه على الصبر أَو تكلَّف الصبر، أَي الاحتمال؛ تَصَبَّرْ صبراً جميلاً.
- جفف: جَفَفَ: جَفَّ الشيءِ يَجِفُّ ويَجَفُّ، بِالْفَتْحِ، جُفوفاً وجَفافاً: يَبِسَ، وتَجَفْجَفَ: جَفَّ وَفِيهِ بعضُ النَّداوةِ، وجَفَّفْتُه أَنا تَجْفِيفاً؛ وأَنشد أَبو الْوَفَاءِ الأَعرابي: لمَلَّ بُكَيْرَةً لَقِحَتْ عِراضاً، …
- حنينا: حَنَى يَحْنِي اِحْنِ حَنْياً وحِنَايَةً [حني]:- العُودَ: عوَّجَهُ؛ حَنى ظهرَه.- العودَ وما شابهه: قشره ولحَاه.- يدَ الرَّجلِ: لواها؛ من حَنَى يدَ غيره فقد أذلَّه.- القوسَ: صنعها.- القوسَ: شدّ وتَرها وثناها/ حنى البناءَ أ …