أبجدية الحزن الخالد
الشاعر: إبراهيم يحيى الديلمي · البحر: البسيط
«أبجدية الحزن الخالد» من شعر إبراهيم يحيى الديلمي، وتقع في 81 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الإهداء إلى روح والدي الطيب — (ي)
يحيى.. — أطل الموتُ من ألم المدى المذعورِ
لا ينوي على أحدٍ — سواك اليوم
فاصعد راحلاً — واسكب على أحداقنا البيضاءِ
سهدك. — اليوم ترقد في سلامٍٍ
يا أبي فاضحك — ودع هوس البكاء لنا
ودعني حينما أبكيكَ — أسألك امتناناً
من أكون بغير ضوئكَ؟ — من أكون بغير ظلكَ يا أبي؟
إن المسافة طولها ليلٌ — كسيرٌ طعمهُ مرٌ
وعرض أنينها — خمسون ألف فجيعةٍ
لن تنتهي — ما دمتَ قد عطرتَ
صدر الموت مبتسماً — وبين يديه قد ألقيتَ
وردك. — تلك الفجيعة صعقةٌ
شبت مفاجأةً لتشعلَ — عمر هذا البيت بالبلوى
وبالدمع الذي — قصت لنا الأقدار قصتهُ
فكان ختامها المعلوم أنتَ — وبدئها المجهول داخلها أنا
فاسمع نشيج المستهلِ — إذا استفاقت فيك روح الشوقِ
متعبة وقل يا ربُ — حمدك.
أبتاه إني قد فنيتُ — صبيحة الإثنينِ
واستلقيت فوق النعش مثلكَ — لم أعد قمراً ولا مطراً
ولا وتراً ولا زمن انحناء النجم للراوي — لأن الحزن أحرقني وأطفأني
فما أصبحت إﻻ مثلما أمسيتُ — ذاتاً ميتاً فاكتب إلى الموتى وللأحياءِ
مفجوعاً بأن بنيكَ — قد سقطت كواكبهمْ
وأن فتاك إبراهيم — من فوق الثرى قد ماتَ
بعدكْ. — (ح)
حيٌ أنا.. — لكنني بطبيعة الموتى أعيشُ
مغلفاً بالقهر والآهِ الصموتِ — لأنه ما زال يتبعني خيالكَ
أينما وليتُ — فاكتب أنني كـ بنيكَ
ما صدقتُ.. — ما صدقتُ..
ما صدقتُ.. — موتكَ ما شبعتُ من النحيبِ
عليك مذهولاً — فكل الحزن لا يكفيكَ
كل الدمع لا يكفيك يا أبتي — فيا ليت الردى استثناك صانعهُ
ولم يأخذكَ — يا ليت الفجيعة لم تكنْ...!
أو ليت من أرداك بعد الفجرِ — ردكْ.
أواهُ ما فعل التمني — بالذي أنجبتهُ يوماً
كما ربيته فامتد ثم أشتدَ — حتى جاء بالآلام والعبراتِ
مختنقاً يقول: — أبتاه يسعدني البكاء عليكَ
يسعدني ارتشافكَ من فم الذكرى — لأني ظامئٌ ﻻ أعرف النسيانَ
صدقني وحتى لو نسيتك لحظةً — سأراك في النسيانِ
حياً لم يطل في الموتِ — عن مضناكَ
بُعدكْ. — أبتاه يسعدني سماعكَ كل يومٍ
كلما ناديت ابراهيمُ.. — يا اللـهُ
يا اللـه — صوت أبي يعلقني على الجدرانِ
تذكاراً لأوﻻدي الصغارِ — أراه فوق الرفِ
صوت أبي يعنقدني على — شجر الجوى
عنباً ليأكله حسيسُ الشعرِ — صوت أبي يرتلني بياناً
للعصافير التي — عزفتهُ في ديوانه العدني والغربي
وأنا جالسٌ في ركنه وحدي — ألوك القات في جزعٍ
ووجه أبي هناك في أقصاه يرقبني — وأنت اللـه يا اللـهُ
في ملكوتك الممتدِ — وحدكْ.
(ي) — يحيى الأسى وأبي يموتُ
أذاك حكم الموت يا أبتي أجبني؟ — بل قضاء اللـه يا ولدي
فلا تحزن فيوم غدٍ تكون معي — إذا غادرت يوم الوعدِ مهدكْ.
سأقول يحيى الشوق يا أبتي — فأخبرني متى ألقاكَ؟
أخبر زمهرير الشجوِ — أين أنا؟
وأين والدتي وأخواني — وضوء البيت؟
شمس البيت؟ — نجم البيت؟
ريح البيت؟ — غيم البيت؟
ماء البيت؟ — نار البيت؟
درع البيت؟ — عشب البيت؟
عطر البيت؟ — أين السلو والنسيانُ؟
أين الأوكسجينُ؟ — وأنت أين ذهبتَ؟
أخبرني لماذا تختفي الأشياء؟ — اذ لا شيء فوق الأرضِ
إﻻ القبر والأحزانُ — فاكتب أنها في القبرِ
عندكْ. — (ا)
أكتب إذا الملكان وقفا — عند باب القبرِ
أنك جنة الأطفالِ — ثم أجبهما بلسانك العربي لو أخذا
يتساءلان من المسجى؟ — قل أنا يحيى بن عبداللـهِ
ربي ربكم والمصطفى طه — رسول اللـهِ
قل لهما: — أنا الريحانُ
تحت الأرضِ — والإنسانُ
كنت أعيش فوق الأرضِ — ما أغضبت طفلاً أو حبيباً أو عدواً
ما تركت الإثم والأطماع تسرقني — عبدت اللـه في سري وفي جهري
تلوت الذكرَ — طفت البيتَ
أديت الصلاةَ — وكان قلبي زنجبيل الحبِ
لم يحقدْ — ولم يكرهْ
ولم يلد الضغينة َ — قل أنا الصلوات تعرفني
ورائحة الآذان تحبني — وأبي وأمي يشهدان بأنني
مذ كنت حتى مِـتُ — لم أرهقهما ظلماً وعصياناً
وغادر بعد ذلك يا أبي — إن شئت مرحوماً
إلى الفردوس — لحدكْ.
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- سهدك: سهد: اللَّيْثُ: السُّهْدُ والسُّهادُ نَقيضُ الرُّقاد؛ قَالَ الأَعشى: أَرِقتُ وَمَا هَذَا السُّهادُ المُؤَرِّقُ الْجَوْهَرِيُّ: السُّهادُ الأَرَقُ. والسُّهُدُ، بِضَمِّ السِّينِ وَالْهَاءِ: الْقَلِيلُ مِنَ النَّوْمِ. وسَهِ …
- ضوئك: (ضَوِيَ) الضَّادُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى هُزَالٍ. يُقَالُ: غُلَامٌ ضَاوِيٌّ: مَهْزُولٌ ؛ وَزْنُهُ فَاعُولٌ. وَجَارِيَةٌ ضَاوِيَّةٌ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: إِذَا تَقَارَبَ نَسَبُ الْأَبَو …
- فاصعد: أصْعَدَ يُصْعِدُ إِصْعَاداً . ارتقى وصعد إذْ تُصْعِدُونَ وَلا تلْوُونَ علَى أَحَدٍ .- ـه: جعله يصعد، أصعدت الصغيرَ درجات السلَم.- في العَدْو؛ اشتدّ فيه.- تِ السفينة: أطلقت شراعَها فذهبت بها الريح.