أبو الطيب المتنبِّي
الشاعر: أ.د/ مصطفى الشليح · البحر: المجتث
«أبو الطيب المتنبِّي» من شعر أ.د/ مصطفى الشليح، وتقع في 123 بيتًا. نُظمت على بحر المجتث.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أبو — الطيب
المتنبِّي — مالتْ عليّ كأنها تـتـنهد
لغـة، ولا لغة إذا تتـنهد — تتعابث الكلماتُ في كلماتـها
خفـرًا لتعبثَ بي إذا تتأود — تأتي على قدر كما رقراقـها
يأتي إلى خبر هـنا يتعدد — والمبهماتُ حكـاية مائيـة
تأويـلها في سـرِّها يتمدد — فكأنها، والنخلتـان كنايـة،
تمحو المعاني حينما تتفرد — وكأنها، وعسيبُهـا لا ينجلي
إلا مدى، وعسيبُهـا يتمرد — وكأنني بستـانُ قافـيةٍ إذا
مالتْ عليّ بدوحها أتـوحّد — لأكونَ جرحًا للقصيدة جامحًا
أو لا أكون أنـا ولا أتحدد — فأنـا الذي قرأته كلّ قصيدةٍ
طيّ المتاهةِ واقفـًا يتصعد — يا صاحبيّ قفا على طلل هنا
كان الغرابة بالسدى تتعمد — كانَ الليالي و العراجينَ التي
كتبتْ طواسينَ الأنا تتردد — والرمل ذراتٌ إلى ذراتِـها
تسري وهذا الليلُ لا يتمرد — فكأنّ ليـلي مستبـد لا يني
وكأنني، في ليلـه، أتـبدد — فقفا قليلا، صاحبيّ، لنبتـني
بعضَ الكلام هنا فلا نتشرد — وقفا لنسألَ عن حقيبتنا هنـا
وعن الحبيبة، والذي يتمدد — وقفا لنبذلَ للمسافـات التي
تركتْ مسافتها، لنا، تتعدد — ما كانَ منا عنفوانَ قصيـدةٍ
وكأنـه ما كانَ إذ يتفــــرد — وكأنني ما كان لي عنـوانه
وأنا الذي عنـوانه أترصد — بالذاهبات إلى الطلا أقداحها
الذاهباتِ عن المدى تتجدد — الشارباتِ حدوسَها بكؤوسها
الواهباتِ شموسَها تتوقـد — الناهباتِ طروسَها بشَموسها
عنْ أطلس المعنى إذا يتبدد — الساحباتِ على الكلام ذيولها
من كلّ ذي أثـر لها يتعهــد — الكاتباتِ على الأقاصي سيرة
عنْ خفقة الورد الذي يتأود — السالباتِ من الشذا كلماتـه
ليكونَ روحا بالشـذا يتنهـد — الذاهبـاتِ إليَّ بين قصائدي
لتكـونَ قافـــية فلا تتحــدد — لنكونَ ما شئنا ونسكنَ ذاتـنا
طللا إذا الأطلالُ لا تتجرد — لنكونَ حتى لا نكونَ سرابنا
والبيد واحتنـا التي تتحرد — حتى نكـون كتابــــنـا رائيـة
ورقاتـه مرئيـة تتـــمـرد — تلهو بنا، يا صاحبيّ, وما لنا
يا صاحبيّ حكايـة تتعدد — نحنُ الحكاية نحتمي ببيـانها
وبيـانها مختـومُه يتــنهـد — ومدامـه مسفوحة، ودنانـه
مطروحة، وكلامه يتعبـد — ومرامـه متجدد، ومقامـه
متهجد، وسلامـه يتصعد — فمن الذي ترك المساءَ بريدَه
يا شهـرزاد كأنه يتشهد ؟ — ومن الذي مالتْ عليه حديقة
المعنى ومالَ بها إذا يتمدد؟ — مالتْ عليّ كأنها لغـة رأتْ
ما لا يرى وحروفها تتأود — ورنتْ إليّ وما رنتْ فكأنما
من علييـن رنوّها يتسرمد — ورمتْ، فكلّ هائم متوسِّـم
حلمـًا وكلّ للرؤى يتصعد — كلّ سبوح، والحكايـة لثغة
عنْ واصل يلغو ولا يتعمد — مالتْ عليَّ حكاية لتقول لي :
يا أيهـذا ما الحكاية مربــد — فالقافــياتُ لوامـح و لوائـح
وخباؤها بين الجذى يتجدد — والغافياتُ مراوح وقـوادح
فأفقْ لتقـرأ ما أتى يتحدد — وأرقْ على أوراقها رقراقها
لتكونَ أنتَ بـراقها يتجرد — إني قرأتكَ، والقصيدة شاعرٌ
متواجـد، و بذاته يتوحـــد — وأكاد أسأله وإنْ سالَ النوى
تـــنهـادَ رابـــيـةٍ به تتشهـد — لأمُـرّ، بين البراري، كلمة
تعـــطو إلى متـنبئ يتسهـد — ليرى إذا ما نام ملء جفونه
عن كلّ شاردةٍ، فلا يتقصد — وسـواه واردة تضمُّ إزارها
دونَ الوفــادة، ثم لا تتعهـد — وسواه ينتقب السوادَ قصيدة
والقـولُ طالَ سواده يتمدد — ما أنتَ إلاكَ التفاتة شاعـر
والنبل يمرح، والقنا يتسدد — فاسأل وقوفكَ سيدا متـفردا
بين القـوافي سيدا يتـفــــرد — عني وعنكَ إذا أتيتَ كلامنا
ورأيتَ ثـمّ حمامنا يتجلـــد — واسألكَ أندلسًا، فما حلبٌ هنا
وهناكَ أسئلة ودونك فدفـد — وأسنة عبث الزمانُ بنورها
فظباتـها عميـاء لا تتوقد — وشبـاتها مفلـــولـة مفلـوجـة
وقـنـاتها مبـذولة تتـأود — فاسألْ قصيدتكَ التي ما كنتها
إلا رويـًا راويـًا يترصد — والسيفُ ملحمة على ألواحِها
تأتي حكايـاتٍ إذا تتـعدد — عربيـة تعطو إلى أرواحها
أرواحُـها والمنتهى يتنهد — والرملُ يجنح باذخا من عزةٍ
والنخلُ يسرح شامخا يتمدد — والخيلُ تجمح لا تني مزهوة
بالفارس العربيِّ لا يتردد — والدالياتُ سوابـحٌ لا تنثني
والدانيـاتُ قطوفها تتعهــد — والرائياتُ الرانياتُ إلى مدى
ما كاد يُلمح منك أو يتجرد — حتى أبحتَ له جنونَ قصيدةٍ
وقدحتَ منه زنادها يتوقـد — وجرحته بالشاعريّ متاهـة
وطرحتَ عنه متاهة تتلبد — بارحْـته لتـلوحَ دالــــــيـة به
مكلـومة ملمــومـة تتوحــد — يا جرحَها اللغويّ ما أقداحها
يثبُ الحبابُ بها إذا يتمرد؟ — ما ألواحها مدحـوة مطوية
وكأنهـا في حضرةٍ تتعبد؟ — ياجرحيَ الشعريّ ما أدواحها
مالَ الحمامُ عليّ لا يتجسد — وكأنه لغـة ولا لغـة هــنـا
مالتْ عليّ فلا أنـا أ تحــدد — وأنا القصيدة والكلام هويتي
وحكايتي الأولى وما يتعدد — وأنا المعلقة البعيـدة مقصدا
أستـارها أسوارَها تتصعد — وأنا الكنايـة والكتابة قرطها
والليلُ جيد بالصَّدى يتوحد ؟ — تتباعد الأشيـاء عن أشيائها
في سكرة الكلماتِ إذ تتردد — لتمجد الأسمـاء منْ أسمائها
وترى بلاغتها مدى يتمجد — وترى صهيلا ذاهلا متقـلدا
من ذاتِـــه ما ذاتـــه تتقــلــد — وترى صليلا سائلا متوسدا
عتماتِه جبلا سرى يتوسد — وعلى الأقاصي نعله مطوية
وجلا، وخرقته رؤى تتبدد — فكـأنه ما كـان إلا سَـورة
وكأنكَ المطويّ حينَ تجسَّد — وكأنني ألـوي بكلِّ تنـوفةٍ
مني إليكَ ولا صوى تتحدد — وكأنك الآتـي على آيـاته
في منتـــــهى آياتـه يتجـدد — وكأننـا مبسـوطة أقدارُنـا
لغـة إذا أقــــــدارُنا تتجــرد — وكأنمـا منسوخة أقمارُنـا
لتطلّ منك عليّ إذ تتوقــد — وكأنّ معجزَ أحمدٍ في جبتي
جذلا يقولَ ولا مقالَ وأحمد — لا خيلَ عندكَ فاستبقكَ مسافة
لتكونَ خلا، وانثنى يتصعد — حيثُ الفرائد موجة منسوجة
من حكينا زبـدا به يتلـبـــد — حيث المرايا من مرايانا التي
قرأتْ على الدنيا إذا تتعدد — ما كانَ من كلماتنـا مبهورة
أنفاسُهـا من حيثما تترصد — وكأنما التاريخ أفرد جانحـًا
لقصيدة أخرى بها يتفـرد — وكأنما حلب تخبّ مسيـرَها
ديوانَ شعر، والقوافي تنشد — وسـلا تضم نظيمها ونثيرها
وتهـمّ بالمعنى، فلا يتسهــد — وأبو المعالي أحمد رقراقـها
عبَر المـــرايا، دفقة، تتخلـد — وانزاح مشتاقا إلى عتباتـها
يترصد الرؤيا إذا يترصد — ما لاح منها عسجدا قسماته
نسماته فاحتْ فلاحَ العسجد — وسماته باحتْ بكل مليحـةٍ
حوراءَ تحلم بالندى يتـأود — وبأحمدِ الكلماتِ ساح بحلمها
ما راحَ منه سؤاله يتعهـد — بالقافيـاتِ النادفاتِ وشاحَها
من جرحه بقصيدةٍ تتفـرد — الغافيـاتِ على نديّ قداحها
محـوًا رأى لمحاته تتعدد — فهنا الحكاياتُ التي لا تنتهي
وهناك، منها، هدهد يتفقـد — فهنا هناك .. وخيمة عربية
مخذولـة أوتــادها تتشـرد — مبذولـة آبرادها ومـدادها
مسدولـة آمـادها تتقــــيـد — فاقرأ كتابك قبلما يثبُ الغضا
جمرا بثوبكَ صاعدا يتجدد — واكتبْ لأ قرأني على أردانه
فأنا الذي لا برّ لي يتهدهـد — وأنا الذي ما أسرجتْ لغة له
قـنديلها ليكـونها تتســــود — ورقاتهـا رقراقـة ورقاتهـا
وأنا الذي لا بحْر لي يتمدد — يا خيمـة عربيـة مطويـة
.. الآهاتِ في آهاتها تتبدد — حتى إذا ناحتْ على أيامـها
بكلامها، وكلامُها يتـردد — وحسامُها شابَ الزمانُ بحَده
فــــحِـداده أيـامـــه تتـمــــدد — مالتْ بغربتها على أطلالـها
وكأنهـا أطلالـها تتجســــد — من كلّ رسم دارس مسبيـةٍ
آسمـاؤه ما وسمه يتبـلــــد — يعرى لتلبسَه الغرابة واقفـًا
بين الأثافي خرقة تتوقـــد — وترى الشبيه سؤالها متواقفا
عند الطوافِ شبيهَه يتفقـــد — فكأنما أرجوحـة مجروحة
طيّ الفيافي ما نماها مشهد — تتطاوح الأسماء في أسمائها
عند الهتاف، وما بها يتحدد — ما يرتدي عريا رآكَ شبيهَه
.. اللغويّ إما ذاتـــه تتعـدد — يا كِلمـة عــــربيـة منسيـة
مالـتْ عليّ كأنها تتجســد — قالتْ وما قالتْ. ألا تأويلـها
يمحو بلاغتها، فلا تتـأود — سالَ البيانُ مقـامة مختومة
ببيانهـا، وسحابُها يتجمـــد — يا خيمـة عربيـة منفـــــيـة
عن ذاتِ أعمدةٍ رآها هدهد — وأنا الذي بلقيسُ ما قالتْ له
إلا انتباهَ الساق حينَ تجرَّد — فتركتُ للماء الحييِّ قصيدتي
يلهو المساء بها إذا يتسرمد — مالَ المساءُ بنا على نايـاته
لغـة كمــــا ناياتـه تتـــنهـد — فكأنها تزهو بديـوانِ الفتى
وكأنه بين القـــوافي أحــمـد
البحر والقافية
القصيدة على بحر المجتث. بحر قصير قليل الاستعمال، سُمّي مجتثًّا لاجتثاث أجزائه (اقتطاعها).
تفعيلاته: مستفعِ لن فاعلاتن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بستان: البُسْتَانُ : أرض فيها شجر.-: الحديقة؛ تطيب النزهة في البساتين أيام الربيع ج بَسَاتينُ (معـ).
- رقراقها: الرَّقْرَاقُ : المترقرق، أي المتحرّك المضطرب؛ دَمْعٌ رقراقٌ/ سحاب رقراق. -: ما يتلألأُ؛ شربَ العطشانُ من ماءٍ رقراق/ فتاةٌ رَقْرَاقَةُ البشرة، أي برَّاقةُ البياض/ فتاةٌ رقراقةٌ، كأنَّ الماء يجري في وجهها.