دجلة في الخريف
الشاعر: محمد مهدي الجواهري · البحر: المنسرح
«دجلة في الخريف» من شعر محمد مهدي الجواهري، من العصر الحديث، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر المنسرح، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بكَرَ " الخريفُ " فراح يُوعِدهُ ... أنْ سوفَ يُزْبِدُهُ ويُرْعِدُهُ
وبَدَتْ من الأرماث ، عائمةً ... فيه ، طلائعُ ما يُجَنِّدُه
وكأنَّ ، من زَبَدِ الرِّمال على ... أمواجه ، طِفْلاً يُهَدْهِده
واستَثْقَلَ النوتيُّ مِجْذَفَه ... بَرِماً بمِقبَضه يُجَدِّده
وتحفَّزَتْ شُمُّ الجبال لهُ ... بثُلوجها كِسفَاً تُهدِّده
ظلَّتْ تَعُدُّ خُطاه تَرقُبُه ... في الصيفِ مُزدهراً وتحسُده
جَرداءُ ، وهو يَضِجُّ مَلْعَبُهُ ... ظَلْماءُ ، وهو يُشَبُّ مَوقِده!
خرَساءُ ، والأنعامُ تُرقصهُ ... وكأنَّها بالموج تَرفِده
تَتَعَثَّرُ الأجيالُ خالدةً ... فيها ويَحضُنُها مُخَلَّده
" داودُ " بالمزمارِ يُوقِظه ... ويُنيمُهُ بالعُود " مَعبده "
والهِيمُ تخزُنُهُ وتنهبُهُ ... والغِيدُ تُنزِلهُ وتصُعِده
ألْقَتْ إليه مِن مفاتِنِها ... ما ليسَ إلاَّ اللهُ يَشهَده
ورمَتْ له يقظانَ مِن مُتَعٍ ... ما نحنُ في الأحلامِ نَنشُده
والنجمُ حارسُها وحارسُه ... والظلُّ موعدُها وموعده
الآنَ أُدْرِكُ سِرَّ زَفْرتهِ ... إذ لم يَعُدْ سِرّاً تَجَلّده
فَلفَقدِه نَفَساً تَنَفُّسُهُ ... ولذِكره نَهداً تَنَهَّده
يتَعقَّبُ المسكينُ موجَتَها ... عَبَثاً بمَوْجتهِ وتطْرُده
لم يَدْرِ حتى الآنَ شِيمتَها ... حسِبَ الهوى نَغَماً يُردِّده
أمسِ استطابتْ فيه مَقصِدَها ... واليومَ أهونُ منه مَقصِده
لو يستطيعُ لَرَدَّ خُضرتَهُ ... وبرغْمِ سَفْحَيْهِ تورَّده
وبرغْمهِ أنْ حبَّ خابِطُهُ ... للزارعينَ وذُمَّ مَورده
ماسرَّهُ " والبِيضُ " تُنْكِرهُ ... أنَّ المراعي الخُضْرَ تَحْمَده!
فالذكْرَياتُ الغُرُّ يَشهدُها ... رقراقُهُ الصافي وتَشْهَده
مُتطامِنٌ لم تُخْشَ صَولتُه ... لكبْ تَضيقُ بصائِلٍ يَده
فمِنَ الشَّمال يدٌ وتُنْهِضُهُ ... ومِنَ الجَنوب يدٌ وتُقْعِده
كالنَّاسِ للحُفُراتِ مَرجِعُه ... ومِنَ النِّطافِ النُزْرِ مولِده
وخُضوعُهُ كخُضوعهمْ أبداً ... للغيبِ أنَّى سارَ يقصده
والفَصلُُ ، دونَ الفَصلِ ، يُنْعشُهُ ... والأرضُ ، دون الأرض ، تُسعِده
لَغِبٌ فلا الإِمساءُ يُوسِعُهُ ... عَطْفاً ، ولا الإِصباحُ يُنجِده
النجمُ أعمى لا يرافِقُهُ ... والطيرُ أخرَسُ لا يُغرِّده
مُتحَيِّرٌ لا يستَحِمُّ بهِ ... فَلَكٌ ولا الأضواءُ تُرشِده
وكأنَّ مُحتَشَدَ الضَّبابِ بهِ ... بابٌ بوجهِ الشُهْبِ يُوصِده
والشَّمسُ فاترةٌ تُذَكِّرهُ ... وضَحَ السَّنا أيَّامَ تُوقِده
أيَّامَ تنفُخُ في قَرارتهِ ... من رُوحها نَفَساً تُجَدِّده
والبدرُ حتى البدرُ يُوحشه ... في يومِ محنتهِ ويُفرده
هذا الذي ما كانَ مِثلَهما ... للصيفِ من مَثَلٍ يُخَلِّده
كانا يَرُبَّانِ الغرامَ معاً ... ذا يَصْطَفيهِ ، وذا يُهَدْهِده
لم يبقَ من هَرَجِ الربيع بهِ ... الا الذي قد فات أجوده
ومن العريشِ على شواطئه ... إلاّ خُشَيْبات تحدِّده
ركبٌ تحمل عنه ناشطهُ ... واقام عاجزُه ومُقْعَده
والسامرُونَ انفضَّ عُرْسُهُمُ ... لا جِدُّهُ أغنى ، ولا دَده
حجَلَ الغُرابُ على مواقِدهمْ ... وعلى الرَّمادِ بها يُلَبِّده
ومنَ الحَمامِ أظَلَّهُ زَجِلٌ ... كَلِفٌ بلحنِ الصَّيفِ يُنْشِده
ضَنْكُ المسَفَّةِ يَدَّني عَطَشاً ... وتَموُّجُ الآذيِّ يُبعِده
مُتَسائلاً بشمَ حالَ رَيِّقُهُ ... عن حُرِّ لونٍ كان يَعهَده!؟
وعلى الضِّفافِ، البطُّ مُنكمِشٌ ... لاهٍ بذاوي النبتِ يَعضِده
شَعْثُ النَّسيل ، كأنَّ عابثةً ... مَجنونةً راحتْ تُبدِّده
ما الصَّيفُ سبَّطَ من جَدائلِه ... جاءَ الخريفُ له يُجَعِّده!
بادي الخُمولِ يؤودُه عُنُقٌ ... في أمس ، من زهْوٍ ، يُمدِّده!
وكأنَّه ، إذ خِيفَ مَسبَحُه ... مُتَرِّهبُ قد سُدَّ مَعْبَده!
أتُرى يعودُ غداً لِمَلْعَبهِ ... لأمْ لا يعودُ كأمسه غده؟!
وتهضَّمَ النُوتيُّ زورقَه ... بالقار، بعد الغِيد، يَحشُده
يقتاتُ من كِسَرٍ يُثَبِّتثها ... في اللوح ، أو حَبلٍ يُمَسِّده
لم أدْرِ لو لم تُنبِني سُرُجٌ ... في شاطئيه ِ ، أينَ مَرقده
ومَضَتْ فقلتُ : النّومُ أعوزَه ... وجُفونُه ، رُمْداً ، تُسَهِّده!
وخَبَتْ فقلتُ : غفا ، وإنَّ صَدىً ... في السَّمْعِ من زَفْرٍ يُصَعِّده!
وكأنَّ تابوتاً يُعِدُّ لهُ ... مَلاَّحُه فيما يُنَضِّده
وحسِبتُ مِزماراً يُشَيَّعُه ... للقبرِ ، مسماراً يُشَدَّده
وتجاوُبَ الأجْراءِ قافيةً ... سمحاءَ باكيةً تُمَجّده!
يا صامتاً عِيّاً ، ومَنْطِقُهُ ... مُتَفَجِّرُ اليَنْبُوع سَرْمَده
تَهفو فرائدُ عِقدهِ جَزَعاً ... مما بها ، وتهيمُ شُرَّده
وتُثيرُ فيه الذكرياتُ شجاً ... يَعيا به فيَخُورُ أيِّده
ومُوَكَّلاً بالدَّهر ، يَزرعُهُ ... في شاطئيه ثمَّ يحصُده
يا شَطُّ ، أنتَ أعزُّ مُنقَلباً ... في الناطقينَ بما تُخَلِّده
وكذا الطبيعةُ في عناصرها ... جِنٌّ حَبيسُ الرُّوحِ مجهَده!
نَرتادُ جامدَها نُفَجِّرُه ... وعقيمَ غامضِها نُوَلَّده
فلعلَّ ذا ، ولعَّلها لُغةٌ ... من غيرِ ما جرْسٍ نعوَّده
ولربَّما ضَحِكتْ بسائطُها ... هُزْءاً بنا ممَّا نُعَقِّده
البحر والقافية
القصيدة على بحر المنسرح. بحر قليل الاستعمال، سُمّي منسرحًا لانسراحه أي سهولته على اللسان.
تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- النوتي: نوت: ناتَ الرجلُ نَوْتاً: تَمايلَ، وَهُوَ أَيضاً فِي نيت. والنُّوتِيُّ: المَلَّاحُ. الْجَوْهَرِيُّ: النَّواتِيُّ الملَّاحُونَ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ أَهل الشَّامِ، واحدُهم نُوتيٌّ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، كَرّ … (لسان العرب)
- بالموج: موج: المَوْجُ: مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْمَاءِ فَوْقَ الْمَاءِ، وَالْفِعْلُ ماجَ الموجُ، وَالْجَمْعُ أَمْواج؛ وَقَدْ ماجَ البحرُ يموجُ مَوْجاً ومَوَجاناً ومُؤُوجاً، وتَموَّج: اضطرَبَت أَمواجُه. ومَوْجُ كلِّ شَيْءٍ وموَجانُه: … (لسان العرب)
- برما: رمأ: رَمَأَتِ الإِبلُ بِالْمَكَانِ تَرْمَأُ رَمْأً ورُمُوءًا: أَقامت فِيهِ. وَخَصَّ بعضُهم بِهِ إِقَامَتَهَا فِي العُشْبِ. وَرَمَأَ الرجلُ بالمكانِ: أَقامَ. وَهَلْ رمأَ إِلَيْكَ خَبَرٌ، وَهُوَ، مِنَ الأَخبار، ظَنٌّ فِي ح … (لسان العرب)
- ترفده: رفد: الرِّفْد، بِالْكَسْرِ: الْعَطَاءُ وَالصِّلَةُ. والرَّفْد، بِالْفَتْحِ: الْمَصْدَرُ. رَفَدَه يَرْفِدُه رَفْداً: أَعطاه، ورَفَدَه وأَرْفَده: أَعانه، وَالِاسْمُ مِنْهُمَا الرِّفْد. وَتَرَافَدُوا: أَعان بَعْضُهُمْ بَعْض … (لسان العرب)
- ترقبه: رقب: فِي أَسماءِ اللَّهِ تَعَالَى: الرَّقِيبُ: وَهُوَ الحافظُ الَّذِي لَا يَغيبُ عَنْهُ شيءٌ؛ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَفِي الْحَدِيثِ: ارْقُبُوا مُحَمَّداً فِي أَهل بَيْتِهِ أَي احفَظُوه فِيهِمْ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَ … (لسان العرب)
- ترقصه: رقص: الرَّقْصُ والرَّقَصانُ: الخَبَبُ، وَفِي التَّهْذِيبِ: ضَرْبٌ مِنَ الخَبَب، وَهُوَ مَصْدَرُ رَقَصَ يَرْقُص رَقْصاً؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وأَرْقَصَه. وَرَجُلٌ مِرْقَصٌ: كَثِيرُ الْخَبَبِ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ لِغَادِيَةَ الدُّ … (لسان العرب)
- تهدده: هدد: الهَدُّ: الهَدْمُ الشَّدِيدُ وَالْكَسْرُ كحائِط يُهَدُّ بمرَّة فَيَنْهَدِم؛ هَدَّه يَهُدُّه هَدًّا وهُدُودا؛ قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: فَلَوْ كَانَ مَا بِي بالجِبال لَهَدَّها، ... وإِن كَانَ فِي الدُّنيا شَدِيداً هدُ … (لسان العرب)