رؤيا في عام 1956

الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: البسيط

«رؤيا في عام 1956» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 93 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

حطت الرؤيا على عينيّ صقرا من لهيب — إنها تنقضّ تجتثّ السواد

تقطع الأعصاب تمتص القذى من كل — جفن فالمغيب

عاد منها توأما للصبح أنهار المداد — ليس تطفي غلة الرؤيا صحارى من نحيب 0

من حجور تلفظ الأشلاء هل جاء المعاد — أهو بعث أهو موت أهي نار أم رماد

أيها الصقر الالهي الغريب — أيها المنقض من أولمب في صمت المساء

رافعا روحي لأطباق السماء — رافعا روحي غنيميدا جريحا

صالبا عيني تموزا مسيحا — أيها الصقر الإلهي ترفّق

إن روحي تتمزق — إنها عادت هشيما يوم أن أمسيت ريحا

في غيمة الرؤيا — يوم بلا ميعاد

جنكيز هل يحيا — جنكيز في بغداد

عين بلا أجفان — تمتد من روحي

شدق بلا أسنان — ينداح في الريح

يعوي أناالأنسان — -2-

يا جوادا راكضا يعدو على جسم الطريح — ياجوادا ساحقا عينيّ بالصخر السنابك

رابطا بالأربع الأرجل قلبي — فإذا بالنبض نقر للدرابك

و إذا بالنار دربي — سحّت الرؤيا ضياء من لظاها

صابغا ما تبصر العين القريح — مازجا بالشيء ظلّه

خالطا فيها يهوذا بالمسيح — مدخلا في اليوم ليلة

بانيا في عروة المهد الضّريح — الدماء

الدماء — الدماء

وحّدت بالمجرمين الأبرياء — نصبت في شدقيي الذئبة كرّسي القضاء

ماذا جنى شعبي — حلت به اللعنه

من زاده المحنه — رحماك يا ربي

من مائه الديدان — من لبسه الأكفان

من طيره الغربان — ينقرن في قلبي

و اليوم في بيدري — لم يبق من حبي

شيء هنا حبتان — فأمطري أمطري

و إن يكون نيران — و أثمري أثمري

و إن يكن ثعبان — -3-

ما الذي يبدو على الأشجار حولي من ظلال — منجل يجتثّ أعراق الدوالي

قاطعا أعراق تموز الدفينه — و على القنب أشلاء حزينة

رأس طفل سابح في دمه — نهد أم تنقر الديدان فيه في سكينة

أي آه من دم في فمه — ما الذي ينطف من حلمته من لحمه

يا حبال الفنب التقي كحيات السعير — و اخنقي روحي و خلي الطفل و الأم الحزينة

يا حبالا تسحب الموتى إلى قبر كبير — جفنة قد هيّأوها للوليمه

يا حبالا تسحب الأحياء من شيخ كبير — من فتاة أو عجوز من ضلوع حطموها

علقت فيها تميمة — من صدور مزّقوها

زرعوا فيها بذورا من رصاص من حديد — ما الذي تثمر هتيك البذور

غير أحجار القبور — غير تفاح الصديد

-4- — تموز هذا أتيس

هذا و هذا الربيع — يا خبزنا يا أتيس

أنبت لنا الحب و أحي اليبيس — إلتأم الحفل و جاء الجميع

يقدّمون النذور — يحيون كل الطقوس

و يبذرون البذور — سيقان كل الشجر

ضارعة و النفوس — عطشى تريد المطر

شدوا على كل ساق — يا رب تمثالك

فلتسق كل العراق — فلتسق فلاحيك عمالك

شدوا على كل ساق — أواه ما شدّوا

أواه ما سمروا — أغصان زيتوننا أثقلها الورد

ورد الدم الأحمر — شدوا على كل ساق

يارب تمثالك — فاسمع صلاة الرفاق

و لترع فلاحيك عمالك — تمثالك البعل

تمثالك الطفل — تمثالك العذراء

تمثالك الجانون و الأبرياء — تمثالك الأمّ الشمالية

لأنها ليست شيوعية — يقطع نهداها

تسمل عيناها — تصل صلبا فوق زيتونة

تهزها الريح الجنوبية — تمثالك الآلاف مجنونه

من رعبها تمثالك الأحمر — كأنه الشقيق إذ يزهر

-5- — عشتار على ساق الشجرة

صلبوها دقوا مسمارا — في بيت الميلاد -الرّحم

عشتار بحفصة مستتره — تدعي لتسوق الأمطارا

تدعي لتساق إلى العدم — عشتار العذراء الشقراء مسيل الدم

صلّوا هذا طقس المطر — صلّوا هذا عصر الحجر

صلوا بل أصلوها نارا — تموز تجسّد مسمارا

من حفصة يخرج و الشجرة — النهد الأعذر فاض ليطعم كل فم

خبز الألم — الأقة صاح القصّاب

من هذا اللحم بفلسين — إقطع من لحم النهدين

اللحم لنا و الأثواب — ستكون لمس السكينه

من آثار دم الأطفال — من آثار دم المسكّينه

فتلحي زنود العمال — في قلبي دمدم زلزال

فجنائن بابل تندثر — في قلبي يصرخ أطفال

في قلبي يختنق القمر — الظلمة تعبس في قلبي

و الجور رصاص — و الريح تهب على شعبي

و الريح رصاص — أواه لقد هجم التتر

فالصبح رصاص — و الليل رصاص

-6- — الرؤيا تلمح كالقلع

في بحر يزبد غضبانا — طور للأغوار و أحيانا

يعلو فنراه و في سمعي — أصداء تصمت أو تعلو

و بياني يغمض أو يجلو — أي حشد من وجوه كالحات

من أكفّ كالتراب — نبتها الآجرّ و الفولاذ كالأرض اليباب

أي حشد من ذئاب — يطعمون الجو ريح المعمل

أي نعش أي شكوى أي دمع من نساء ثاكلات — أي جمع من عذارى نادبات

أي موت مثكل — يا لعشتاراتنا يبكين تموز القتيل

العازر قام من النعش — شخنوب العازر قد بعثا

حيا يتقافز أو يمشي — كم ظلّ هناك و كم مكثا

أترى عاما أم عامين — أم دامت ميتته ساعة

شخنوب العامل من راعه — فتنكر للدينارين

و تواثب يركض مذعورا — الموت الزائف خاتمة

لحياة زائفة مثله — و البعث الزائف عاقبة

للموت الزائف من قبله — -7-

و لفني الظلام في المساء — فامتصت الدماء

صحراء نومي تنبت الزهر — فإنما الدماء

توأم المطر

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الالهي: أَلْهَى يُلْهِي ألْهِ إلْهاء [ لهو]: أجزل العطيَّة.-: شَغَل وأَنْسىَ؛ ألهى اللعبُ الولدَ عن الدَّرس.
  • الرؤيا: الرُّؤْيَا [رأي]: ما يراه النَّائم في منامه لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَّقِّ ج رُؤىً.
  • الصقر: صقر: الصَقْرُ: الطَّائِرُ الَّذِي يُصاد بِهِ، مِنَ الْجَوَارِحِ. ابْنُ سِيدَهْ: والصَّقْرُ كُلُّ شَيْءٍ يَصيد مِنَ البُزَاةِ والشَّواهينِ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ، وَالْجَمْعُ أَصْقُرٌ وصُقُورٌ وصُقُورَةٌ …
  • المداد: المِدَادُ : سائلٌ يُكتبُ به قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي. -: السّماد. -: ما مددْتَ به السِّراجَ مِن زَيْتٍ ونحوه. -: الِمثال والطّريقة؛ هم …
  • ترفق: تَرَفَّقَ يَتَرَفَّقُ تَرَفُّقاً : ـ به: عامله بلطف وألان جانبه له؛ به إذ وجده ضعيفاً. ـ به: انتفع واستعان؛ تَرَفَّق البستانيّ بالمياه الجارية وسقى زرعه. ـ عليه: اتَّكأ؛ تَرَفَّق على وسادة وثيرة.

قصائد ذات صلة

  • أنشودة المطر
  • سفر ايوب
  • هل كان حبا
  • عينان زرقاوان
  • لن نفترق
  • المسيح بعد الصلب
  • لأني غريب
  • قصيدة