مدينة السندباد
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: الرجز
«مدينة السندباد» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
جوعان في القبر بلا غذاء ... عريان في الثلج بلا رداء
صرخت في الشتاء ... أقضّ يا مطر
مضاجع العظام و الثلوج و الهباء ... مضاجع الحجر
و أنبت البذور و لتفتح الزّهر ... و أحرق البيادر العقيم بالبروق
و فجّر العروق ... و أثقل الشجر
و جئت يا مطر ... تفجّرت تنثك السماء و الغيوم
و شقّق الصخر ... و فاض من هباك الفرات و اعتكر
و هبّت القبور هزّ موتها و قام ... و صاحت العظام
تبارك الأله واهب الدّم المطر ... فآه يا مطر
نودّ لو ننام من جديد ... نودّ لو نموت من جديد
فنومنا براعم انتباه ... و موتنا يخبّيء الحياه
نود لو أعادنا الإله ... إلى ضمير غيبة الملبّد العميق
نود لو سعى بنا الطريق ... إلى الوراء حيث بدؤه البعيد
من أيقظ العازر من رقاده الطويل ... ليعرف الصباح و الأصيل
و الصيف و الشتاء ... لكي يجوع أو يحسّ جمرة الصدى
و يحذر الردى ... و يحسب الدقائق الثّقال و السّراع
و يمدح الرعاع ... و يسفك الدماء
من الذي أعادنا أعاد ما نخاف ... من الإله في ربوعنا
تعيش ناره على شموعنا ... يعيش حقده على دموعنا
-2- ... أهذا أدونيس هذا الحواء
و هذا الشحوب و هذا الجفاف ... أهذا أودنيس أين الضياء
و أين القطاف ... مناجل لا تحصد
أزاهر لا تعقد ... مزارع سوداء من غير ماء
أهذا انتظار السنين الطويله ... أهذا صراخ الرجوله
أهذا أنين النساء ... أودنيس يا لاندحار البطوله
لقد حطم الموت فيك الرجاء ... و أقبلت بالنظرة الزائغة
و بالقبضة الفارغة ... بقبضة تهدّد
و منجل لا يحصد ... سوى العظام و الدم
اليوم و الغد ... متى سيولد
متى سنولد ... -3-
الموت في الشوارع ... و العقم في المزارع
و كلذ ما نحبّه يموت ... الماء قيّدوه في البيوت
و ألهث الجداول الجفاف ... هم التتار أقبلوا ففي المدى رعاف
و شمسنا دم و زادنا دم على الصّحاف ... محمد اليتيم أحرقوه فالمساء
يضيء من حريقه و فارت الدماء ... من قدميه من يديه من عيونه
و أحرق الإله في جفونه ... محمّد النبيّ في حراء قيّدوه
فسمّر النهار حيث سمّروه ... غدا سيصلب المسيح في العراق
ستأكل الكلاب من دم البراق ... -4-
يا أيها الربيع ... يا أيها الربيع ما الذي دهاك
جئت بلا مطر ... جئت بلا زهر
جئت بلا ثمر ... و كان منتهاك مثل مبتداك
يلفه النجيع ... و أقبل الصيف علينا أسود الغيوم
نهاره هموم ... و ليله نسهر فيه نحسب النجوم
حتى إذا السنابل ... نضحن للحصاد
و غنت المناجل ... و غطت البيادر الوهاد
خيّل للجياع أنّ ربّه الزّهر ... عشتار قد أعادت الأسير للبشر
و كللت جبينه الغضير بالثمر ... خيّل للجياع أنّ كاهل المسيح
أزاح عن مدفنه الحجر ... فسار يبعث الحياة في الضّريح
و يبريء الأبرص أو يجدّد البصر ... من الذي أطلق من عقالها الذئاب
من الذي سقى من السّراب ... و خبأ الوباء في المطر
الموت في البيوت يولد ... يولد قابيل لكي ينتزع الحياة
من رحم الأرض و من منابع المياه ... فيظلم الغد
و تجهض النساء في المجازر ... و يرقص اللهيب في البيادر
و يهلك المسيح قبل العازر ... دعوه يرقد
دعوه فالمسيح ما دعاه ... ما تبتغون لحمه المقدّد
يباع في مدينة الخطاه ... مدينة الحبال و الدماء و الخمور
مدينة الرصاص و الصخور ... أمس أزيح من مداها فارس النّحاس
أمس أزيح فارس الحجر ... فران في سمائها النعاس
و رنق الضجر ... و جال في الدروب فارس من البشر
يقتل النساء ... و يصبغ المهود بالدماء
و يلعن القضاء و القدر ... -5-
كأن بابل اغلقديمة المسوّرة ... تعود من جديد
قبابها الطوال من حديد ... يدق فيها جرس كأنّ مقبره
تئن فيه و السماء ساح مجزره ... جنانها المعلقات زرعها الرؤوس
تجرها قواطع الفؤوس ... و تنقر الغربان من عيونها
و تغرب الشموس ... وراء شعرها الخصيب في غصونها
أهذه مدينتي ؟ أهذه الطلول ... خطّ عليها عاشت الحياة
من دم قتلاها فلا إله ... فيها و لا ماء و لا حقول
أهذه مدينتي ؟ خناجر التتر ... تغمد فوق بابها و تلهث الفلاه
حول دروبها و لا تزورها القمر ... أهذه مدينتي أهذه الحفر
و هذه العظام ... يطلّ من بيوتها الظلام
و تصبغ الدماء بالقتام ... لكي تضيع لا يراها قاطع الأثر
أهذه مدينتي جريحة القباب ... فيها يهوذا أحمر الثياب
يسلّط الكلاب ... على مهود إخوتي الصغار و البيوت
تأكل من لحومهم و في القرى تموت ... عشتار عطشى ليس في جبينها زهر
و في يديها سلة ثمار حجر ... ترجم كل زوجة به و للنخيل
في شطّها عويل
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البذور: بذر: البَذْرُ والبُذْرُ: أَولُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الزَّرْعِ وَالْبَقْلِ وَالنَّبَاتِ لَا يَزَالُ ذَلِكَ اسمَهُ مَا دَامَ عَلَى وَرَقَتَينِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا عُزِلَ مِنَ الْحُبُوبِ للزَّرْعِ والزِّراعَةِ، وَقِيلَ: البَذْر … (لسان العرب)
- البيادر: أدر: الأُدْرَةُ، بِالضَّمِّ: نفخةٌ فِي الخُصْيةِ؛ يُقَالُ: رَجُلٌ آدَرُ بَيِّنُ الأَدَرِ. غيرُه: الأَدَرُ والمأْدُورُ الَّذِي يَنْفَتِقُ صِفاقُهُ فيَقعُ قُصْبُه وَلَا يَنْفَتِقُ إِلَّا مِنْ جَانِبِهِ الأَيسرِ، وَقِيلَ: ه … (لسان العرب)
- الثلوج: ثلج: الثَّلْجُ: الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، مَعْرُوفٌ. وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ: واغْسِلْ خَطايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ والبَرَدِ، إِنما خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ تأْكيداً لِلطَّهَارَةِ وَمُبَالَغَةً فِيهَا لأَنهما ماءَان … (لسان العرب)
- العروق: عرق: العَرَق: مَا جَرَى مِنْ أُصول الشَّعْرِ مِنْ مَاءِ الْجَلْدِ، اسْمُ لِلْجِنْسِ لَا يَجْمَعُ، هُوَ فِي الْحَيَوَانِ أَصل وَفِيمَا سِوَاهُ مُسْتَعَارٌ، عَرِق عَرَقاً. وَرَجُل عُرَقٌ: كَثِيرُ العَرَق. فأَما فُعَلَةٌ فَ … (لسان العرب)
- العقيم: عقم: العَقْمُ والعُقْمُ، بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: هَزْمةٌ تقعُ فِي الرَّحِم فَلَا تَقْبَلُ الولدَ. عَقِمَتِ الرَّحِمُ عَقْماً وعُقِمَتْ عُقْماً وعَقْماً وعَقَماً وعَقَمَها اللهُ يَعْقِمُها عَقْماً ورَحِمٌ عَقِيمٌ وعَقِيمة … (لسان العرب)
- الهباء: هبأ: الهَبْءُ: حَيٌّ. (لسان العرب)
- بالبروق: برق: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: البَرْقُ سَوط مِنْ نُورٍ يَزجرُ بِهِ الملَكُ السَّحَابَ. والبَرْقُ: وَاحِدُ بُروق السَّحَابِ. والبَرقُ الَّذِي يَلمع فِي الْغَيْمِ، وَجَمْعُهُ بُروق. وبرَقت السَّمَاءُ تَبْرُق بَرْقاً وأَبْرَقت … (لسان العرب)