بَوحُ الأَوْرِدَة!
الشاعر: صقر أبوعيدة · البحر: المديد
«بَوحُ الأَوْرِدَة!» من شعر صقر أبوعيدة، وتقع في 38 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا والِدي — لَمَّا الْقَوَافِلُ أَنْبَأَتْنِي بِالأُفُولْ
وَالْبُعْدُ أَلْجَمَني وَعَضَّ فُؤَادِيَ الدَّرْبُ الطَّوِيلْ — وَتَسَاءَلَ الْوَلَدُ الْمُغَمَّرُ بِالذُّهُولْ
يا حَسْرَتا — كَيفَ الْوُصُولْ؟
جَمَدَتْ عَلى حَلْقِي الْحُرُوفُ وَمِلْحُها — وَتَعَجَّلُوا بِالدَّفْنِ إِذْناً بِالرَّحِيلْ
*** — يا والِدي
لَكَأَنَّ لَيلَكَ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِي — لَيلٌ عَلى الأَبْوابِ يَخْطَفُ مَنْ أَرادْ
طَمَرَ التَّغَنّي في أَفانِينِ الرّجاءْ — وَتَراءَتِ الأَخْبارُ تَنْعَى في الْبِلادْ
نَادَى الْمُنادْ — حُطُّوا الْجَنازَةَ وَارْفَعُوا جَهْرَ الدُّعاءْ
*** — يا والِدي
لَكَأَنَّ رِيحَ جَوادِكَ انْقادَتْ إلى حَيثُ الرّجُوعْ — وَالْمَوتُ جَاءَكَ قَبْلَ أَنْ أَلِجَ الْحُدودْ
وَرَجَوتُهُمْ تَبْقَى لِيَومٍ كَي أُصَلّيَ فَوقَ نَعْشِكَ قَبْلَ أنْ تَرِدَ اللّحُودْ — لَكِنَّهُمْ لَمْ يَرْقُبوا لَهَفَ الْغَريقِ إلى النّسيمْ
وَتَعَذَّرُوا — أُفُقُ التّمَنّي جَزّهُ أَمْرُ الْجُنُودْ
وَسَفينةُ الشّمْلِ اخْتَفَتْ بَينَ السّدُودْ — ***
يا والِدي — أَبْكِيكَ يا جَمَلَ الْمَحامِلِ إِذْ رَأَيْتُكَ لَنْ تَعُودْ
هِيَ سُنَّةٌ، والْمَوتُ أَذْهَلَني وأَضْناني الصّدُودْ — أَبْكِيكَ يا أَبَتِي وَدَمْعِي بَينَ أَضْلاعِي..
وَأَضْلاعي تَجُودْ — أَبْكِي أَباً نَزَعَ الرّغيفَ مِنْ الْكُروبْ
وَتَفَطّرَتْ قَدَماهُ في حَلَكِ الدّرُوبْ — أَسَفاً عَلى بَلَدٍ تَقَطَّعَ لَحْمُها
بَينَ التّذَمّرِ وَالرّقُودْ — ***
يا والِدي — كَيفَ الرّضا وَالْكَفُّ نَامَتْ في الثّرَى
مَنْ يَسْألُ الْباري لِمَنْ فَقَدَ النَّدَى — قَصُرَتْ حِبالُ جُسُورِنا
مِنْ بَعْدِكَ الدّنْيا تَفِرُّ إِلى النَّوَى — وَأَرَى بِها الأَهْوالَ تَرْفَعُ رَأْسَها
هَلْ مِنْ مَزيدْ — ***
يا والِدي — شَغَفِى إِلَيكَ كَأَنَّهُ في دُنْيَتي قُطِعَ الْوَريدْ
كُلُّ الْحُروفِ تَفَلّتَتْ ، وَتَمَيّعَتْ عَينُ الْكلامْ — فَرَجَوتُها تَضَعُ الأُبُوّةَ فَوقَ أَسْنِمَةِ الأَنامْ
وَتُحَرّرُ الْكَلِماتِ مِنْ بَحْرِ الشّرُودْ — لَقَصِيدَةٌ أَرْجُو بِها حَبَّ الْغَمامْ
قدْ ِتَغْسِلُ الْقَلْبَ الّذي خَافَ الْوَعِيدْ — ***
يا والِدي — أَوَكُلّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَصِفَ الْفِراقْ
مَرّتْ عَلى وَرَقي تَباشِيرُ التّلاقْ — وَرَأَيتُ أَنْفَكَ شَامِخاً يَرْجُو الْعِناقْ
هِيَ سُنّةٌ وَعَسَى أَراكَ مُنَعّما — وَالْقَبْرَ مَفْتُوحاً عَلى فَيءِ الْوُعودْ
*** — يا والِدي
أَوَكُلّما أَوْقَدْتُ شَمْعِيَ لِلْقَصيدْ — عَصَفَتْ بِيَ الأَحْزانُ وَانْطَفَأَ النّشيدْ
حَتّى إِذا شَرَعَ الْيَراعُ لِيَرْثِيَكْ — جَاءَتْنِيَ الْكَلِماتُ تَرْجُفُ مِنْ قُنُوطْ
فَعَصَرْتُ أَوْرِدَتي لأَرْسُمَ حُزْنَها — وَتَفَرّقَتْ سُبُلِي عَلى رَمْلِ الشّطُوطْ
*** — يا والِدي
أَبْكيكَ أَمْ أَبْكي بِلاداً لا تَرى عَدَدَ الْفُتُوقْ — فيها التّراخِي وَالتّعَثُّرُ والخُفوقْ
أَبْكيكَ أم أَبْكي التَّمَلُّقَ وَالْعُقوقْ — أَبِكيكَ أم أَبْكي قَصائِدَ ضاعَ مِنْ كَلِماتِها ظِلُّ الصّديقْ
أَبْكي أَباً رَسَمَ النّهايَةَ باسِمَهْ — وَصَلاتُهُ في السّرِّ كانَتْ بَلْسَمَهْ
يارَبُّ مَقْعَدُهُ مَعَ الشّهَداءِ وَالنَّهْرِ الدّفوقْ — ***
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التغني: تَغَنَّى يَتَغَنَّى تَغَنَّ تَغَنِّياً [غني]:- بالشيِء: ذكره في أَغانيه أو أشعارِه؛ يَتَغَنَّى الشاعر بجمال محبوبته/ كم يتغنَّى العرب بأمجاد أَجدادهم.- بالشيءِ: مدحه، تَغَنَّى بأخلاق أَبيه.- بالشِّعر. ترنم به وطرَّب.
- الولد: وَلَد: الوَلِيدُ: الصَّبِيُّ حِينَ يُولَدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُدْعَى الصَّبِيَّةُ أَيضاً وَلِيدًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ لِلذَّكَرِ دُونَ الأُنثى، وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ غلامٌ مَوْلُودٌ وَجَارِيَةٌ مَ …
- بالدفن: دفن: الدَّفْن: السَّتْر والمُواراة، دَفَنه [دَفِنه] يَدْفِنُه دَفْناً وادَّفَنه فاندَفَن وتَدَفَّن فَهُوَ مَدْفون ودَفِين. والدِّفْن والدَّفينُ: الْمَدْفُونُ، وَالْجَمْعُ أَدفان ودُفَناء. وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: امرأَة …
- بالذهول: [ذ هـ ل]. (مصدر ذَهَلَ، ذَهِلَ). "أُصِيبَ بِالذُّهُولِ أَمَامَ هَوْلِ الكَارِثَةِ" : الحَيْرَة الشَّدِيدَة ، الدَّهَش الشَّدِيد.
- بالرحيل: الرَّحِيلُ : مصـ.-: الارتحال.-: الرَّاحلة، أي ما يُشدُّ عليه الرَّحْل من الإبل لقُوَّتِه على السَّفَر.