رسالةٌ أخرى إلى أمّي
الشاعر: صقر أبوعيدة · البحر: المديد
«رسالةٌ أخرى إلى أمّي» من شعر صقر أبوعيدة، وتقع في 32 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عصرتُ ثمارَ حرفي، لم أجدْ ما ينعشُ الأحلامَ والوطنا ... وذاكرتي تنوءُ بحملِ أعوامٍ، شَددْتُ لجامَها كي أبعدَ الوهنا
فمرَّ عليَّ طيفٌ ،شبَّ مصباحي، فأذهبَ عنّيَ الوَسنا ... فعاتبني، وناجاني بأدعيةٍ تعيدُ إلىَّ ما كَمُنا
أيا أمّي ... لأنتِ الياسمينُ إذا اختفى من حقلِنا العطرُ
وأنتِ عباءةُ المصدورِ يومَ رياحُهم تذرو ... وأنتِ البلسمُ الخالي من التسويفِ والشَّكوَى
وحينَ أحِنُّ للأصحابِ يخطفُ همسُهم أُنسي ... فأبكي جفوةَ الإنسِ
أصافحُهم وأفتحُ كلَّ أبوابي، فصدُّوا عن سبيلي وانتفَى العذرُ ... وتأتيني بأشرعةِ النجاةِ إذا تمادَى الموجُ بالأهوالِ واحتدَما
لأنتِ الشّطُّ حينَ يغطُّني القهرُ ... أيا أمي
لكِ الوجدانُ أكتبُه على عظمِ القصيدِ بلهفةٍ حرَّى ... ذهبْتِ وفاضتِ الساحاتُ بالأصنامِ واشتقَّتْ لنا وَثنا
لأنتِ الحضنُ حينَ الشمسُ تأوي للمبيتِ وتكتُم الدّفئا ... وكانَ جبينُك الوضّاءُ يبرقُ كي أرى الدّربا
وفي عينيكِ أروقةٌ ألوذُ بها إذا الأنباءُ تخذلُني ... وكنتُ أبوسُ ما ذرفتْ ليَ الشفتانِ حتّى أرويَ الكلِما
أيا أمي ... أُصلّي ضارعاً للهِ أجمعُ في جنازةِ عرسِكِ الأمَما
أقومُ إليكِ في لحدِكْ ... وأحفنُ من ثرى أرضكْ
حُبيباتٍ تبثُّ الشدوَ في قلبي ... فصرتُ الآنَ لا أملكْ
عبورَ الليلِ والأسلاكُ تُدميني ... سأربطُ كلَّ أوردتي إلى وصلكْ
أيا أمي ... مُنِعتُ منَ البواريدِ التي نشزتْ بلا معنى
كذئبٍ يرقبُ الخطواتِ والخلجاتُ تغمرُني ... وقلةُ حيلَتي تُغري بهِ النّابا
أرى جندَ الشّقاوةِ يحلبون لهُ شرايينَ البلادِ دما ... صرختُ بحرقةٍ وصلتْ حدودَ الغضبةِ القُصوى
أيا أمي ... ترينَ الليلَ يصفعُني بكلِّ صفاقةِ الدنيا
رحلتِ وهاجتِ النّعّراتُ تَقطعُ عرقَ وصْلاتي ... فأنَّى لي ببوصلةٍ إلى قبرٍ يواري جسرَ جنّاتي
وأسمعُها تناجي الربَّ يغفرُ وزرَ زلاّتي ... أريجُ دعائِها يسمو ويُلهمُني
لأرسمَ قصَّتي سوراً لأنّاتي ... أيا أمي
سلالمُ وصلكِ اقتُلعتْ ، ... فكيفَ أسيرُ في الكُرباتِ والأجفانُ مُنسدِلهْ
رحلتِ وكنتُ أستسقي بكِ الأشعارَ والسّكنا ... وأرتقُ غربةَ الضّحكاتِ حينَ أراكِ قدّامي
وكيفَ أعودُ والطرقُ اختفتْ من تحتِ أقدامي ... وخيلُ قصائدي تكبو على أرضي ولا تسعَى
رأيتُ ثقوبَ أشجاني تسحُّ الدمعَ في الصفحاتِ والأسطرْ ... وكنتُ أراكِ غارسةً جذورَ الودّ في قلمي
وهذا النهرُ من عينيكِ يأخذُني إلى ألمي ... رحلتِ بليلةٍ أرختْ ستائرَها ولم تُطوَ
وحلمي بعدكِ ارتابتْ حواضنُهُ ... وخاضتْ في التناحرِ والعواءُ احتدْ
أناوشُ كفّيَ الغضبَى فتلكمُني على كلِمى، ... تخافُ الغدْ
أيا أمي ... فقدتك فقد أفراخٍ لحضنٍ يخمدُ الشوقا
بأضلاعي هصرتُ الهمَّ فانحرفتْ ... تشقُّ اللحمَ والعِرْقا
وتذكي في الفؤادِ الرعدَ والبرقا ... وتحرقُ صمتىَ المحبونَ والخنقا
وتلكَ هموميَ استعرتْ على قلمي ... قصائدَ غضبةٍ، منْ أحرفي تُسقَى
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- البلسم: بلسم: بَلْسَمَ: سَكَتَ عَنْ فَزَع، وَقِيلَ: سَكَتَ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَن يقَيَّد بفَرَقٍ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. الأَصمعي: طَرْسَم الرَّجُلُ طَرْسَمةً وبَلْسَمَ بَلْسَمَة إِذا أَطرق وسكَت وفَرِق. والبِلْسامُ: البِرْسامُ؛ قَالَ … (لسان العرب)
- التسويف: سيف: السَّيْفُ: الَّذِي يُضربُ بِهِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَسْيَافٌ وسُيُوفٌ وأَسْيُفٌ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ وأَنشد الأَزهري فِي جَمْعِ أَسْيُفٍ: كأَنهم أَسْيُفٌ بِيضٌ يَمانِيةٌ، ... عَضْبٌ مَضارِبُها باقٍ بِهَا الأُثُ … (لسان العرب)
- المصدور: صدر: الصَّدْر: أَعلى مقدَّم كُلِّ شَيْءٍ وأَوَّله، حَتَّى إِنهم لَيَقُولُونَ: صَدْر النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وصَدْر الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَمَا أَشبه ذَلِكَ مُذَكَّرًا؛ فأَما قول الأَعشى: وتَشْرَقُ بالقَوْل الَّذِي قَدْ … (لسان العرب)
- الوسنا: سنا: سَنَت النارُ تَسْنُو سَناءً: عَلا ضَوْءُها. والسَّنا، مقصورٌ: ضوءُ النارِ والبرْقِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: السَّنا، مقصورٌ، حَدُّ مُنْتَهى ضوْءِ البرْقِ. وَقَدْ أَسْنَى البرْقُ إِذَا دَخلَ سَناهُ عليكَ بيتَك أَو وقَع ع … (لسان العرب)
- الوهنا: هنأ: الهَنِيءُ والمَهْنَأُ: مَا أَتاكَ بِلَا مَشَقَّةٍ، اسْمٌ كالمَشْتَى. وَقَدْ هَنِئَ الطَّعامُ وهَنُؤَ يَهْنَأُ هَنَاءَةً: صَارَ هَنِيئاً، مِثْلُ فَقِهَ وفَقُهَ. وهَنِئْتُ الطَّعامَ أَي تَهَنَّأْتُ بِهِ. وهَنَأَنِي ال … (لسان العرب)
- بحمل: حمل: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُهُ حَمْلًا وحُمْلاناً فَهُوَ مَحْمول وحَمِيل، واحْتَمَلَه؛ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّة واحْتَمَلْتَ فَجَارِ عَبَّر عَنِ البَرَّة بالحَمْل، وَعَنِ الفَجْرة بالاحْتِمَال، لأَن حَمْل … (لسان العرب)
- تذرو: (ذَرَوَ) الذَّالُ وَالرَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الشَّيْءُ يُشْرِفُ عَلَى الشَّيْءِ وَيُظِلُّهُ، وَالْآخَرُ الشَّيْءُ يَتَسَاقَطُ مُتَفَرِّقًا. فَالذُِّرْوَةُ: أَعْلَى السَّنَامِ وَغَيْرِهِ، و … (مقاييس اللغة)