ذروني أقل أن الوجود ظلام
الشاعر: مبارك جلواح · البحر: الطويل
«ذروني أقل أن الوجود ظلام» من شعر مبارك جلواح، من العصر الحديث، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ذروني أقل أن الوجود ظلام — يسوق به بين الغيوب ضرام
وإلا فماذا يمنع العين أن ترى — صحايا لهم خلف العباب خيام
ويمنع مني الأذن أن تسمع الصدى — إذا رن منهم في الخيام كلام
فلو كان يحيا بالنهار لمات بدا — لهذا النوى فوق العيون قتام
فإذا النجوم السابحات بأفقه — سوى جذوات والغيوم أيام
أجل فوجود الشهب في الأفق حجة — لدنيا بأن الكائنات ظلام
وأن الجبال الراسيات غياهب — مجمدة والائجات غمام
وليس النوى إلا رداء نسيجه — سديم ويم مائج وخشام
لقد سدلته بين أجواز ذا الفضا — يد في حمى الله الجليل تشام
يزيد بتكرار العصور كتافة — يبيد بها للوامقين هيام
وتبدو عليه للعزاء ابتسامة — تبل بها للفاقدين سقام
وطوراً ترى للشوق نارا حياله — تذوب بها للنازحين عظام
تؤججها للذكريت عواصف — لهابين راحات الحنين زمام
رداء النوى يا رمز أردية القضا — ترى فيك مني للبقاء تمام
فإنك ظل للغيوب وبردة — بها يتحلى للزمان قوام
فلا شك قد تدري بما بي لديهم — يراد ومني يا رداء يرام
لبستك لما تم في بردة اللقا — لدى الأهل مني والصحاب مرام
ورمت وراك الاختفا عن جفاهم — وهما به يدي القلى وخصام
ومن أسف لم ألق تحتك غير ما — يلذ الردى من دونه وحمام
ولم يلق بثي منهم غير جفوة — تسابق منها للكبود سهام
وبالرغم من ذا لا يهان لعهدهم — على الدهر في طي الفؤاد ذمام
ففي ربعهم قد انجلى عن لواحظي — غداة ازديادي للحياة لثام
وقبل لي رجلي لأول خطوة — خطوت بها فوق الصعيد رغام
وأفعم قلبي نشوة ومسرة — بظل شبابي للكعاب غرام
وغنت بشعري في المحافل فتية — لها دون وكرى لهذم وحسام
وماجت حيالي في الزمان كأنها — خميس بتلك الرابيات لهام
فإنهم أسدى ولي بشبالهم — وفاق تواروا في الرموس وناموا
فلي فيهم أم رؤوم بحجرها — تسلمي بعد الرضاع فطام
وفلذة أكبادي يعز عليهم — بأن يبصروها في الحياة تضام
وفضلى تراها كاللباة بحمدها — تسبح أسد حولها وحمام
أليفة روحي كم تنعت حولها — بظل الأماني والشباب غلام
عزيزة قلبي كم بظل وفائها — على فرش النعماء كنت أنام
أميرة نفسي كم بروضة عطفها — سقاني سحاب الصفو وهو جهام
فها قد تناءينا وحطم بيننا — لورد التصابي والسعادة جام
فناب حشانا من سراب حنيننا — وآل جوانا غلة وأوام
وغال العفا حتى الرجاء لنا وهل — لشيء بهذي الكائنات دوام؟
ولي والد قد طالما عز جانبي — وجل به ليفي السرات مقام
لقد كان نبراس المعارف والهدى — به تهتدي بين الهداة عظام
وكان مثالا للمكارم والعلا — وفي قاعة الحراب فهو امام
وكان كليث يستطيل به الشرى — فجاء عليه الموت فهو رمام
تذوب لذكراه الجوانح بينما — تطيب به فوق العراء رجام
رداء النوى فيك من غير بها — تجل رؤوس بالذكاء وهام
وكم من عظات قد يحلى بدرسها — صدور الورى للاختبار وسام
لأنك للأقدار مدرسة بها — يفوز بنعماء النبوغ همام
فكم فيك يبدو القرب كأسا روية — على مائدات الشوق وهي سمام
يقول بها يمن الولاء أو الهوى — لدي الشرب داء للجفاء عقام
ويبدو لديك الموت أخطر نكبة — بها يبعث النزاح وهو سلام
فما يسهد الإنسا الاحياته — وأما الردى للناس فهو منام
وكم فيك تبدو لواعج كالقنا — يخال لها بين الكبود كلام
وليس سوى وهم تجربة على — عقول الورى للذكريات مدام
ولولا جلال الوهم لاشتبهت على — أديم العرا أهل النهى وسوام
ولله بالأوهام ما بين خلقه — وبالقرب منهم والبعاد نظام
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الراسيات: رَأْسِيَّاتُ الأَرْجُلِ : صِفَةُ حَيَوَانَاتٍ مِنْ شُعْبَةِ الرَّخْوِيَّاتِ.
- السابحات: السَّابحَاتُ : مف سابح، العائمات.-: السُّفُنُ.-: الملائكة.-: النّجوم؛ سُمّيت النجومُ سابحات لأنها تسبح في السّماء.
- العباب: العَبَابُ : العَبُّ، أي شرب الماء بلا تنفّس؛ أخذ العطشانُ الماء عَبَاباً.
- بالنهار: النَّهارُ : ضياءُ ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى والنَّهارِ إذا تَجَلَّى ج أَنْهُرٌ ونُهُرٌ.-: فرخ القطا.-: ذكر البوم.-: ذكر الحُبارى ج أَنْهِرَةُ.
- خيام: الخَيَّامُ : الخِيَمِييُّ، أي صانع الخِيامِ؛ ضمرت مهنة الخيّام في مجتمعات المدن.