مَعَاهِدُهُمْ بالأبْرقَيْنِ هَوَامِدُ
الشاعر: أبو بحر الخطي · البحر: الطويل
«مَعَاهِدُهُمْ بالأبْرقَيْنِ هَوَامِدُ» من شعر أبو بحر الخطي، وتقع في 78 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَعَاهِدُهُمْ بالأبْرقَيْنِ هَوَامِدُ ... رُزقْنَ عِهَادَ المُزْنِ تِلكَ المعاهِدُ
ولولا احمرارُ الدَّمعِ ما انبعثتْ لَهَا ... سَحَائِبُ دَمْعٍ بالحَنينِ رَوَاعِدُ
وَقَفْتُ بِهَا والوَحْشُ حَوْلي كأنَّني ... بِهِنَّ مَلِيكٌ حَولَهُ الجُنْدُ حَاشِدُ
أُسَرِّحُ في أكنافِها الطرفَ لا أرَى ... سِوَى أَشْعَثٍ شَجَّتْهُ أَمسِ الولائِدُ
وإلاّ ثلاثاً كالحَمَائِمِ جُثَّماً ... ونُؤْياً عَفَتْهُ الدَّاهِيَاتُ العَوائِدُ
وأَسْأَلُها عن أَهْلِها ثمَّ لا تُحِرْ ... جَوَاباً وهل يَسْتَنْطِقُ العُجْمَ ناشِدُ
لكَ الخيرُ لا تذهبْ بحِلْمِكَ دِمْنةٌ ... مَحاها البِلَى واستوطَنَتْها الأَوَابِدُ
فَمَا هِيَ إنْ خاطبتَها بمُجيبَةٍ ... وإنْ جَاوبَتْ لم تُشْفِ ما أَنتَ وَاجدُ
ولكنْ هَلُمَّ الخَطْبُ في رُزْءِ سَيِّدٍ ... قضَى ظَمَأً والماءُ جَارٍ ورَاكِدُ
كَأَنِّي بِهِ في ثُلَّةٍ من رِجَالِهِ ... كما حَفَّ بالليثِ الأُسُودُ اللوابِدُ
يَخُوضُ بِهِمْ بَحْرَ الوغَى وكأنَّهُ ... لِوَاردِهِ عَذْبُ المجاجَةِ بَارِدُ
إِذَا اعْتَقَلُوا سُمْرَ الرِّمَاحِ وجَرَّدُوا ... سُيوفاً أَعَارتْها البُطُونَ الأَساوِدُ
فليسَ لها إلاّ الصُدورُ مَرَاكِزٌ ... وليسَ لهاإلاَّ الرُؤُوسُ مَغَامِدُ
يُلاقُونَ شَدَّاتِ الكُمَاةِ بِأنفُسٍ ... إذَا غَضِبَتْ هَانَتْ عليها الشَّدَائِدُ
إلى أنْ ثَوَوْا في الرمْلِ صَرْعَى كأنَّهُمْ ... نَخيلٌ أَمَالتْهُنَّ أَيْدٍ عَوَاضِدُ
أُولَئِكَ أَربَابُ الحِفَاظِ سَمَتْ بِهِمْ ... إلى الغايَةِ القُصْوَى النفوسُ المَوَاجِدُ
ولم يبقَ إلاَّ واحدُ الناسِ واحِداً ... يُكابِدُ مِنْ أَعْدائِهِ ما يُكَابِدُ
يكُرُّ فينثالونَ عنه كأنَّهُمْ ... مَهاً خلفَهُنَّ الضَّارياتُ شَوَارِدُ
يحامي وَرَاءَ الطَّاهِراتِ مُجَاهِداً ... بأَهْلي وبي ذَاكَ المحامِي المجَاهِدُ
فما الليثُ ذُو الأشْبَالِ هِيجَ على الطَّوَى ... بأشجعَ منه حِينَ قَلَّ المُسَاعِدُ
ولا سمعتْ أُذْني ولا أُذْنُ سَامِعٍ ... بأثبتَ منهُ في اللّقا وَهْو وَاحِدُ
إلى أنْ أسَالَ الطعنُ والضربُ نفسَهُ ... فخرَّ كما أهوَى إلى الأَرضِ سَاجِدُ
فلَهْفاً لَهُ والخيلُ مِنْهنَّ صَادِرٌ ... خَضِيبُ الحَوَامِي من دِمَاهُ وَوَارِدُ
فَأَيُّ فتًى ظلَّتْ خُيُولُ أُميَّةٍ ... تُعَادِي على جُثْمانِهِ وتطارِدُ
وأَعظمُ شَيءٍ أنَّ شِمْراً لَهُ على ... جَنَاجِن صَدْرِ ابنِ النبيِّ مَقَاعِدُ
فَشُلَّتْ يَدَاهُ حينَ يفرِي بسيفِهِ ... مُقَلَّدَ مَنْ تُلقَى إليهِ المَقَالِدُ
وإنَّ قتيلاً أَحرزَ الشِّمْرُ شِلْوَهُ ... لأكرمُ مَفقودٍ يُبَكِّيه فَاقِدُ
لَقَىً بِمحاني الطفِّ شِلْواً ورأسُهُ ... ينوءُ بِه لَدْنٌ من الخَطِّ وارِدُ
وَلَهْفي على أنصارِهِ وحُمَاتِهِ ... وهُمْ لِسَرَاحِينِ الفَلاةِ مَوَائِدُ
مُضمَّخةٌ أَجْسادُهُم فكأنّما ... عَلَيهنَّ من حُمْرِ الدَّماءِ مَجَاسِدُ
تضيءُ بِهِمْ أكنافُ عَرْصةِ كربلا ... وتُظلِمُ منهم أَرْبُعٌ ومَشَاهِدُ
فيا كربلا طُلْتِ السَّمَاءَ وربّما ... تنَاولَ عفواً حَظَّ ذي السعيِ قَاعِدُ
لأَنتِ وإن كُنْتِ الوضيعةَ نِلْتِ مِنْ ... جَوارِحِهِمْ ما لمْ تَنَلْهُ الفَرَاقِدُ
سُرُرتِ بِهِمْ أنْ آنَسُوكِ وسَاءَني ... مَحَارِيبُ مِنْهُمْ أَوْحَشَتْ ومَسَاجِدُ
بذا قضتِ الأيَّامُ ما بينَ أهلِها ... مَصَائِبُ قَوْمٍ عندَ قَومٍ فَوَائدُ
لِيهنَكِ أنْ أَمْسى ثَرَاكِ لطيبهِ ... تُعطَّرُ منهُ في الجِنَانِ الخَرَائِدُ
وإِنْ أَنْسَ لا أنْسَى النِّسَاءَ كأنَّها ... قَطاً رِيعَ عَنْ أوكارِهِ وَهْو هَاجِدُ
خَوَارِجُ من أبياتِها وَهْي بَعْدَها ... لأرجَاسِ حَرْبٍ بالحريقِ مواقِدُ
سَوَافِرُ بعد الصَّونِ مَا لوجوهِهَا ... بَرَاقِعُ إلاَّ أَذْرُعٌ وسَوَاعِدُ
إذا هُنَّ سُلِّبْنَ القَلائِدَ حُدِّدَتْ ... من الأَسْرِ في أَعْناقِهِنَّ قَلائِدُ
وتُلْوَى على أَعْضَادِهِنَّ مَعَاضِدٌ ... من الضَّرْبِ إذْ يُبتَزُّ منها المَعَاضِدُ
نَوَادِبُ لو أنَّ الجِبَالَ سَمِعْنَها ... تداعَتْ أَعَاليهنَّ فَهْي سَوَاجدُ
إِذا هُنَّ أَبْصَرنَ الجُسُومَ كأنَّها ... نجُومٌ على ظَهْرِ الفَلاةِ رَوَاكِدُ
وَشِمْنَ رُؤُوساً كالبدورِ تُقِلُّها ... رِمَاحٌ كأَشْطَانِ الرَّكيِّ مَوَارِدُ
تَدَاعَينَ يَلْطِمنَ الخُدُودَ بعَوْلةٍ ... تُصَدَّعُ منها القاسِياتُ الجَلامِدُ
ويَخمشْنَ بالأَيدي الوجوهَ كأنَّها ... دَنانيرُ أَبْلاهُنَّ بالحَكِّ نَاقِدُ
وظِلْنَ يُرَدِّدْنَ المَنَاحَ كأنَّما ... تَعلَّمَ منهنَّ الحَمَامُ الفَواقِدُ
فَمَا الوُرْقُ بَزَّتْها البُزَاةُ فِراخَها ... وحَلأَّها عن حَوْمَةِ الوَكْرِ صَائِدُ
ولا رُزَّحٌ هِيمٌ تكادُ قلوبُها ... تطيرُ إذا عنَّتْ لهنَّ المَوارِدُ
تَهُمُّ بِوِرْدِ الماءِ ثمَّ يردُّها ... أُخَيْرقُ مَرْهُوبُ البَسَالةِ ذَائِدُ
يدافعُها عن وِرْدِها وَهْي لا تني ... تُدافعُهُ وَهْو الأَلَدٌّ المُعَانِدُ
فَيُرْجِعُها حَرَّى القُلُوبِ كأنَّما ... يُؤجِّجُ في أَحْشَائها النارَ وَاقِدُ
بأكثرَ منها تلكَ نَوْحاً وهَذهِ ... حَنيناً وأنَّى والعُيُونُ جوامِدُ
فَيَا وَقْعَةً ما أَحْدَثَ الدهرُ مثلَها ... يُبيدُ الليالي ذِكْرُها وَهْو خَالِدُ
لأَلبَسْتِ هَذَا الدينَ أثوابَ ذِلَّةٍ ... ترثُّ لها الأيامُ وَهْي جَدَائِدُ
لَحَى اللهُ قيساً قيْسَ عَيْلانَ إنني ... عليهم لَمسجُورُ الحشاشةِ حَاقِدُ
لأُمِّهِمُ الويلاتُ ما ذَنبُ هَاشِمٍ ... عليهم أَمَا كَفُّوا إِذَا لم يُسَاعدوا
أَغَرْتُمْ فحلَّلْتُمْ أَوَاصِرَ بينَكم ... لها مُضَرٌ في سَالِفِ الدهرِ قَاعِدُ
وَأَبكيتُمُ جَفْنَ النبيِّ مُحمَّدٍ ... ليضحكَ كَلْبٌ من أُميّةَ قَاعِدُ
أُميّةُ هُبِّي من كَرَاكِ فما جنَى ... كفعلِكِ جَانٍ وَهْو مثلُكِ رَاقِدُ
لأَغْرَقتُمُ في رَمْي هَاشِمَ بَعْدَمَا ... أَحلُّوكُمُ حَيثُ السُّهَا والفَرَاقِدُ
على غَيْرِ شَيءٍ غيرَ أنكُمُ مَعاً ... إذَا حَصَّلَ الأَنْسَابَ كَفٌّ وسَاعِدُ
خَلا أَنْهُمْ أَولَى بِكُمْ من نُفُوسِكُمْ ... بِنَصٍّ من التنزيلِ واللّهُ شَاهِدُ
أَنَالَهُمُ ما لم يُنِلكُمْ إلهُهم ... فكُلُّكُمُ بَادي العَدَاوةِ حَاسِدُ
أَمَا وأبي لَوْلا تَأَخُّرُ مُدَّتي ... وأنّ الذي لم يقضِهِ اللهُ كائِدُ
لأَلفيتُمونِي في رِجَالٍ كأنَّهُمْ ... لُيُوثٌ بِمُسْتَنِّ النِّزَالِ حَوَارِدُ
بأيمانِنَا بِيضٌ كأنَّ مُتُونَها ... إِذا اطَّردَتْ أَموَاهُهُنَّ مَبَارِدُ
وخَطِّيّةٌ مُلْسُ المُتُونِ كأنَّما ... أسنّتُها مما شَحَذْنَ مَفَاصِدُ
نُطَاعنُكُمْ عنهُمْ بِهذي فإنْ نَبَتْ ... عَوامِلُها مِلْنا بتلكَ نُجَالِدُ
لَعمرُ أبي الخَطيِّ إنْ عَزَّ نصرُكُمْ ... عليهِ فلم تعزُزْ عليهِ القَصَائِدُ
من اللائِي يُدْنِينَ الخَليَّ من الأَسَى ... ويترُكْنَ مَثْلوجَ الحَشَا وَهْو وَاجِدُ
فدونَكُمُ آلَ النبيِّ فَرَائِداً ... تَذِلُّ لها في سلكِهنَّ الفَرَائِدُ
لَهُنَّ على غَيرِي إبَاءةُ مُكْرهٍ ... ويقتادُها عن طَاعَةٍ لِيَ قَائِدُ
يُزيرُكُمُوها من فُرُوع ربيعةٍ ... فتًى عَرَّقتْ فيهِ الرجالُ الأَمَاجِدُ
يَمُدُّ بِضِبْعَيهِ إلى أَمَدِ العُلا ... إذا ما انتمَى جَدٌّ كريمٌ ووَالِدُ
إِذا شِئْتُ جَارَاني بِمِضْمارِ مدحِكمْ ... جَوَادَان لا يَشْنَاهُمَا الدهرَ طاردُ
إِذا ركَضَا كَانَ المُصَلَّيُّ منهما الْ ... فَتَى حَسَنٌ والسابقُ الفحلُ مَاجِدُ
هما أَرضَعَاني دُرَّةَ اللطفِ يافعاً ... فَهَا أنَذا والحمدُ للّهِ راشِدُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الجند: جند: الجُنْد: مَعْرُوفٌ. والجُنْد الأَعوان والأَنصار. والجُنْد: الْعَسْكَرُ، وَالْجَمْعُ أَجناد. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها؛ الْجُنُودُ الَّتِي جا … (لسان العرب)
- الداهيات: (دَهَى) الدَّالُ وَالْهَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ يَدُلُّ عَلَى إِصَابَةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ بِمَا لَا يَسُرُّ. يُقَالُ مَا دَهَاهُ: أَيْ مَا أَصَابَهُ. لَا يُقَالُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا يَسُوءُ. وَدَوَاهِي الدَّهْر … (مقاييس اللغة)
- العجم: عجم: العُجْمُ والعَجَمُ: خِلافُ العُرْبِ والعَرَبِ، يَعْتَقِبُ هذانِ المِثالانِ كَثِيرًا، يُقَالُ عَجَمِيٌّ وَجَمْعُهُ عَجَمٌ، وَخِلَافُهُ عَرَبيّ وَجَمْعُهُ عَرَبٌ، وَرَجُلٌ أَعْجَم وَقَوْمٌ أعْجَمُ؛ قَالَ: سَلُّومُ، لَ … (لسان العرب)
- المعاهد: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب … (لسان العرب)
- الولائد: أيد: الأَيْدُ والآدُ جَمِيعًا: الْقُوَّةُ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ: مِنْ أَن تبدلت بآدِي آدا يَعْنِي قُوَّةَ الشَّبَابِ. وَفِي خُطْبَةِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: وأَمسكها مِنْ أَن تَمُورَ بأَيْدِه أَي بِقُوَّتِهِ؛ وَق … (لسان العرب)