رسالة 93
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
( مئة رسالة حب )هذه رسالة عادية ، عن يوم غير عادي .
قليلة جذاً هي الأيام غير العادية في حياة الإنسان . الأيامالتي يخرج بها من قفص بشريته .. ليصبح عصفوراً .
يوم .. أو نصف يوم .. ربما.. في حياة الإنسان كلها ،يخرج فيه من السيلول الضيق ، ليمارس حريته ، ليقول ما
يشاء .. ويحرك يديه كما يشاء ، ويحب من يشاء في الوقتالذي يشاء ..
نادراً ما يصل الإنسان إلى ذروة حريته ، فيخرج منالصندوق المختوم بالشمع الأحمر الذي هو العادات اليومية
والمصطلحات الاجتماعية ، ليرى حبيبته على الطبيعة ..ويحبها على الطبيعة ..
الإنسان مدعي حرية .. وليس حراً كما يتصور . إنهليس حراً حتى في صلاته مع يديه ، وشفتيه ، وثيابه ، وكلامه
وحواره اليومي ..فإذا كتبت لك عن هذا اليوم غير العادي ، فلأنني أشعر
أنني تحررت في هذا اليوم من دبقي ومن صمغي .. وخرجتمن صندوق النفاق الإجتماعي ، ومن مغارة التاريخ ، لأمارس
حريتي كما يمارسها أي عصفور شارد في البرية .*
البحر كتاب أزرق الغلاف .. أزرق الصفحات ..وأنت بثوب الإستحمام ، تقرأين تحت الشمس .
الحشرات الصغيرة تزحف على جسدك الزنبقي لتشربالضوء ..
ظهرك مكشوف .. وقدماك تلعبان بحرية وطفولة علىالعشب النابت أمام باب بيتنا البحري ..
وأخيراً .. أصبح لنا باب .. ومفتاح .. ومنزل بحريالتجيء إليه ..
ربما لا تدركين معنى أن يكون للإنسان بيت ، ومفتاح ،وامرأة يحبها ..
ربما لا تدركين أنني تلميذ هارب من جميع مدارسالحب ومعلميها ..
هارب من ممارسة الحب بالإكراه ، وممارسة الشوقبالإكراه ، وممارسة الجنس بالإكراه ..
وللمرة الأولى منذ عشرين سنة ، أدخل معك منزلناالبحري فلا أشعر أن له سقفاً .. وجدراناً ..
للمرة الأولى أدفن وجهي في صدر امرأة أحبها .. وأتمنىأن لاأستيقظ ..
للمرة الأولى أقيم حواراً طويلاً مع جسد امرأة أحبها ..ولا أفكر في الحصول على إجازة ..
للمرة الأولى منذ عصور ، أفكر بتجديد إقامتي معك ..وحين يفكر رجل في تمديد إقامته مع امرأة .. فهذا يعني أنه
دخل مرحلة الشعر .. أو مرحلة الهيستيريا ..*
البحر شريط من الحرير الأزرق على رأس تلميذة ..ونهداك يقفزان من الماء .. كسمكتين متوحشتين ..
وأنا أنكش في الرمل الساخن بحثاً عن لؤلؤة تشبه استدارةنهديك ..
نخلت كل ذرات الرمل ، وفتحت مئات الأصداف ،ولم أعثر على لؤلؤة بملاستها ..
إنتهى رمل البحر كله .. وانتهت قواقعي كلها .. ورجعتإلى صدرك نادماً ومعتذراً .. كطالب راسب في امتحاناته ..
نتخبط في الماء .. كطائرين بحريتين لا وطن لهما ..قطرات الماء تكرج على الجسدين المتشابكين ..
تتدحرج .. تشهق .. تغني .. ترقص .. تصرخ .. لاتعرف أي الجسدين تبلل ..
قطرات الماء دوختها جغرافية الجسدين المتداخلين ..لم تعد تعرف أين تسقط .. على أي أرض تتزحلق ..
ضاعت جنسية الرخام . لم يعد للعنق اسم .. ولا للذراعاسم .. ولا للخصر اسم .. ضاعت أسماء الأسماء .. الرخام
كله معجون ببعضه .. براري الثلج كلها تشتعل .. وأنا ..وأنت .. مزروعان في زرقة الماء .. كسيفين من الذهب ..
*الحب يحرقنا كصدفتين صغيرتين ..
وأنا أتمسك بشعرك بشراسة إنسان يغرق..لم يكن بإمكاني أن أكون أكثر تحضراً ، فحين تلتصقين
بي كسمكة زرقاء .. لنستقر في قعر البحر سفينتين لا يعرف أحدمكانهما ..
*إنتهى يومنا البحري ..
ذهبت أنت . وظلت رغوة البحر تزحف على جسدي ..ظلت الشمس جرحاً من الياقوت على جبيني .
حاولت أن أستعيدك ، وأستعيد البحر ..نجحت في استرداد البحر .. ولم أنجح في استردادك ..
فما يأخذه البحر لا يرده .حاولت أن أركب يومنا البحري تركيباً ذهنياً ..
وألصق عشرات التفاصيل الصغيرة ببعضها .. كقطع الفسيفساء .تذكرت كل شيء .
قبعتك البيضاء ، ونظارة الشمس ، وكتابك الفرنسيالمطمور بالرمل .. حتى النملة الخضراء ، التي كانت تتسلق
على ركبتك الشمعية .. لم أنسها .. حتى قطرات العرق التيكانت تتزحلق كحبات اللؤلؤ .. على رقبتك لم أنسها ..
حتى قدمك الحافية التي كانت تتقلب على الرمل ،كعصفورة عطشى .. لم أنسها ..
*إنتهى يومنا البحري ..
لا زال ثوب استحمامك البرتقالي ، مشتعلاً كشجرةالكرز في مخيلتي ..
لا زال الماء المتساقط من شعرك .. يبلل دفاتري ..كل سطر أكتبه .. يغرق في الماء .
كل قصيدة أكتبها .. تغرق في الماء ..كل جبل أصعد إليه .. يحاصره الماء ..
فاحملي بحرك ، يا سيدتي ، وانصرفيواتركي الشمس .. تشرق ثانية ، على جسدي ..
*إنتهى يومنا البحري ..
وكتب البحر في دفتر مذكراته :(( كانا رجلاً وامرأة ..
وكنت بحراً حقيقياً .. ))
عن القصيدة
«رسالة 93» من شعر نزار قباني، من العصر الحديث، وتقع في ٥٠ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.