ما وراءَ حنجرة المغنِّي
الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة غزل
«ما وراءَ حنجرة المغنِّي» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
على السُّهولِ التي تمتدُّ في لغتي ... ما زال ينمو معي عنقودُ موهبتي
«بضعٌ وعشرونَ» شَدَّتْ رحلَها.. وأنا ... أنا..المعتَّق فــــي إبريقِ تجربتي!
والأحجياتُ بحجمِ العُمْرِ تُوثِقُني ... في سَكْرَةِ البحثِ عن مفتاحِ أجوبةِ
أنا المعتَّقُ في الإبريقِ.. ما انْفَرَطَتْ ... روحي من السُّكْرِ إلاَّ قيدَ أُحْجِيَةِ
مــــا للقصائدِ مــــن حَـــــدٍّ لأختمَها.. ... يفنَى خيالي ولا تفنَى مُخَيَّلَتي!
في صِحَّةِ «الشِّعرِ».. ألوي من زجاجتِهِ ... جيداً وأسكبُ «تشبيهي» و«توريتي»
لِي خمرةٌ شابَهَتْني في غوايتِها.. ... من «تاءِ تأنيثِها» استوحيتُ قافيتي!
*** ... كأنَّني - والحُمَيَّا حين تُرْعِشُني-
عَلِقْتُ ما بين أسلاكٍ «مُكَهْرَبَةِ»! ... طيرُ النبوءةِ لم يبرحْ يُشَبِّهُ لــــي
في الحُلْمِ أَنِّــــيَ مخلوقٌ بأجنحةِ! ... وحدي ولكنْ أُشَظِّي وحدتي بَشَراً
فيَنْطَوي فــــي فــــؤادي كــــونُ أفئدةِ! ... صَلَّيتُ للخلقِ.. كلِّ الخلقِ.. واتَّسَعَتْ
لِماَ وراء خطوطِ الطولِ، صومعتي! ... همسُ النسيمِ.. خريرُ النَّهْرِ.. زغردةُ ال-
عصفورِ.. هذي ترانيمي وأدعيَتي ... في قلبيَ الكُرَةُ الأرضيَّةُ انْمَسَحَتْ
من الخطوطِ فقلبي وحــــدةُ الكُرَةِ! ... من أجلِ كلِّ الحُفاَةِ العابرينَ على
دربِ الحياةِ سأمشي دون أحذيةِ! ... حُبًّا لهذا الثرى.. حُبًّا يُمانعُني
أنْ أهتدي بنجومٍ غيرِ مُوحِلَةِ! ... والحبُّ يشهدُ أنِّـــــي فـــــي وثائقِهِ
أسجِّلُ الأرضَ مــــن أفــــرادِ عائلتي ... ***
«بضعٌ وعشرونَ».. فَصَّلتُ الجناسَ لها ... تفصيلَ «زِيٍّ» على أعطافِ «عارضةِ»
أهديتُ للرَّمزِ طربوشاً يُظَلِّلُهُ ... ومــــا بخلتُ على المعنَى بِقُبَّعَةِ
ذاتــــي إذا مــــا نَـــــأَتْ مقدارَ قافيةٍ ... عنِّي، دَنَوْتُ إليها قــــابَ نَرْجِسَةِ!
يأبىَ لِيَ الفَنُّ أنْ آوي إلــــى حَجَرٍ ... مــــا لــــم أُغــــاَدِرْهُ مسكوناً بِلُؤْلُؤَةِ
لا أدَّعي الوحيَ عُلْوِيَّ المدَى، فأنا ... لم أنتسبْ لِسماءٍ غير جمجمتي
نقصٌ من الريشِ في روحي يَهِمُّ بها ... نحو الترابِ إذا هَمَّتْ بِرَفْرَفَةِ!
ما أتعسَ الغصنَ حظاًّ حين تفطمُهُ ... فأسٌ ويكبرُ في أحضانِ مقلمتي!
«بضعٌ وعشرونَ» سهماً كنتُ أطلقُها ... صوبَ الحقيقةِ من أقواسِ أسئلتي
والشكُّ فــــردٌ وحيدٌ لا نصيرَ لـــــهُ ... يلوي بميمنةٍ مِنِّي، وميسرةِ
ليتَ اليقينَ الــــذي طالَتْ أظافرُهُ ... يَحُكُّ ما لم أَطَلْ من ظَهْرِ وَسْوَسَتي!
إنْ صحتُ: آهِ! تَشَظَّى الأُفْقُ عن حُفَرٍ ... غيبيَّةٍ، وتوابيتٍ وأضــــرحـــــةِ!
في خارجي ألفُ حربٍ قادَها بَشَرٌ ... وداخلي ألــــفُ حـــــربٍ بين آلهةِ
لــــو كــــان للسَّهمِ أنْ يرتدَّ ثانيةً ... حَطَّمتُ قوسي وما كَرَّرتُ معركتي!
عدالةُ الريحِ فــــي توزيعِ ثروتِها ... تُغري بِأَنْ أَتَمَنَّى الريحَ مقبرتي!
*** ... حسبي من الغيبِ دربٌ كنتُ أقطعُهُ
مــــن المشيئةِ حتَّى كــــفِّ قابِلَتي ... عَبَرْتُ بالنَّهْرِ مخفوراً فأَوْقَفَني
في الضِّفَتَينِ على مَهْدٍ وشاهِدَةِ! ... بئسَ «العبورُ»! نَزَفْتُ «الأربعينَ» لهُ
ومــــا أَزاَلُ أُوَفِّــــي أَجْــــرَ «تذكرتي» ... لا حبلَ أعقدُ آمـــــالَ النجاةِ بـــــهِ
إذا الهُوِيَّةُ أَضْحَتْ «بئرَ» هاويتي ... أمتدُّ مثل جهاتِ الأرضِ باحثةً
عن ذاتِها دون أنْ آوي إلــــى جهةِ ... «بضعٌ وعشرونَ».. أمشي في مناكبِها
مشيَ العواصفِ إذْ فَوْْضاَيَ خارطتي ... فما ائتلقتُ ولوني لــــونُ سنبلةٍ !
وما اهتديتُ وطولي طولُ مئذنةِ! ... مُزَمَّلٌ في مزاجِ الريحِ حيث دمي
لا يحتفي بجِيادٍ غيــــرِ نافــــرةِ ... هذي تضاريسُ روحي لوْ تَسَلَّقَها
وَعْـــــــلٌ لعــــاَدَ بِأقــــدامٍ مُجَرَّحَةِ ... لا يعرفُ النَّاسُ منِّي غيرَ حنجرةٍ..
يا ليتَهُمْ عَرِفوا ما خلف حنجرتي! ... أنــــا الجمالُ الــــذي عيناهُ تُنكِرُهُ..
هل بعد ذلك للنُّكرانِ من سَعَةِ؟! ... حقلٌ ولكنْ تَخَلَّتْ عنهُ غابتُهُ
فجَفَّ مــــن لَمَعاَنِ القمحِ والــــذُّرَةِ ... سكنتُ إسمي فكان الإسمُ لِي وَطَناً
ولــــم أغــــادرْهُ منفياًّ إلـــــى صِفَتي ... ***
لا تنسبوني إلى «البئرِ» التي اشْتَرَكَتْ ... في ظُلْمِ «يوسفَ».. لا تستغفلوا «أَبَتِي»!
لا تبحثوا وَسْطَ «رحلي» عن مآربِكُمْ.. ... فما هناكَ «صواعٌ» بين أمتعتي
بلى..«شماغي» دماغي لستُ أنزعُهُ ... من فرط ما اتَّحَدَتْ رأسي و«أشمغتي»
بلى..ترابي ثيابي حيث ينسجُها ... لِـــــيَ المكانُ ويرفوها بعاطفتي
يا «أخوةَ» القلبِ.. لم أبرحْ أُعَوِّذُكُمْ ... في الحبِّ أنْ تخلطوا مِلْحاً بِسُكَّرَةِ
إنِّي صفحتُ.. فلا تستنهضوا سَبَباً ... يسعَى إلــــيَّ على أقـــــدامِ معذرةِ
ما كان «يوسفُ» أحلىَ في وسامتِهِ ... من الوسامةِ في صَفْحٍ ومغفرةِ!
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف التاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- استوحيت: وحي: الوَحْيُ: الإِشارة وَالْكِتَابَةُ والرِّسالة والإِلْهام وَالْكَلَامُ الخَفِيُّ وكلُّ مَا أَلقيته إِلى غَيْرِكَ. يُقَالُ: وحَيْتُ إِليه الكلامَ وأَوْحَيْتُ. ووَحَى وَحْياً وأَوْحَى أَيضاً أَي كَتَبَ؛ قَالَ الْعَجَاجُ … (لسان العرب)
- البحث: بحث: البَحْثُ: طَلَبُكَ الشيءَ فِي التُّراب؛ بَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً، وابْتَحَثَه. وَفِي الْمَثَلِ: كالباحِثِ عَنِ الشَّفْرة. وَفِي آخَرَ: كباحِثةٍ عَنْ حَتْفها بظِلْفها؛ وَذَلِكَ أَن شَاةً بَحَثَتْ عَنْ سِكِّين فِي ال … (لسان العرب)
- السهول: سهل: السَّهْلُ: نَقيضُ الحَزْن، وَالنِّسْبَةُ إِليه سُهْلِيٌّ. ونَهَرٌ سَهِلٌ: ذُو سِهْلَةٍ. والسُّهُولَة: ضِدُّ الحُزُونة، وَقَدْ سَهُلَ الموضعُ، بِالضَّمِّ. ابْنُ سِيدَهْ: السَّهْلُ كُلُّ شَيْءٍ إِلى اللِّين وقِلة الْخ … (لسان العرب)
- المعتق: عتق: العِتْقُ: خِلَافُ الرِّق وَهُوَ الْحَرِيَّةُ، وَكَذَلِكَ العَتاقُ، بِالْفَتْحِ، والعَتاقةُ؛ عَتَقَ العبدُ يَعْتِقُ عِتْقاً وعَتْقاً وعَتاقاً وعَتاقَةً، فَهُوَ عَتيقٌ وعاتِقٌ، وَجَمْعُهُ عُتَقاء، وأَعْتَقْتُه أَنا، ف … (لسان العرب)
- بحجم: حجم: الإِحْجامُ: ضدُّ الإِقْدام. أَحْجَمَ عَنِ الأَمر: كَفَّ أَو نَكَصَ هَيْبةً. وَفِي الْحَدِيثِ: أَن رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، أَخذَ سَيْفاً يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: مَنْ يأْخذ هَذَا السَّيْفَ بحَقِّه؟ فأَحْجَم الْقَوْمُ أَي ن … (لسان العرب)
- بضع: بضع: بَضَعَ اللحمَ يَبْضَعُه بَضْعاً وبَضَّعه تَبْضِيعاً: قَطَّعَهُ، والبَضْعةُ: القِطعة مِنْهُ؛ تَقُولُ: أَعطيته بَضعة مِنَ اللَّحْمِ إِذا أَعطيته قِطعة مُجْتَمِعَةً، هَذِهِ بِالْفَتْحِ، وَمِثْلُهَا الهَبْرة، وأَخواتها … (لسان العرب)
- تاء: : التَّاءُ: حَرْفُ هِجَاءٍ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ تاءٌ حَسَنَةٌ، وَتُنْسَبُ الْقَصِيدَةُ الَّتِي قَوافِيها عَلَى التَّاءِ تائيّةٌ، وَيُقَالُ تاوِيَّةٌ، وَكَانَ أَبو جَعْفَرٍ الرُّؤَاسي يَقُولُ بَيَوِيَّة وتَيَوِيَّة؛ ا … (لسان العرب)