هاج برق السعد قمري الهنا
الشاعر: محمد سعيد الحبوبي · البحر: البسيط
«هاج برق السعد قمري الهنا» من شعر محمد سعيد الحبوبي، من العصر الحديث، وتقع في 152 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الجيم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هاجَ بَرقُ السَعدِ قَمَرِيُّ الهَنا ... فَتَغَنّى هَزجاً في هَزجِ
وَسَرَت بِاليَمنِ مِن رَوضِ المُنى ... نِسمَةً هَبَّت بِطيبِ الأَرجِ
وَحَمامُ البِشرِ غَنّى وَتَلا ... سَيرُ اللَهوِ بِنادي الطَرَبِ
قَد رَقى مِنبَرُ بانٍ وَاِعتَلى ... في مُروجٍ كَمُروجِ الذَهَبِ
فَهوَ لا يَنفَكُّ يُملي لِلمَلا ... أَعنَقَت بِالحُزنِ عُنُقاً مَغرِبِ
بغناً ناهيك فيه من غنا ... خمرة اللهو به لم تمزج
أترى معبد القى المدنا ... لحمام السقط والمنعرج
فترى فيها الفضا لما ارتدى ... وله من لامع البرق شنوف
يرقص القطر زفوناً إذ غدا ... يضرب الرعد بجنبيه دفوف
وترى الآكام في قطر الندى ... ظهرت في مده مثل الحروف
وترى فيه الرواسي سفنا ... سبحت ما خرة في لجج
وترى الضب يؤم المكمنا ... ثانياً برثنه لم يعج
وترى منتظم الطل السقيط ... فيه بطن الواديين اتشحا
والصبا قد حملت عرف الخليط ... ولذا كانت لقلبي أرواحا
فصلت هذي وذياك يخيط ... مطرف الزهر فيكسو الأبطحا
إذ حدا الرعد يسوق المزنا ... مثقلات كالظعين المدلج
ودعا عند محاني المنحنى ... يا ربوع ابتشري وابتهجي
عارض الوسمي كم قد روضاً ... وجه وهدٍ وكثيب أوعس
فكأن الماء لما غيضا ... قيل يا أرض أبلعي ثم أكتسي
والبسي أخضر لكن فضضا ... بالأقاحي فهو أسنى ملبس
الحمت آساً وسدت سوسناً ... يد أزهار الربيع الأبهج
ثم حاكته تباهي اليمنا ... هكذا صنعاء لا تنسجي
دولة للزهر ترتاح النفوس ... في تجليها وفي أطوارها
أرغمت كرتها أنف المجوس ... إذ تجلى الماء في أزهارها
كم ترى نجماً ولكن الشموس ... ليس يخفيه سنا أنوارها
وترى وشياً يروق الأعينا ... يرقص الأغصان رقص الغنج
والشقيق الغض يصبي الغصنا ... إذ بدا في خده المنفرج
والثريا مثل كف بضة ... للدجى أو مت فلباها الغسق
أو كعنقود بدا من فضة ... قد جلاه الإفق فالأفق طبق
وسهيل خد خود غضة ... لثمت فاحمر منها وخفق
أو كقلب بالملاح افتتنا ... فهو خفاق كثير الوهج
بات ينزو مستطيراً شجنا ... إذ أتى الليل بظل سجسج
واتانا بعد صد ونفار ... وأصلاً حبلي به من قطعا
زار ليلاً فغدا الليل نهار ... قمر في أفق شعر طلعا
كلما حط عن الثغر الخمار ... شيم برق بالثنايا لمعا
فارتجينا غيث أنس هتنا ... يرتوي منه أوام المرتجي
وقرعنا ثم أبواب الهنا ... ففتحنا كل باب مرتج
وغدا البدر إليه يستشيط ... رام أن يفضحه فافتضحا
أخجل البدر فذا الطل السقيط ... عرق من وجهه قد رشحا
ولئن سح على وجه البسيط ... فبمنديل الدجى قد مسحا
وهو لو أنصفه كان دنا ... وتدلى في مكان الدملج
أم رأى القرط يؤد الأذنا ... ورأى الساق بحجل حرج
ونديمي في أوانيه سعى ... ذو بنان راق في تطريفه
وفر البذل علينا إذ رعى ... عهده فأزور من تطفيفه
طاف بالصغرى وبالكبرى معا ... معجب الصنعة في تأليفه
فهو لي بشرى بإتناج المنى ... إذ سعى نحوي بشكل منتج
جابراً صدعي فيه مذ دنا ... يصدع الليل بوجه أبلج
وأباريق إذا ما عربدت ... أشرقت أكؤسها بين الرياض
بابنة الكرم علنيا قد بدت ... فافتضضنا ختمها لا عن تراض
زوجت من غير عقد فغدت ... تنتج اللؤلؤ من غير مخاض
فانجلت أفراخ در بيننا ... حضتها كف ذات الدملج
أمها في فرع كرم تجتني ... وأبوها من نطاف الحشرج
دع سلاف الخمر في تصفيقه ... وارتشف من ثغره خمر أتروق
حبذا شرب الطلا من ريقه ... أنها أعذب ما يحسو المشوق
لم يدنسها صدا أبريقه ... فلذا ساغت صبوحاً وغبوق
إذ غدا يحسو رضاباً وجنى ... من ثنايا شعشعت بالبلج
تلك للمضنى بها برء الضنى ... وبلال لغليل الوهج
كلما ارتج وهي رمل الكثيب ... خجلاً من موجة في ردفه
وإذا ماس انحنى الغصن الرطيب ... طرباً في هزة من عطفه
فإذا ريح الصبا هبت قريب ... طار قلبي خشية من قصفه
وإذا ما كسر اللحظ لنا ... فتكت الحاظه بالمهج
كم رماني بسهام إذ رنا ... ذلك الريم بطرف أدعج
قائلاً لما جلا لي شنفه ... شم بن برق المنى يا مبتغي
قلت ورد الخد أبغي قطفه ... قال يا عقرب صدغي ألدغي
قلت يا نفس ترجي عطفه ... أو كل البذل لوا والأصدغ
فغدا يضحك مني وانثى ... ينظم القول باسلك الغنج
قال طب نفساً فقد نالت المنى ... ما على أهل الهوى من حرج
قسماً بالراقصات الضمر ... تترامى للمصلى والحجون
وبما يحملن من معتمر ... مسعر القلب بنيران الشجون
بادر النسك بقلب مقصر ... وقضى من منسك الحج شؤون
وبمن بات ثلاث بمنى ... ضارعاً في همه المعتلج
ذاهل اللب عناه ما عنى ... فالتجا حيث يغاث الملتحي
ومبيت الركب في روضة خاخ ... بي أحقاف النقا والأبرق
وبمن يقنص من غير فخاخ ... متهمات كل ركب معرق
كم مول ثار عن قلب أناخ ... فهي أشتات به لا تلتقي
كم رأت عيناي وجهاً حسنا ... بين هاتيك الربي والفرج
من ظباء الخيف إذ عنت لنا ... بين أدماء وخشف أدعج
وبمسرى العيس للحادي اللجوج ... قد كساها الليل ثوب الحلك
في بدور أشرقت بين الحدوج ... قد سبت حسناً بدور الفلك
تخذت من فاحم الشعر بورج ... وحباك الرمل ذات الحبك
في قدود كأنابيب القنا ... بسوى الأدلال لم تنعوج
كم رأى من جاء ذاك الظعنا ... بدر تمٍ مشرق في هودج
وبمن يجررن ربط الأزر ... يختلسن الخطو تيهاً لا حذرا
كل غيداء سعت للمشعر ... قد جلا معصمها رمي الجمار
وانثنت في بدنها للمنحر ... ولها أشفار عينيها شفار
ليت شعري لم تسوق البدنا ... أو لم تفد بسفك المبهج
كل من حج لديها افتتنا ... قد أصاب البر من لم يحجج
لقد أثاقلت عن دين الهوى ... وتخلت من يدري أمراسه
إذ ذوي غصن شبابي فالتوى ... ونسيمي ركدت أنفاسه
أو للغيد أرى نهجاً سوا ... والصبا قد عريت أفراسه
كان ذاك الورد غصن المجتنى ... وشفيعاً مولياً ما أرتجي
خلته يبقى فلم يبق لنا ... وتقضي ليله في دلج
أيها المضني لركب أوجفا ... وزمان عنك فابت شمسه
دعه واسل ويك عما سلفا ... واقتبل دهراً جديداً أنسه
إن موسى مذ أحال الشرفا ... طبق الدنيا سروراً عرسه
وبه قد راق بل رق لنا ... مشرع الأفراح عمر الحجج
إن موسى ونشيدي والهنا ... أرج في أرج في أرج
كان لولا فضل موسى مدركي ... وأياديه التي أعيت أياد
مغرقي دمعي وشوقي مهلكي ... للحبيبين شبابي وسعاد
باليد البيضاء أضحى ممسكي ... إذ طغى فرعون حزني في الفؤاد
ولقد دك به طوط العنا ... إذ بدا في نوره المنبلج
وهو من ياس وكرب قرنا ... كان لي باب الرجا والفرج
رد غرب الشوق في فرحته ... وهو بحر كان لما انبجسا
فاتل ما قد جاء في مدحته ... جعل البحر طريقاً يبسا
وسرى سرحي إلى سرحته ... وعليه ركب شوقي حبسا
قالت الآمال قف بي ههنا ... وعلى وادي طواه عرج
في ذرى جانب طور أيمنا ... هو كهف الملتجي للملتجي
كنت لم آلف لدار مألفا ... أو أرى الحسناء من ألافه
ولكم كلفت ركبي نفنفا ... لم تحم طير على أكنافه
أوطأت حرته نضوي حفا ... فسقى الترب دما أخفافه
تارة شاماً وأخرى يمناً ... مولعاً في مدخل أومخرج
تهت في وادي التصابي زمنا ... وهو أفضاني لأهدي منهج
فأنا أشكره ما اخضر عود ... إنما الشكر جزاء المنعم
وأهنيه بنظم كالعقود ... كان سراً في ضمير الحكم
قارنت بدر الهدى شمس السعود ... فتهانينا بنظم الأنجم
واستنارا بسناء وسنا ... فأضاءا غسق الليل الدجي
مذ أتت تطوي الظلام المردنا ... تتحرى منه أهدى منهج
بذخت في نسب من أحمد ... فهي للجمرة من عدنانه
لشعيب ما اتنمت في محتد ... لا ولم ترع له في ضانه
لم تقف ذائدة عن مورد ... لا ولا اجتازت على أوطانه
فمتى كوكب نوءٍ أكذبا ... ناكثاً في حلفه عهد العهاد
وبروق المزن كانت خلبا ... وغدا البدو يكدون الثماد
وأديم الأرض أضحى أشهبا ... حيث تنصاح الروابي والوهاد
كنت فيه المجتدي والمجتنى ... منه أزهار الربيع الأبهج
وسجايا تمطر الناس غنا ... ظل من في بابه لم يلج
قل لمن جاراه يبغي القصبا ... حازها موسى فلم تستبق
فإذا ما البزل وافت خببا ... قصرت عن شأوهن الحقق
وإذا البر ذون جاري سلهبا ... رد مجراه مضيق أزلق
بالغريين لها لا مدينا ... منزل سامٍ رفيع الدرج
تألف الأملاك منه مأمنا ... فيه ما نام القطا لم يزعج
وهو من في موسم العليا اتجر ... وتجارات المعالي لن تبور
فيه للعافين كنز مدخر ... إن رمت في أزمة قوس الدهور
وهو للأمال بحر قد زخر ... تغرق الشعري به وهي العبور
حاز من شم المعالي القننا ... وبه غير العلى لم تعرج
ذاك نهج قد نبا واستحزنا ... عدلت عنه بنات الأعوج
ليس من جاراه إلا زمنا ... مقعداً في شلل أو عرج
وهو كالبرق وإن كان ونى ... فهو كالهوج سرت في مدرج
ففتى فاراب في تعليمه ... لم يكن من مسكه إلا أريج
يبهز الكندي في تنجيمه ... وهو لا واللَه لم ينظر بزيج
ينزع الخصم إلى تسليمه ... ولكم خاصم أساداً تهيج
فهو إن جادل أو قال أنا ... سطعت حجته بالفلج
وإذا ما غالطوه برهنا ... أي وعينيه بأقوى حجج
فابن سينا لم يكن في علمه ... مثل من في طور سيناء ارتقى
وإياس قطرة في يمه ... وأويس لا يدانيه تقى
وابن قيس لم يقس في حلمه ... وكذا قس إذا ما نطقا
لا تقسه في سواه علنا ... ليس كالحرة لحب المنهج
أم ترى البدر كليل أدكنا ... أم شذا المسك كريح العرفج
عرقت فيه البهاليل ومن ... عرقت فيه البهاليل نجب
نسب أشرق في أفق الزمن ... شهباً تهزأ من ضوء الشهب
من كرام عم شاماً ويمن ... نيلهم فهو كأنواء السحب
كل جيد طوقوه مننا ... مشرقات في الدجى كالسرج
لم يزل ربعهم ربع الهنا ... ومغانيهم مغاني الملتجي
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الجيم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- السقط: سقط: السَّقْطةُ: الوَقْعةُ الشديدةُ. سقَطَ يَسْقُطُ سُقوطاً، فَهُوَ ساقِطٌ وسَقُوطٌ: وَقَعَ، وَكَذَلِكَ الأُنثى؛ قَالَ: مِنْ كلِّ بَلْهاء سَقُوطِ البُرْقُعِ ... بيْضاءَ، لَمْ تُحْفَظْ وَلَمْ تُضَيَّعِ يَعْنِي أَنها لَمْ … (لسان العرب)
- الطرب: طرب: الطَّرَبُ: الفَرَح والحُزْنُ؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وَقِيلَ: الطَّرَبُ خِفَّةٌ تَعْتَري عِنْدَ شدَّة الفَرَح أَو الحُزن وَالْهَمِّ. وَقِيلَ: حُلُولُ الفَرَح وذهابُ الحُزن؛ قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الْهَمِّ: سَأَ … (لسان العرب)
- المدنا: لمد: أَهمله اللَّيْثُ، وَرَوَى أَبو عَمْرٍو: اللَّمْدُ التواضعُ بالذلِّ. (لسان العرب)
- بالحزن: حزن: الحُزْنُ والحَزَنُ: نقيضُ الفرَح، وَهُوَ خلافُ السُّرور. قَالَ الأَخفش: وَالْمِثَالَانِ يَعْتَقِبان هَذَا الضَّرْبَ باطِّرادٍ، والجمعُ أَحْزانٌ، لَا يكسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ حَزِنَ، بِالْكَسْرِ، حَزَناً وت … (لسان العرب)
- باليمن: يَمُنُّ: اليُمْنُ: البَركةُ؛ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ. واليُمْنُ: خِلَافُ الشُّؤم، ضِدَّهُ. يُقَالُ: يُمِنَ، فَهُوَ مَيْمُونٌ، ويَمَنَهُم فَهُوَ يامِنٌ. ابْنُ سِيدَهْ: يَمُنَ الرجلُ يُمْناً ويَمِنَ وتَيَم … (لسان العرب)
- بغنا: غنا: فِي أَسْماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: الغَنِيُّ. ابْنُ الأَثير: هُوَ الَّذِي لَا يَحْتاجُ إِلَى أَحدٍ فِي شيءٍ وكلُّ أَحَدٍ مُحْتاجٌ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الغِنى المُطْلَق وَلَا يُشارِك اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ غيرُهُ. … (لسان العرب)
- بنادي: نأد: النَّآدُ والنَّآدى: الدّاهِيةُ. وداهِيةٌ نَآدٌ ونَؤُودٌ وَنَآدَى، عَلَى فَعالى؛ قَالَ الْكُمَيْتُ: فَإِيَّاكُمْ وداهِيةً نآدَى، ... أَظَلَّتْكُم بِعارِضِها المُخيل نَعَتَ بِهِ الدَّاهِيَةَ وَقَدْ يَكُونُ بَدَلًا، وَ … (لسان العرب)
- تمزج: مزج: المَزْجُ: خَلْطُ المِزاجِ بِالشَّيْءِ. ومَزْجُ الشرابِ: خَلْطُه بِغَيْرِهِ. ومِزاجُ الشرابِ: مَا يُمْزَجُ بِهِ. ومَزَجَ الشيءَ يَمْزُجُه مَزْجاً فامْتَزَجَ: خَلَطَه. وشرابٌ مَزْجٌ: مَمْزُوجٌ. وكلُّ نَوْعَيْنِ امْتَز … (لسان العرب)