بي يا ساقي الطلا ابدأ اولا

الشاعر: محمد سعيد الحبوبي · البحر: الرجز

«بي يا ساقي الطلا ابدأ اولا» من شعر محمد سعيد الحبوبي، من العصر الحديث، وتقع في 143 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الفاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

بي يا ساقي الطلا ابدأ أولا — وبي اختم دورها من قرقف

ألبست خديك منها شعلا — تسلب الليل رداء السدف

خمرة فاح شذاها بعدما — فضح الأرجاء بل أرجها

هي من نار ولكن كلما — نضح الماء بها أججها

وحباب المزج فيها انتظما — كثغور جل من فلجها

وبدت فيها لآلٍ تجتلي — ما حكتهن لآلي الصدف

عقدت في نظمها عقد الولا — رصفه راق كماء الرصف

حربها حربي وسلمي سلمها — فأناً مغرىً بها بها مستهتر

من خدود الغيد يجني كرمها — وبأحدق المها تعتصر

فإذا ما فض عنها ختمها — في الدجى بات الدجى يستعر

سكب الماء بها فاشتعلا — وأبت شعلتها أن تنطفي

وهي في الحالين عند النبلا — منية المقتبس المغترف

من ثناياك استعارت حببا — ومن الريق طلاها تستعار

فكأن صورة ثغر أشنبا — لاثه الخمر وما لاث الخمار

رشحه لو لم نصفه ذهبا — لم يكن في معصم الساقي سوار

فهو لو ينطق ما بين الملا — لسوى ثغرك لم يعترف

فاسقني ثغر لا ثغر الطلا — أنه أعذب للمرتشف

خمرة عتقها القس سنين — فأقامت وهي لا تبغي حول

فهي في بطن الحوانيت جنين — وهي تروي سير الفرس الأول

أفصحت إذ بات عياً من تلا — شرح أنبائهم في الصحف

كم جلوناها وكم فيها انجلى — نبأ القس وسر الأسقف

أبداً تجلى ويجلى القمر — فيرى ثم لها سر أنيق

طاب في مثل حساها السمر — إذ بدت تحسبها نار الفريق

وإذا الركب رأوها أبصروا — وأضح النهج وقد ضلوا الطريق

تترك المعقول حساً للملا — وهي من وشي البها في مطرف

فترى فيها الطراز الأولا — وهي تحكيه عياناً فتفي

كن لدى جلوتها منتبها — فعلى تكييفها طال اللجاج

أهي بالكاس أم الكأس بها — أذ بدت صرفاً فأخفاها المزاج

فهماً شيء بدا مشتبها — أم هما شيئان خمر وزجاج

لا الطلا كأس ولا الكأس طلا — عزب القصد على المعتسف

ولها إن شئت فاضرب مثلا — وحدة الوصف مع المتصف

فهي لا تنفك تجلو حببا — كاللآلي انتظمت في سلكها

هي كالفضة لاقت ذهبا — وغدت ممتازة في سبكها

أو كشمس بسناك اتصلا — ما أتى الدهر بليل مسدف

والذي أبصر ليلاً أليلا — فهو عن مرآكما في كنف

من فم الإبريق لما انسكبت — شربتها مقلتي قبل فمي

أترى كفك منها اختضبت — بدم العنقود لا بلا بدمي

هي من نار إذا ما التهبت — أحرقت بالكف زهر العندم

إن ما خضب تلك الأنملا — دم مشعوف جرى من شعف

طل في تلك الترافي والطلى — وسوى خدك لم يغترف

هاتها تشرق في أكوابها — صبغت ثوب الدجى لون الصباح

على نفسي من ضني أوصابها — تجد البرء ويعروها ارتياح

وأنعتنها ويك في ألقابها — فهي روح وهي روح وهي راح

وكأوصاف الطلا ساقي الطلا — ولماه العذب للمرتشف

إذ سعى يرتاح فيها معجلا — عاثراً بالريط ريط الرفرف

رشأٌ يرتاع من مغرمه — وهو في مأمنه بين الفرق

وإذا ما خفت من لومه — ظلت أكني عنه بالغصن الرشيق

ولكم موهت عن مبسمه — بثنايا الجزع من وادي العقيق

قد لوى جيدي عن ريم الفلا — ربرب القصر ربيب الترف

جؤذر قد راح يأوي منزلا — بين أطباق الضلوع الرجف

فهو من قلبي يأوي مكنسا — وبأجفاني إذ تنطبق

ناظماً دمعي إذ ما انبجسا — لؤلؤاً في جيده يتسق

وعلى نار الصبا قد غرسا — ورد خديه فلا يحترق

وبميل السحر لما اكتحلا — مسح اللحظ بحد المرهف

وجلا سيفاً ورمحاً قتلا — وهما من دعج أو هيف

رقرقت وجنته ماء الشباب — فأراقت أدمعي فيه المقل

ولنار الحسن في الخد التهاب — يبعث الوجد إلينا بالقبل

كم رنا لا بل رمى أصاب — من حشا عاشقه مأوى الغلل

وإذا الألحاظ كانت أنصلا — لم يكن غير الحشا من هدف

أي وعينيه إذا ما اعتقلا — صعدةً من قده المنعطف

علق القرط بأذنيه وثن — ضل من صلى إليه وغوى

كم بذاك القرط ذو اللب افتتن — إذ تجلى وعلى العرش استوى

مرسلاً من سبط الشعر علن — ودعا الناس إلى شرع الهوى

كافراً جاء إلينا مرسلاً — وهو لم يؤمن بما في الصحف

أتلف الناس جيمعاً وتلا — ليس من شرعي ضمان التلف

ذاك ريم بات عندي بعدما — أخذت منه الحميا مأخذ

كلما قبلته ملتثما — فاح لي من نشره طيب الشذا

ولقد عنقته ملتزما — شارباً ريقته حتى إذا

ما أباح الصبح لما اتصلا — أقحوان الشهب للمقتطف

كان كالبدر تجلى وانجلى — أو كما طاحت يد من كتف

بمحياً قد بدا فانعكسا — شكله شمساً أضاءت مطلعا

فكأن الليل لما اندرسا — ثم غيمٌ قد غشى فانقشعا

وكأن الدهر زهر يبسا — بعد أن أينق أو أن أينعا

وكأن البدر لما أفلا — درهم ضمته كف الصيرفي

وكأن الصبح لما أقبلا — مفعم سال بقاع صفصف

فلتطب نفسي عن أخدانها — فالأماني ضلة بعد الفراق

أين من نجد ومن سكانها — قاطن الحيرة من أرض العراق

إنما الراحة في سلوانها — وعناء ذكر أيام التلاق

كم مشوق قد تسلى فسلا — وطوى الأشواق طي الصحف

وإذا ظل الوصال انتقلا — لم يعد فائته بالأسف

بيد أني شمت في ربع الهنا — بارقاً لاح به يأتلق

ظل يحدو للأماني مزنا — هي بالأنس غدت تندفق

صدقتني وعدها فيها المنى — وهي في عهدي قليلاً تصدق

جددت لي عيشها المقتبلا — وغدت تنجز وعد المخلف

ولعمري قد بلغت الأملا — ولقد شاع الهنا في كنفي

يوم تزويج بدور وشموس — بزغت ليلاً وباتت بزغا

واصلت نوراً بمرآة النفوس — أدركت أمناً ونالت مبتغى

هزمت في سعدها جيش النحوس — وبها ثوب النحوس انصبغا

فشدا القمري لا بل هلهلا — بمثاني الساغبات الهتف

ملأت بالبشر أقطار الملا — فرحة بأرض النجف

يا أبا القاسم خذها قسما — بمعاليك بلا خنث ومين

أنت لو تخطب من أم السما — بنتها الشمس لزفت رأي عين

وأتت تنحو مغانيك كما — أقبلت تنحوك شمس الحسبين

أو لست البدر لما انسدلا — فوق متن الليل ثوب السدف

ومعير الروض خلقاً مجتلي — من سجاياك بأسنى زخرف

فاهن يا عباس في قرة عين — وأشأ سبقاً يا جواد الحلبات

بفتاتين هما بالمنسكين — طافتا والعرف ينحو عرفات

زارتا شمسين برجي قمرين — فغدا سعد قران النيرات

قلت إذ ذاك وهي اتصلاض — من لفي تلك وذا في مألف

تلك بلقيس سليمان العلى — وكذا هذي زليخا يوسف

حبذا أناء لهوٍ قد غدا — باسم الثغر بها عباسها

بلغت فيها الورى أقصى مدى — للهنا حيث جرت أفراسها

وإذا ما أسرةٌ عمت يدا — بالندى عمت هنا أعراسها

وكذا أنتم بلى ثم بلى — لم تزالوا خلفاً عن سلف

فاشد يا سعد وغن طربا — وجد العود بجس الوتر

فاح نشر البشر ترويه الصبا — وسرى منه بذيل عطر

وجرت خيل التهاني خببا — لعلي المجد سامي المفخر

من له ابتز المعالي حللا — وهي في دهري شمس الشرف

يتوارى البدر منه خجلا — كيف يرعاه بوجه كلف

ملك ما إن تجلى وبدا — سجد الدهر على أقدامه

وله تاج الكمال انعقدا — واستقام الشرع في أحكامه

ولكم جد له واجتهدا — رافعاً للزيغ في أقلامه

رب أقلام تضاهي الأسلا — في شباها وحدود المشرفي

هي أحرى للفتى معتقلا — حيث لا زحف لغير الأحرف

علم يؤتم في للرشاد — إن دجا للجهل مسدف

ببيان لو وعى قس أياد — مثله راح به ينشغف

ولسان كلما أدبى أعاد — جاحد الفضل له يعترف

يتثنى الدهر فيه جذلا — فهو منهز بقدٍّ أهيف

أترى ذا الحبر يملي الغزلا — أم ترى للدهر فرط الشغف

ذو قدور ملأت صدر الفضاء — راسيات أو جفانٍ كالجواب

فاسأل الغيث إذا ما انهملا — عن ندى كفيه إن تكتف

عن ندى كفِّ نداها أخجلا — طله غيث الغمام الوكف

فلو أن الغيث يمتاز الندى — منه ما أجدب يوماً مشهد

واستهل البرق منه عسجدا — ولجيناً هل فيه البرد

وكذا البحر لو نال يدا — من أياديه إذا ما يزيد

لجلا اللؤلؤ للناس ولا — حازه في قعره بالصدف

وغدا بينهم مبتذلا — أي وعينيه ابتذال الخزف

ذاك من لو كلنا مداحه — ما نرى بالعشر من معشاره

تحسب الغلي بها كان رغاء — فحل البزل بها وهي عراب

وإذا ما اتنصبت عند الغناء — فأثافيها شماريخ الهضاب

وإذا ما الليل ألقى كلكلا — أو قدوا نيرانها بالشغف

أوقدوا العود بها والمندلا — فهو للأعين أو للأنف

لا يرى لا لجواب تصلح — ونعم تأتي فتاتينا النعم

صحفت في لظه إذ تفتح — نونها أدهى للناس نعم

ذات لا يسام مما يسمح — وسخاء الطبع لا يدري السآم

ذاك إن جن الدجى مصباحه — يفضح البدر سنا أنواره

مدحه قد عجزت شراحه — فاكتفوا بالعين من آثاره

غير أني رمت فيها رتلا — أن أوشي في ثناه صحفي

ونظمت الشهب فيه جملا — كي أحليها بأسنى شرف

لم يزل منك عل جيد الفخام — طوق عز أبد الدهر اتصل

صاغه من صاغ أطواق الحمام — وكسا الطاووس موشي الحلل

وغدا مغناك مأوىً للملا — ملجأ الخائف خصب المعتفي

ما شدت ورق وغنت طربا — ترقص الغض بروض أنف

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

القافية: رويّها حرف الفاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • اختم: أَخْتَمَ يُختِمُ إخْتَاماً :- ـه الكتابَ: جعله يتمُّه ويبلغ آخره؛ أختمه القرآنَ. - الكتابُ: حان أن يُختََم.
  • الرصف: رصف: الرَّصْفُ: ضَمُّ الشَّيْءُ بعضِه إِلَى بَعْضٍ ونَظْمُه، رَصَفَه يَرْصُفُه رَصْفاً فارْتَصَفَ وتَرَصَّفَ وتَراصَفَ. قَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ لِلْقَائِمِ إِذَا صَفَّ قَدَمَيْهِ رَصَفَ قَدَمَيْهِ، وَذَلِكَ إِذَا ضَمَّ …
  • السدف: سدف: السَّدَفُ، بِالتَّحْرِيكِ: ظُلْمة اللَّيْلِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لحُمَيْد الأَرْقط: وسَدَفُ الخَيْطِ البَهِيم ساتِرُه وَقِيلَ: هُوَ بَعْدَ الجُنْحِ؛ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُك بالقَوادِمِ مَرَّةً، ... وعَليَّ مِنْ …
  • الصدف: صدف: الصُّدُوفُ: المَيْلُ عَنِ الشَّيْءِ. وأَصْدَفَني عَنْهُ كَذَا وَكَذَا أَي أَمالَني. ابْنُ سِيدَهْ: صَدَفَ عَنْهُ يَصْدِفُ صَدْفاً وصُدُوفاً: عَدَلَ. وأَصْدَفَه عَنْهُ: عَدَل بِهِ، وصَدَفَ عَنِّي أَي أَعْرَضَ. وَقَوْ …
  • الطلا: الطَلا: الولد من ذوات الظِلف، والجمع أطْلاءٌ. وأنشد الأصمعي لزهير: بها العينُ والآرامُ يَمشينَ خِلْفَةً * وأَطْلاؤُها ينْهَضْنَ من كل مَجْثَمِ والطَلا: الشَخص ؛ يقال: إنَّه لجميل الطلا. وأنشد أبو عمرو: وخَدٍّ كَمَتْنِ ال …
  • المزج: مزج: المَزْجُ: خَلْطُ المِزاجِ بِالشَّيْءِ. ومَزْجُ الشرابِ: خَلْطُه بِغَيْرِهِ. ومِزاجُ الشرابِ: مَا يُمْزَجُ بِهِ. ومَزَجَ الشيءَ يَمْزُجُه مَزْجاً فامْتَزَجَ: خَلَطَه. وشرابٌ مَزْجٌ: مَمْزُوجٌ. وكلُّ نَوْعَيْنِ امْتَز …
  • الولا: الوَلاَءُ [ ولي]: المِلْكُ.-: القُربُ.-: القَرَابَةُ؛ بَيْني وبين جاري وَلاءُ.-: النُّصْرَةُ؛ عُرِفَ هذا الشخصُ بولائه لجماعة المعارضة.-: المحبّةُ.-: التتابعُ؛ جاؤوا ولاءً.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة