يا ظَبيَةً أَشبَه شَيءٍ بِالمَها
الشاعر: ابن دريد الأزدي · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة غزل
«يا ظَبيَةً أَشبَه شَيءٍ بِالمَها» من شعر ابن دريد الأزدي، من العصر العباسي، وتقع في 203 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الجيم، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا ظَبيَةً أَشبَه شَيءٍ بِالمَها ... تَرعى الخُزامى بَينَ أَشجارِ النَقا
إِمّــــا تَرَي رَأسِيَ حاكي لَونُهُ ... طُرَّةَ صُبحٍ تَحتَ أَذيالِ الدُجى
وَاِشتَعَلَ المُبيَضُّ في مُسوَدِّهِ ... مِثلَ اِشتِعالِ النارِ في جَزلِ الغَضى
فَكانَ كَاللَيلِ البَهيمِ حَلَّ في ... أَرجائِهِ ضَوءُ صَباحٍ فَاِنجَلى
وَغاضَ ماءَ شِرَّتي دَهرٌ رَمى ... خَواطِرَ القَلبِ بِتَبريحِ الجَوى
وَآضَ رَوضُ اللَهوِ يَبساً ذاوِياً ... مِن بَعدِ ما قَد كانَ مَجّاجَ الثَرى
وَضَــــرَّمَ النَــــأيُ المُــــشِتُّ جَذوَةً ... ما تَأتَلي تَسفَعُ أَثناءَ الحَشا
وَاِتَّخَذَ التَسهيدُ عَيني مَألَفاً ... لَمّا جفا أَجفانَها طَيفُ الكَرى
فَكُلُّ ما لاقَيتُهُ مُغتَفَرٌ ... في جَنبِ ما أَسأَرَهُ شَحطُ النَوى
لَو لابَسَ الصَخرَ الأَصَمَّ بَعضُ ما ... يَلقاهُ قَلبي فَضَّ أَصلادَ الصَفا
إِذا ذَوى الغُصنُ الرَطيبُ فَاِعلَمَن ... أَنَّ قُـــــصـــــاراهُ نَــــفــــاذٌ وَتَــــوى
شَجيتُ لا بَل أَجرَضَتني غُصَّةٌ ... عَنودُها أَقتَلُ لي مِنَ الشَجى
إِن يَحم عَن عَيني البُكا تَجَلُّدي ... فَالقَلبُ مَوقوفٌ عَلى سُبلِ البُكا
لَو كانَتِ الأَحلامُ ناجَتني بِما ... أَلقاهُ يقظانَ لأَصماني الرَدى
مَنزلةٌ مَا خِلتها يَرضى بِها ... لِنَـــــفـــــسِهِ ذو أرَبٍ وَلا حِـــــجـــــى
شــــيــــمُ سَــــحــــابٍ خُــــلَّبٍ بــــارِقُهُ ... وَمَوقِفٌ بَينَ اِرتِجاءٍ وَمُنى
في كُلِّ يَومٍ مَنزِلٌ مُستَوبلٌ ... يَشتَفُّ ماءَ مُهجَتي أَو مُجتَوى
ما خِلتُ أَنَّ الدَهرَ يُثنيني عَلى ... ضَرّاءَ لا يَرضى بِها ضَبُّ الكُدى
أُرَمِّقُ العَيشَ عَلى بَرصٍ فَإِن ... رُمتُ اِرتِشافاً رُمتُ صَعبَ المُنتَهى
أَراجِعٌ لي الدَهرُ حَولاً كامِلاً ... إِلى الَّذي عَوَّدَ أَم لا يُرتَجى
يا دَهرُ إِن لَم تَكُ عُتبى فَاِتَّئِد ... فَــــإِنَّ إِروادَكَ وَالعُتبى سَوا
رَفِّهــ عَلَيَّ طالَما أَنصَبتَني ... وَاِستَبقِ بَعضَ ماءِ غُصنٍ مُلتَحى
لا تَحسبَن يا دَهرُ أَنّي جازِعٌ ... لِنَكبَةٍ تُعرِقُني عرقَ المُدى
مارَستُ مَن لَو هَوَتِ الأَفلاكُ مِن ... جَوانِبِ الجَوِّ عَلَيهِ ما شَكا
وَعَدَّ لَو كانَت لَهُ الدُنيا بِما ... فيها فَزالَت عَنهُ دُنياهُ سوا
لَكِنَّها نَفثَةَ مَصدورٍ إِذا ... جاشَ لُغامٌ مِن نَواحيها عمى
رَضيتُ قَسراً وَعَلى القسرِ رِضى ... مَن كانَ ذا سُخطٍ عَلى صرفِ القضا
إِنَّ الجَديدَينِ إِذا ما اِستَولَيا ... عَلى جَديدٍ أَدنياهُ لِلبِلى
ما كُنتُ أَدري وَالزَمانُ مولَعٌ ... بِشَتِّ مَلمومٍ وَتَنكيثِ قُوى
أَنَّ القَضاءَ قاذِفي في هُوَّةٍ ... لا تَستَبِلُّ نَفس مَن فيها هوى
فَإِن عَثرتُ بَعدَها إِن وَأَلَت ... نَفسِيَ مِن هاتا فَقولا لا لعا
وَإِن تَــــكُــــن مُدَّتُها مَوصولَةً ... بِالحَتفِ سَلَّطتُ الأُسا عَلى الأَسى
إِنَّ اِمرأَ القَيسِ جَرى إِلى مَدى ... فَاِعتاقَهُ حِمامُهُ دونَ المَدى
وَخامَرَت نَفسُ أَبي الجَبرِ الجَوى ... حَتّى حَواهُ الحَتفُ فيمَن قَد حَوى
وَاِبنُ الأَشَجِّ القَيلُ ساقَ نَفسَهُ ... إِلى الرَدى حِذارَ إِشماتِ العِدى
وَاِختَرَمَ الوَضّاحَ مِن دونِ الَّتي ... أَمَّلَها سَيفُ الحِمامِ المُنتَضى
وَقَد سَما قَبلي يَزيدٌ طالِباً ... شَأوَ العُلى فَما وَهى وَلا وَنى
فَاِعتَرَضَت دونَ الَّذي رامَ وَقَد ... جَدَّ بِهِ الجِدُّ اللُهَيمُ الأُرَبى
هَل أَنا بِدعٌ مِن عَرانين عُلىً ... جارَ عَلَيهِم صَرفُ دَهرٍ وَاِعتَدى
فَإِن أَنالَتني المَقاديرُ الَّذي ... أَكيدُهُ لَم آلُ في رَأبِ الثَأى
وَقَد سَما عَمرٌو إِلى أَوتارِهِ ... فَاِحتَطَّ مِنها كُلَّ عالي المُستَمى
فَاِستَنزَلَ الزَبّاءَ قَسراً وَهيَ مِن ... عُقابِ لَوحِ الجَوِّ أَعلى مُنتَمى
وَسَــــيفٌ اِستَعلَت بِهِ هِمَّتُهُ ... حَتّى رَمى أَبعَدَ شَأوِ المُرتَمى
فَجَرَّعَ الأُحبوشَ سُمّاً ناقِعاً ... وَاِحتَلَّ مِن غمدانَ مِحرابَ الدُمى
ثُمَّ اِبنُ هِندٍ باشَرَت نيرانُهُ ... يَومَ أُوارات تَميماً بِالصلى
ما اِعتَنَّ لي يَأسٌ يُناجي هِمَّتي ... إِلّا تَحَدّاهُ رَجاءٌ فَاِكتَمى
أَلِيَّةً بِاليَعمُلاتِ يَرتَمي ... بِها النجاءُ بَينَ أَجوازِ الفَلا
خوصٌ كَأَشباحِ الحَنايا ضُمَّر ... يَرعَفنَ بِالأَمشاجِ مِن جَذبِ البُرى
يَرسُبنَ في بَحرِ الدُجى وَبِالضحى ... يَطفونَ في الآلِ إِذا الآلُ طَفا
أَخفافُهُنَّ مِن حَفاً وَمِن وَجى ... مَرثومَةٌ تَخضبُ مُبيَضَّ الحَصى
يَحمِلنَ كُلَّ شاحِبٍ مُحقَوقفٍ ... مِن طولِ تدآبِ الغُدُوِّ وَالسُرى
بَرٍّ بَرى طولُ الطَوى جُثمانَهُ ... فَهوَ كَقَدحِ النَبعِ مَحنِيُّ القَرا
يَنوي الَّتي فَضَّلَها ربُّ العُلى ... لَمّا دَحا تُربَتَها عَلى البُنى
حَتّى إِذا قابَلَها اِستَعبَرَ لا ... يَملِكُ دَمعَ العَينِ مِن حَيثُ جَرى
فَأوجَبَ الحَجَّ وثَنّى عمرةً ... مِن بَعدِ ما عَجَّ وَلَبّى وَدَعا
ثُمَّتَ طافَ وَاِنثَنى مُستَلِماً ... ثُمَّتَ جاءَ المَروَتَينِ فَسَعى
ثُمَّتَ راحَ في المُلَبّينَ إِلى ... حَيثُ تَحَجّى المَأزمانِ وَمِنى
ثُمَّ أَتى التَعريفَ يَقرو مُخبِتاً ... مَواقِفاً بَينَ أُلالٍ فَالنَقا
ثُمَّ أَتى المَشعَرَ يَدعو رَبَّهُ ... تَضَرُّعاً وَخُفيَةً حَتّى هَمى
وَاِستَأنَفَ السَبعَ وَسَبعاً بَعدَها ... وَالسبعَ ما بَينَ العِقابِ وَالصُوى
وَراحَ لِلتَوديعِ فيمَن راحَ قَد ... أَحرَزَ أَجراً وَقَلى هُجرَ اللغا
بَذاكَ أَم بِالخَيلِ تَعدو المَرطى ... ناشِزَةً أَكتادها قُبَّ الكُلى
شُعثاً تَعادى كَسَراحينِ الغَضا ... مَيلَ الحَماليقِ يُبارينَ الشَبا
يَــــحــــمِــــلنَ كُلّ شمَّرِيٍّ باسِلٍ ... شَهمِ الجَنانِ خائِضٍ غَمرَ الوَغى
يَغشى صَلى المَوتِ بِحَدَّيهِ إِذا ... كانَ لَظى المَوت كَريهَ المُصطَلى
لَو مُثِّلَ الحَتفُ لَهُ قِرناً لَما ... صَدَّتهُ عَنهُ هَيبَةٌ وَلا اِنثَنى
وَلَو حَمى المقدارُ عَنهُ مُهجَةً ... لَرامَها أَو يَستَبيحَ ما حَمى
تَغدو المَنايا طائِعاتٍ أَمرَهُ ... تَرضى الَّذي يَرضى وَتَأبى ما أَبى
بَل قَسَماً بِالشُمِّ مِن يَعرُبَ هَل ... لِمُقسمٍ مِن بَعدِ هَذا مُنتَهى
هُمُ الأُلى إِن فاخَروا قال العُلى ... بِفي اِمرِئٍ فاخَرَكُم عَفرُ البَرى
هُمُ الأُلى أَجرَوا يَنابيعَ النَدى ... هامِيةً لِمَن عَرى أَو اِعتَفى
هُمُ الَّذينَ دَوَّخوا مَنِ اِنتَخى ... وَقَوَّموا من صَعَر وَمَن صَغا
هُمُ الَّذينَ جَرَّعوا مَن ما حلوا ... أَفاوِقَ الضَيمِ مُمرّاتِ الحُسا
أَزالُ حَشوَ نَثرَةٍ مَوضونَةٍ ... حَتّى أُوارى بَينَ أَثناءِ الجُثى
وَصــــاحِبايَ صَرِمٌ في مَتنِهِ ... مِثل مَدَبِّ النَملِ يَعلو في الرُبى
أَبيَضُ كَالمِلحِ إِذا اِنتَضَيتَهُ ... لَم يَلقَ شَيئاً حَدُّهُ إِلّا فَرى
كَــــأَنَّ بَــــيــــنَ عَــــيــــرِهِ وَغَــــربِهِ ... مُفتَأَداً تَأَكَّلَت فيهِ الجُذى
يُري المَنونَ حينَ تَقفو إِثرَهُ ... في ظُلَمِ الأَكبادِ سُبلاً لا تُرى
إِذا هَوى في جُثَّةٍ غادَرَها ... مِن بَعدِ ما كانَت خَساً وَهيَ زكا
وَمُشرِفُ الأَقطارِ خاظٍ نَحضُهُ ... حابي القُصَيرى جرشَعٌ عَردُ النَسا
قَريبُ ما بَينَ القَطاةِ وَالمطا ... بَعيدُ ما بَينَ القَذالِ وَالصَلا
سامي التَليلِ في دَسيعٍ مُفعَمٍ ... رَحبُ الذراعِ في أَميناتِ العُجى
رُكِّبــــنَ في حَواشِب مُكتَنَّةٍ ... إِلى نُسورٍ مِثلَ مَلفوظِ النَوى
يَرضَخُ بِالبيدِ الحَصى فَإِن رَقى ... إِلى الرُبى أَورى بِها نارَ الحبى
يُديرُ إِعليطَينِ في مَلمومَةٍ ... إِلى لَموحَينِ بِأَلحاظِ اللأى
مُداخلُ الخَلقِ رَحيبٌ شَجرُهُ ... مُخلَولِقُ الصَهوَةِ مَمسودٌ وَأى
لا صَكَكٌ يشينُهُ وَلا فَجا ... وَلا دَخــــيــــسٌ واهِــــنٌ وَلا شَظى
يَجري فَتَكبو الريحُ في غاياتِهِ ... حَسرى تَلوذُ بِجَراثيمِ السَحا
لَوِ اِعتَسَفتَ الأَرضَ فَوقَ مَتنِهِ ... يَجوبُها ما خِفت أَن يَشكو الوَجى
تَظُنُّهُ وَهوَ يُرى مُحتَجِباً ... عَــــنِ العُــــيــــونِ إِن ذَأى وَإِن رَدى
إِذا اِجتَهَدتَ نَظَراً في إِثرِهِ ... قُلتَ سَناً أَومَضَ أَو بَرقٌ خَفا
كَأَنَّما الجَوزاءُ في أَرساغِهِ ... وَالنَجم في جَبهَتِهِ إِذا بَدا
هُما عتادي الكافِيانِ فَقدَ مَن ... أَعدَدتُهُ فَليَنأَ عَنّي مَن نَأى
فَإِن سَمِعت بِرَحىً مَنصوبَة ... لِلحَربِ فَاِعلَم أَنَّني قُطبُ الرَحى
وَإِن رَأَيتَ نارَ حَربٍ تَلتَظي ... فَاِعلَم بِأَنّي مُسعِرٌ ذاكَ اللَظى
خَيرُ النُفوسِ السائِلاتُ جَهرَةً ... عَلى ظُباتِ المُرهَفاتِ وَالقَنا
إِنَّ العِـــــراقَ لَم أُفـــــارِق أَهــــلَهُ ... عَــــن شَــــنَآنٍ صَدَّني وَلا قِلى
وَلا اِطَّبى عَينيَّ مُذ فارَقتُهُم ... شَيءٌ يَروقُ الطَرفَ مِن هَذا الوَرى
هُم الشَناخيبُ المُنيفاتُ الذُرى ... وَالناسُ أَدحالٌ سِواهُم وَهوى
هُــــمُ البُــــحــــورُ زاخِــــرٌ آذِيُّهــــا ... وَالناسُ ضَحضاحٌ ثِغابٌ وَأَضى
إِن كُنتُ أَبصَرتُ لَهُم مِن بَعدِهِم ... مِثلاً فَأَغضَيتُ عَلى وَخزِ السَفا
حاشا الأَميرَينِ الَّلذينِ أَوفَدا ... عَلَيَّ ظِلّاً مِن نَعيمٍ قَد ضَفا
هُما اللَذانِ أَثبَتا لي أَملاً ... قَد وَقَفَ اليَأسُ بِهِ عَلى شَفا
تَلافَيا العَيشَ الَّذي رَنَّقَهُ ... صَرفُ الزَمانِ فَاِستَساغَ وَصفا
وَأَجرَيا ماءَ الحَيا لي رَغَداً ... فَاِهتَزَّ غُصني بَعدَما كانَ ذوى
هُما اللَذانِ سَمَوا بِناظِري ... مِن بَعدِ إِغضائي عَلى لَذعِ القَذى
هُما اللَذانِ عَمَّرا لي جانِباً ... مِنَ الرَجاءِ كانَ قِدماً قَد عَفا
وَقَــــلَّدانــــي مِــــنَّةــــً لَو قُرِنَت ... بِشُكرِ أَهلِ الأَرضِ عَنِّيـ ما وَفى
بِالعُشرِ مِن مِعشارِها وَكانَ كَال ... حَسوَةِ في آذِيِّ بَحرٍ قَد طَما
إِنَّ اِبنَ ميكالَ الأَمير اِنتاشَني ... مِن بَعدِما قَد كُنتُ كَالشَيءِ اللقى
وَمَدَّ ضَبعي أَبو العَبّاسِ مِن ... بَعدِ اِنقِباضِ الذَرعِ وَالباعِ الوَزى
ذاكَ الَّذي ما زالَ يَسمو لِلعُلى ... بِفِعلِهِ حَتّى عَلا فَوقَ العُلى
لَو كانَ يَرقى أَحَدٌ بِجودِهِ ... وَمَجدِهِ إِلى السَماءِ لاِرتَقى
ما إِن أَتى بَحرَ نَداهُ مُعتَفٍ ... عَـــــلى أُوارى عـــــلمٍ إِلّا اِرتَــــوى
نَفسي الفِداءُ لِأَميرَيَّ وَمَن ... تَحتَ السَماءِ لِأَميرَيَّ الفِدى
لا زالَ شُكري لَهُما مُواصِلاً ... لَفظي أَو يَعتاقَني صَرفُ المنى
إِنَّ الأُلى فارَقتُ مِن غَيرِ قِلىً ... ما زاغَ قَلبي عَنهُمُ ولا هَفا
لَكِنَّ لي عَزماً إِذا اِمتَطَيتُهُ ... لِمُبهَمِ الخَطبِ فَآه فَاِنفَأى
وَلَو أَشاءُ ضَمَّ قُطرَيهِ الصِبا ... عَلَيَّ في ظِلّي نَعيمٍ وَغِنى
وَلاعَبَتني غادَةٌ وَهنانَةٌ ... تُضني وَفي ترشافِها بُرءُ الضَنى
تَفري بِسَيفِ لَحظِها إِن نَظَرَت ... نَظرَةَ غَضبى مِنك أَثناءَ الحَشا
في خَدِّها رَوضٌ مِنَ الوَردِ عَلى الن ... نسرينِ بِالأَلحاظِ مِنها يُجتَنى
لَو ناجَتِ الأَعصَمَ لاِنحَطَّ لَها ... طَوعَ القِيادِ مِن شَماريخِ الذُرى
أَو صابَتِ القانِتَ في مُخلَولِقٍ ... مُستَصعَبِ المَسلَكِ وَعرِ المُرتَقى
أَلهاهُ عَن تَسبيحِهِ وَدينِهِ ... تَأنيسُها حَتّى تَراهُ قَد صَبا
كَأَنَّما الصَهباءُ مَقطوبٌ بِها ... ماءُ جَنى وَردٍ إِذا اللَيلُ عَسا
يَمتاحُهُ راشِفُ بَردِ ريقِها ... بَينَ بَياضِ الظَلمِ مِنها وَاللمى
سَقى العَقيقَ فَالحَزيزَ فَالمَلا ... إِلى النُحَيتِ فَالقُرَيّاتِ الدُنى
فَالمِربد الأَعلى الَّذي تَلقى بِهِ ... مَصارِعَ الأُسدِ بِأَلحاظِ المَها
مَــــحَــــلَّ كُــــلِّ مُقرِمٍ سَمَت بِهِ ... مَآثِرُ الآباءِ في فَرعِ العُلى
مِنَ الأُلى جَوهَرُهُم إِذا اِعتَزَوا ... مِن جَوهَرٍ مِنهُ النَبِيُّ المُصطَفى
صَلّى عَلَيهِ اللَهُ ما جَنَّ الدُجى ... وَما جَرَت في فَلَكٍ شَمسُ الضُحى
جَونٌ أَعارَتهُ الجَنوبُ جانِباً ... مِنها وَواصَت صَوبَهُ يَدُ الصَبا
نَأى يَمانِيّاً فَلَمّا اِنتَشَرَت ... أَحضانُهُ وَاِمتَدّ كِسراهُ غَطا
فَــــجَلَّلَ الأُفقَ فَكُلُّ جانِبٍ ... مِنها كَأَن مِن قطرِهِ المُزنُ حَيا
إِذا خَبَت بُروقُهُ عَنَّتـــ لَها ... ريحُ الصَبا تشبُّ مِنها ما خَبا
وَإِن وَنَـــــت رُعـــــودُهُ حَــــدا بِهــــا ... حادي الجَنوبِ فَحَدَت كَما حَدا
كَـــــأَنَّ فـــــي أَحــــضــــانِهِ وَبَــــركِهِ ... بَركاً تَداعى بَينَ سَجرٍ وَوَحى
لَم ترَ كَالمُزنِ سَواماً بُهَّلاً ... تَحسَبُها مَرعِيَّةً وَهيَ سُدى
فَطَبَّقَ الأَرضَ فَكُلُّ بُقعَةٍ ... مِنها تَقولُ الغَيثُ في هاتا ثَوى
يَقولُ لِلأَجرازِ لَمّا اِستَوسَقَت ... بِــــسَــــوقِهِ ثِــــقي بِرِيٍّ وَحَيا
فَأَوسَعَ الأَحدابَ سَيباً مُحسِباً ... وَطَبَّقَ البُطنانَ بِالماءِ الرِوى
كَأَنَّما البَيداءُ غِبَّ صَوبِهِ ... بَحرٌ طَمى تَيّارُهُ ثُمَّ سَجا
ذاكَ الجدا لا زالَ مَخصوصاً بِهِ ... قَــــومٌ هُــــمُ لِلأَرضِ غَــــيثٌ وَجَدا
لَستُ إِذا ما بَهَظَتني غَمرَةٌ ... مِمَّنــ يَقولُ بَلَغَ السَيلُ الزُبى
وَإِن ثَوَت بينَ ضُلوعي زَفرَةٌ ... تَملأُ ما بَينَ الرَجا إِلى الرَجا
نَهنَهتُها مَكظومَةً حَتّى يُرى ... مَخضَوضِعاً مِنها الَّذي كانَ طَغا
وَلا أَقولُ إِن عَرَتني نَكبَةٌ ... قَولَ القَنوطِ اِنقَدَّ في الجوفِ السَلى
قَد مارَسَت مِنّي الخُطوبُ مارِساً ... يُساوِرُ الهَولَ إِذا الهَولُ عَلا
لِيَ اِلتِواءُ إِن مُعادِيَّ اِلتَوى ... وَلي اِستِواءٌ إِن مُوالِيَّ اِستَوى
طَعمي الشَريُّ لِلعَدُوِّ تارَةً ... وَالراحُ وَالأَريُ لِمَن وُدّي اِبتَغى
لدنٌ إِذا لويِنتُ سَهلٌ معطفي ... أَلوى إِذا خوشِنتُ مَرهوب الشَذا
يَعتَصِمُ الحِلمُ بِجَنبَي حَبوَتي ... إِذا رِياحُ الطَيشِ طارَت بِالحُبى
لا يَطَّبيني طَمَعٌ مُدَنّسٌ ... إِذا اِستَمالَ طَمَعٌ أَوِ اِطَّبى
وَقَد عَلَت بي رُتَباً تَجارِبي ... أَشفَينَ بي مِنها عَلى سُبلِ النُهى
إِذا اِمرُؤٌ خيفَ لِإِفراطِ الأَذى ... لَم يُــــخشَ مِنّي نَزَقٌ وَلا أَذى
مِن غَيرِ ما وَهنٍ وَلَكِنّي اِمرُؤٌ ... أَصونُ عِرضاً لَم يُدَنِّسهُ الطَخا
وَصَونُ عِرضِ المَرءِ أَن يَبذُلَ ما ... ضَنَّ بِهِ مِمّا حَواهُ وَاِنتَصى
وَالحَمدُ خَيرُ ما اِتَّخَذتَ عدَّةً ... وَأَنفَسُ الأَذخارِ مِن بَعدِ التُقى
وَكُــــلُّ قَــــرنٍ نــــاجِــــمٍ في زَمَنٍ ... فَهوَ شَبيهُ زَمَنٍ فيهِ بَدا
وَالناسُ كَالنَبتِ فَمِنهُم رائِقٌ ... غَضٌّ نَضيرٌ عودهُ مُرُّ الجَنى
وَمِنهُ ما تَقتَحِمُ العَينُ فَإِن ... ذُقتَ جَناهُ اِنساغَ عَذباً في اللها
يُقَوَّمُ الشارِخُ مِن زَيغانِهِ ... فَيَستَوي ما اِنعاجَ مِنهُ وَاِنحَنى
وَالشَيخُ إِن قَوَّمتَهُ مِن زَيغِهِ ... لَم يُقِمِ التَثقيفُ مِنهُ ما اِلتَوى
كَذَلِكَ الغُصنُ يَسيرٌ عطفُهُ ... لَدناً شَديدٌ غَمزُهُ إِذا عَسا
مَن ظَلَمَ الناسَ تَحامَوا ظُلمَهُ ... وَعَزَّ عَنهُم جانِباهُ وَاِحتَمى
وَهُــــم لِمَــــن لانَ لَهُــــم جانِبُهُ ... أَظلَمُ مِن حَيّاتِ أَنباثِ السَفا
وَالناسُ كُلّاً إِن فَحَصتَ عَنهُم ... جَميعَ أَقطارِ البِلادِ وَالقُرى
عَبيدُ ذي المالِ وَإِن لَم يَطمَعوا ... مِن غَمرِهِ في جَرعَةٍ تَشفي الصَدى
وَهُــــم لِمَــــن أَمــــلَقَ أَعــــداءٌ وَإِن ... شارَكَهُم فيها أَفادَ وَحَوى
عاجَمتُ أَيّامي وَما الغِرُّ كَمَن ... تَــــأَزّرَ الدَهرُ عَلَيهِ وَاِرتَدى
لا يَنفَعُ اللُبُّ بِلا جَدٍّ وَلا ... يَحُطُّكَ الجَهلُ إِذا الجَدُّ عَلا
مَن لَم تُفِدهُ عِبَراً أَيّامُهُ ... كانَ العَمى أَولى بِهِ مِن الهُدى
مَن لَم يَعِظهُ الدَهرُ لَم يَنفَعهُ ما ... راح بِهِ الواعِظُ يَوماً أَو غَدا
مَن قاسَ ما لَم يَرَهُ بِما يرى ... أَراهُ ما يَدنو إِلَيهِ ما نَأى
مَن مَلَّكَ الحِرصَ القِيادَ لَم يَزَل ... يَكرَعُ في ماءٍ مِنَ الذُلِّ صَرى
مَن عارَضَ الأَطماعَ بِاليَأسِ دَنَت ... إِلَيهِ عَينُ العِزِّ مِن حَيثُ رَنا
مَن عَطَفَ النَفسَ عَلى مَكروهِها ... كانَ الغِنى قَرينَهُ حَيثُ اِنتَوى
مَن لَم يَقِف عِندَ اِنتِهاءِ قَدرِهِ ... تَقاصَرَت عَنهُ فَسيحاتُ الخُطا
مَن ضَيَّعَ الحَزمَ جَنى لِنَفسِهِ ... نَدامَةً أَلذَعَ مِن سَفع الذكا
مَن ناطَ بِالعُجبِ عُرى أَخلاقِهِ ... نيطَت عُرى المَقتِ إِلى تِلكِ العُرى
مَن طالَ فَوقَ مُنتَهى بَسطَتِهِ ... أَعجَزَهُ نَيلُ الدُنى بَله القُصا
مَن رامَ ما يَعجزُ عَنهُ طَوقُهُ ... م العِبءِ يَوماً آضَ مَجزولَ المَطا
وَالناسُ أَلفٌ مِنهُمُ كَواحِدٍ ... وَواحِدٌ كَالأَلفِ إِن أَمرٌ عَنا
وَلِلفَتى مِن مالِهِ ما قَدَّمَت ... يَداهُ قَبلَ مَوتِهِ لا ما اِقتَنى
وَإِنَّما المَرءُ حَديثٌ بَعدَهُ ... فَكُن حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعى
إِنّي حَلَبتُ الدَهرَ شَطرَيهِ فَقَد ... أَمَرَّ لي حينا وَأَحياناً حَلا
وَفُرَّ عَن تَجرِبَةٍ نابي فَقُل ... في بازِلٍ راضَ الخُطوبَ وَاِمتَطى
وَالنــــاسُ لِلدهرِ خَلىً يلسُّهُم ... وَقَلَّما يَبقى عَلى اللَسِّ الخَلا
عَجِبتُ مِن مُستَيقِنٍ أَنَّ الرَدى ... إِذا أَتاهُ لا يُداوى بِالرُقى
وَهوَ مِنَ الغَفلَةِ في أَهويةٍ ... كَخابِطٍ بَينَ ظَلامٍ وَعَشى
نَحنُ وَلا كُفران لِلَّهِ كَما ... قَد قيلَ لِلسارِبِ أَخلي فَاِرتَعى
إِذا أَحَـــــسَّ نَـــــبـــــأَةً ريـــــعَ وَإِن ... تَطامَنَت عَنهُ تَمادى وَلَها
كَثلَّةٍ ريعَت لِلَيثٍ فَاِنزَوَت ... حَتّى إِذا غابَ اِطمَأَنَّتـ إِن مَضى
نُهــــالُ لِلأَمرِ الَّذي يَروعُنا ... وَنَرتَعي في غَفلَةٍ إِذا اِنقَضى
إِنَّ الشَقاءَ بِالشَقِيِّ مولَعٌ ... لا يَـــــمـــــلِكُ الرَدَّ لَهُ إِذا أَتــــى
وَاللَومُ لِلحُـــــرِّ مُـــــقــــيــــمٌ رادِعٌ ... وَالعَبدُ لا تَردَعُهُ إِلّا العَصا
وَآفَةُ العَقلِ الهَوى فَمَن عَلا ... عَلى هَواهُ عَقلُهُ فَقَد نَجا
كَم مِن أَخٍ مَسخوطَةٍ أَخلاقُهُ ... أَصفَيتُهُ الوُدَّ لِخُلقٍ مُرتَضى
إِذا بَلَوتَ السَيفَ مَحموداً فَلا ... تَذمُمهُ يَوماً أَن تَراهُ قَد نَبا
وَالطِرفُ يَجتازُ المَدى وَرُبَّما ... عَنَّ لِمَعداهُ عِثارٌ فَكَبا
مَن لَكَ بِالمُهَذَّبِ النَدبِ الَّذي ... لا يَجِدُ العَيبُ إِلَيهِ مُختَطى
إِذا تَصَفَّحت
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الجيم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البهيم: هيم: هامَتِ الناقةُ تَهِيمُ: ذهَبَت عَلَى وجهِها لرَعْيٍ كهَمَتْ، وَقِيلَ: هُوَ مَقْلُوبٌ عَنْهُ. والهُيامُ: كَالْجُنُونِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: كَالْجُنُونِ مِنَ الْعِشْقِ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الهُيامُ نَحْوُ الدُّوارِ جنونٌ … (لسان العرب)
- المبيض: بيض: الْبَيَاضُ: ضِدُّ السَّوَادِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُهُ غَيْرُهُ. البَيَاضُ: لَوْنُ الأَبْيَض، وَقَدْ قَالُوا بَيَاضٌ وبَياضة كَمَا قَالُوا مَنْزِل ومَنْزِلة، وَح … (لسان العرب)
- المشت: لمش: أَهمله اللَّيْثُ. ابْنُ الأَعرابي: اللَّمْشُ العبَثُ، قَالَ الأَزهري: وَهَذَا صَحِيحٌ. (لسان العرب)
- بالمها: مها: المَهْوُ مِنَ السُّيُوفِ: الرَّقِيق؛ قَالَ صَخْرُ الْغَيِّ: وصارِم أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُه، ... أَبْيَض مَهْو فِي مَتْنِهِ رُبَدُ وَقِيلَ: هُوَ الْكَثِيرُ الفِرِنْد، وَزْنُهُ فَلْعٌ مَقْلُوبٌ مِنْ لَفْظِ مَاهٍ؛ قَالَ … (لسان العرب)
- بتبريح: برح: بَرِحَ بَرَحاً وبُرُوحاً: زَالَ. والبَراحُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ بَرِحَ مكانَه أَي زَالَ عَنْهُ وَصَارَ فِي البَراحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا بَراحَ، مَنْصُوبٌ كَمَا نُصِبَ قَوْلُهُمْ لَا رَيْبَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ فَيَكُونُ … (لسان العرب)
- تسفع: سفع: السُّفْعةُ والسَّفَعُ: السَّوادُ والشُّحُوبُ، وَقِيلَ: نَوْع مِنَ السَّواد لَيْسَ بِالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: السَّوَادُ مَعَ لَوْنٍ آخَرَ، وَقِيلَ: السَّوَادُ المُشْرَبُ حُمْرة، الذَّكَرُ أَسْفَعُ والأُنثى سَفْعاءُ؛ وَم … (لسان العرب)
- جزل: جَزَلَ: الجَزْل: الحَطَب الْيَابِسُ، وَقِيلَ الغَلِيظ، وَقِيلَ مَا عَظُم مِنَ الحَطَب ويَبِس ثُمَّ كَثُر اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى صَارَ كُلُّ مَا كَثُر جَزْلًا؛ وأَنشد أَحمد بْنُ يَحْيَى: فَوَيْهاً لِقِدْرِكَ، وَيْهاً لَها … (لسان العرب)