يَقول راجي الصَمدِ
الشاعر: ابن معصوم · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية
«يَقول راجي الصَمدِ» من شعر ابن معصوم، من العصر العثماني، وتقع في 246 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يَقول راجي الصَمدِ ... عـــــليٌّ بـــــن أَحـــــمَـــــدِ
حَمداً لمن هَداني ... بالنُطق والبَيانِ
وأَشـــــــــرفُ الصَـــــــــلاةِ ... مـــــن واهـــــب الصِّلــــاتِ
عَلى النَبيِّ الهادي ... وآله الأَمـــــــــجـــــــــادِ
وبـــــعـــــدُ فــــالكَــــلام ... لحـــــســـــنِه أَقـــــســـــامُ
وَالقَـــــولُ ذو فـــــنــــون ... في الجَدِّ والمجونِ
وروضـــــــــةُ الأَريـــــــــضُ ... الســــجــــعُ وَالقَــــريــــضُ
وَالشعرُ ديوانُ العرب ... وَكَــــم أَنــــالَ مــــن أَرَب
فاِنسِل إذا رُمت الأدب ... إِليــــه مــــن كُلِّ حَدَب
روايــــــةُ الأَشـــــعـــــارِ ... تَكسو الأَديبَ العاري
وَتــــرفعُ الوَضيعا ... وَتكرمُ الشَفيعا
وتُــــنجحُ المآربا ... وَتُــــصــــلحُ الموارِبا
وَتُــــطــــرب الإخوانا ... وَتُــــذهِــــبُ الأَحزانا
وَتُنعشُ العُشّاقا ... وَتؤنس المشتاقا
وَتَنسَخ الأَحقادا ... وَتُــــــثـــــبِـــــتُ الودادا
وَتُــــقدمُ الجَبانا ... وَتَعطِف الغَضبانا
وَتَنعَت الحبيبا ... والرشــــأ الرَبــــيبا
وَخيرُه ما أَطربا ... مُستَمِعاً وأَعجَبا
وَهــــــــذه الأُرجــــــــوزَه ... فــــي فنِّها وَجيزَه
بَــــديــــعــــةُ الأَلفــــاظِ ... تَــــســــهُــــلُ للحُــــفّــــاظِ
تُــــطــــرب كــــلَّ سامعِ ... بحسنِ لَفظٍ جامعِ
أَبــــيــــاتُهــــا قصورُ ... مــــا شانَها قُصورُ
ضمَّنتُها مَعاني ... في عِشرة الإخوانِ
تــــــشــــــرحُ للأَلبــــــاب ... مــــــحــــــاســــــنَ الآدابِ
فإنَّ حسنَ العِشرَة ... ما حازَ قَومٌ عُشرَه
وأكــــــثـــــرُ الإخـــــوانِ ... فــــي العصر والأَوانِ
صُــــحــــبَتُهم نِفاقُ ... مــــــا زانَهـــــا وِفـــــاقُ
يَلقى الخَليلُ خلَّه ... إذا أَتــــــى مــــــحــــــلَّه
بِـــــظـــــاهــــرٍ مُــــمَــــوَّهِ ... وَبــــــاطــــــنٍ مُـــــشـــــوَّهِ
يَظهرُ من صداقتِه ... ما هو فوقَ طاقتِه
وَالقَلبُ منه خالي ... كــــفــــارِغِ المَــــخــــالي
حتّى إِذا ما اِنصرَفا ... أَعرض عَن ذاكَ الصَفا
وإن يكن ثَمَّ حَسد ... أَنشَبَ إِنشاب الأسد
فــــي عِــــرضِه مخالبَه ... مستقصياً مثالبَه
مُجتَهِداً في غَيبَتِه ... لَم يرع حقَّ غَيبتِه
فَهــــذه صــــحــــبةُ مَن ... تَراه في هَذا الزَمن
فَلا تكن مُعتمدا ... عَــــلى صــــديــــقٍ أَبــــدا
وان أَطـــــــــقـــــــــت أَلّا ... تصحبَ منهم خِلّا
فـــــــإنَّكـــــــ المــــــوفَّقُ ... بل السَعيدُ المطلَقُ
وإِن قصدتَ الصُحبَه ... فخذ لها في الأُهبَه
واِحرِص على آدابها ... تُعدّ من أَربابِها
واِستَنبِ عن شُروطها ... توقَّ مِن مَسخوطها
وإِن أَردت عـــــــلمَهـــــــا ... وحـــــدَّهـــــا ورَســــمَهــــا
فاِستملهِ من رَجَزي ... هَذا البَديعِ الموجَزِ
فـــــإنَّهـــــ كَـــــفـــــيــــل ... بـــــشـــــرحِه حَــــفــــيــــلُ
فـــــصَّلـــــتُه فُـــــصـــــولا ... تــــــقــــــرِّبُ الوصــــــولا
لمــــــنــــــهــــــجِ الآداب ... في صحبَة الأَصحابِ
تَهدي جَميع الصَحب ... إِلى الطَــــريق الرَحبِ
ســــمَّيــــتُه إِذ أَطربا ... بنظمه وأَغرَبا
بنَغمةِ الأَغاني ... في عِشرة الإخوانِ
وَاللَّهَ رَبّـــــــي أَســـــــأَلُ ... وهو الكَريم المفضِلُ
إِلهــــامــــيَ الإمــــدادا ... وَمَــــنــــحــــيَ السَــــدادا
قالوا الصديقُ من صَدق ... في حُبِّهـــ وما مَذَق
وَقيل من لن يُطعَنا ... في قَوله أَنتَ أَنا
وَقيل لَفظٌ لا يُرى ... معناه في هَذا الوَرى
وَفـــــسَّروا الصَـــــداقَــــة ... بالحب حَسبَ الطاقَه
وَقال من قد أَطلقا ... هيَ الودادُ مُطلَقا
وآخـــــــرونَ نـــــــصّــــــوا ... بــــــــأَنَّهــــــــا أَخــــــــصُّ
وهو الصَحيح الراجح ... وَالحَــــقُّ فــــيه واضحُ
إِذ خــــــلَّة الصَـــــديـــــقِ ... عند أولي التَحقيقِ
مــــحــــبَّةــــٌ بلا غَرَض ... وَالصدقُ فيها مُفترض
وَمــــطــــلقُ الحبِّ أَعم ... ومن أَبى فقد زَعم
وَحــــدُّها المَعقولُ ... عـــــنـــــديَ مــــا أَقــــولُ
هــــيَ بلا اِشتباهِ ... أُخـــــــــوَّةٌ فـــــــــي اللَهِ
إِذا صحبتَ فاِصحب ... ذا حـــــسَـــــبٍ وَنَـــــسَـــــبٍ
رَبَّ صَــــــلاحٍ وَتُــــــقــــــى ... يَنهاه عَمّا يُتَّقى
مــــن غــــيــــبةٍ وغدرِ ... وَخــــــدعــــــةٍ ومـــــكـــــرِ
مــــــهــــــذَّبِ الأَخــــــلاق ... يـــــــطـــــــرُبُ للتَــــــلاقِ
يحفظ حقَّ غَيبتِك ... يَصونُ ما في عَيبتك
يَزينُه ما زانَكا ... يَشينُه ما شانَكا
يَظهرُ منك الحَسَنا ... وَيذكرُ المُستَحسَنا
وَيكتمُ المَعيبا ... وَيحفظُ المَغيبا
يــــســــرُّه مــــا سَرَّكا ... ولا يُــــذيــــعُ سِــــرَّكــــا
إِن قالَ قَولاً صدقَك ... أَو قلتَ أَنتَ صدَّقَك
وإِن شــــكــــوتَ عُــــســــرا ... أَفــــدتَ منه يُسرا
يَــــلقــــاكَ بــــالأَمــــانِ ... مـــــن حـــــادِث الزَمــــانِ
يُهدي لَكَ النَصيحَة ... بــــنــــيَّةــــٍ صــــحيحَه
خِـــــــلَّتُه مُـــــــدانــــــيَه ... في السِرّ والعَلانيَه
صُــــحــــبــــتُه لا لِغــــرَض ... فَذاكَ في القَلبِ مَرَض
لَم يَــــتَــــغــــيَّر إِن وَلي ... عــــــــــــن الودادِ الأَوَّلِ
يَرعى عهود الصُحبَه ... لا سيَّما في النَكبَه
لا يُسلِمُ الصَديقا ... إِن نالَ يَوماً ضيقا
يُعينُ إِن أَمرٌ عنا ... ولا يَفوهُ بالخَنا
يُــــولي ولا يــــعتذرُ ... عمّا عليه يَقدِرُ
هَذا هو الأَخُ الثِقَه ... المــــستحقُّ للمِقَه
إِن ظَــــفِــــرت يَــــداكــــا ... بــــه فــــكِــــد عِداكا
فـــــــإنَّهـــــــ السِــــــلاحُ ... والكــــــفُّ والجَـــــنـــــاحُ
وَقَــــــــــــــد رَوى الرُواةُ ... الســــــادةُ الثِـــــقـــــاةُ
عنِ الإِمام المرتضى ... سيفِ الإله المُنتضى
في الصَحب والإخوان ... أَنَّهــــــمُ صِــــــنـــــفـــــانِ
إخــــوانُ صــــدقٍ وثقه ... وأَنـــــفـــــسٌ مُـــــتَّفـــــِقَه
هم الجناحُ واليدُ ... وَالكَهفُ والمستَنَدُ
والأَهــــــلُ والأقــــــاربُ ... أَدنَتهُمُ التَجارِبُ
فـــــفَـــــدِّهــــم بــــالروح ... فــــي القُربِ والنُزوحِ
واِسلُك بحيث سَلكوا ... واِبذل لهم ما تملكُ
فَــــلا يَــــروكَ مالكا ... من دونِهم لمالِكا
فصافِ من صافاهم ... وَنافِ من نافاهمُ
واِحفظهمُ وصنهمُ ... واِنفِ الظنونَ عنهمُ
فهم أَعزُّ في الوَرى ... إِن عــــنَّ خــــطبٌ وعَرا
من أَحمرِ الياقوتِ ... بل من حَلالِ القوتِ
وإخــــــــــوةٌ للأنــــــــــسِ ... وَنــــيلِ حظِّ النَفسِ
هُم عُصبة المُجاملَة ... لا الصدقِ في المعاملَه
منهم تصيبُ لذَّتَك ... إذا الهموم بذَّتَك
فصِلهم ما وَصَلوا ... واِبذل لهم ما بَذلوا
مِن ظاهرِ الصداقَه ... بالبِشر والطَلاقَه
ولا تَسَل أَن أَظهروا ... للودِّ عَمّا أَضمَروا
وأَطوِهم مدَّ الحُقب ... طيَّ السجلِّ للكُتُب
وَقال بشرُ الحافي ... بــــل عِــــدَّةُ الأَصنافِ
ثَــــــلاثــــــةٌ فــــــالأَوَّلُ ... للدينِ وهو الأَفضلُ
وآخَـــــــر للدُنـــــــيــــــا ... يَهديك نَجد العُليا
وَثــــــــــالِثٌ للأُنــــــــــسِ ... لكــــونه ابنَ جنسِ
فاِعطِ كلا ما يَجِب ... وعن سِواهم فاِحتَجِب
صَــــــداقَـــــةُ الإخـــــوانِ ... الخــــــــلَّصِ الأَعــــــــوانِ
لهــــــا شُــــــروطٌ عِــــــدَّة ... عــــلى الرَخا والشِدَّه
الرِفــــــــقُ والتــــــــلطُّفُ ... والودُّ والتــــــــعــــــــطُّفُ
وكـــــثـــــرةُ التــــعــــهُّدِ ... لهم بِكُلِّ معهدِ
البِــــرُّ بــــالأَصــــحــــابِ ... من أَحكم الأَسبابِ
والنُـــــصـــــح للإخــــوانِ ... من أَعظمِ الإحسانِ
والصدقُ والتصافي ... من أَحسن الأَوصافِ
دع خــــــــدع المــــــــودَّه ... لأَوجـــــــهٍ مُـــــــســــــودَّه
فالمحضُ في الإخلاصِ ... كــــــالذَهـــــب الخِـــــلاصِ
حفظُ العهود وَالوَفا ... حقٌّ لإِخوان الصَفا
عــــاملهُمُ بالصِدقِ ... واِصحب بحسنِ الخُلقِ
والعَــــدلِ والإنــــصــــافِ ... وقِــــــــــلَّةِ الخِــــــــــلافِ
ولاقِهــــم بــــالبِــــشــــرِ ... وحــــيِّهــــم بــــالشُكرِ
صِفهُم بما يُستحسَنُ ... وأَخفِ ما يُستهجنُ
وإن رأَيــــــتَ هـــــفـــــوَه ... فاِنصحهُمُ في خَلوَه
بــــالرَمــــزِ والإِشــــاره ... وأَلطَــــــفِ العـــــبـــــارَه
إِيّاكَ والتَعنيفا ... وَالعَذَلَ العَنيفا
وإِن تُــــرِد عــــتابَهم ... فَلا تُسئ خطابَهُم
وأَحـــــســـــنُ العِــــتــــاب ... ما كانَ في كتابِ
فالعتبُ في المشافَهه ... ضَربٌ من المُسافهه
وعــــن إِمــــام النحل ... قــــاتِــــل كــــلِّ مَــــحــــلِ
عاتب أَخاكَ الجاني ... بــــالبِــــرِّ والإِحسانِ
حافِظ على الصَديق ... في الوِسع والمضيقِ
فهو نَسيبُ الروح ... ومَــــــرهَــــــمُ الجــــــروحِ
وَفي الحَديث الناطقِ ... عــــن الإِمام الصَادِقِ
من كانَ ذا حَميمِ ... نجا من الجَحيمِ
لقـــــول أَهـــــل النــــارِ ... وعــــصــــبــــةِ الكفّارِ
فما لنا من شافع ... ولا صــــديــــق نــــافِــــعِ
والقربُ في الخَلائِقِ ... أَمـــــنٌ مـــــن البــــوائقِ
فــــقــــارب الإخوانا ... وكن لهم مِعوانا
لا تَسمع المَقالا ... فــــيــــهم وإِن تَوالى
فمن أَطاعَ الواشي ... ســـــارَ بـــــليــــلٍ غــــاشِ
وضــــيَّعــــ الصَــــديقا ... وكـــــذَّب الصـــــدِّيــــقــــا
وإِن ســــمعتَ قيلا ... يحتملُ التأويلا
فاِحملُهُ خَيرَ محمِل ... فعلَ الرجال الكمَّلِ
وإن رأَيــــــت وَهـــــنـــــا ... فلا تَسُمهم طعنا
فالطعن بالكلام ... عــــند أُولي الأَحلامِ
أَنفذُ في الجنان ... من طعنة السِنانِ
فــــعدِّ عن زلّاتهم ... وســــدَّ من خِلّاتهم
سل عنهم إِن غابوا ... وزرهــــــــم إِن آبــــــــوا
واستَنبِ عن أَحوالهم ... وعــــفَّ عــــن أَموالهم
أَطــــعــــهمُ إِن أَمروا ... وصِــــلهُــــم إِن هَجَروا
فـــــقـــــاطــــعُ الوِصــــالِ ... كــــقــــاطــــع الأَوصــــالِ
إِن نصحوك فاقبَلِ ... وإِن دَعَــــوا فــــأَقبِلِ
واِصدقهمُ في الوَعدِ ... فالخُلفُ خُلقُ الوَغدِ
واِقبَل إذا ما اِعتَذَروا ... إِلَيكَ مِمّا يُنكَرُ
واِرعَ صــــلاحَ حــــالِهــــم ... واِشفق على إِمحالِهم
وَكُــــن لهم غياثا ... إِذا الزَمــــان عــــاثــــا
وأَعطِهم ما أَمَّلوا ... إِن أخصَبوا أَو أَمحَلوا
حَقيقةُ الصَديقِ ... تُعرفُ عند الضيقِ
وَتُــــخــــبــــرُ الإِخــــوانُ ... إِذا جَـــــفـــــا الزَمــــانُ
لا خَــــيــــرَ في إِخاء ... يَــــكــــونُ في الرَخاءِ
وإنَّمــــــــا الصَــــــــداقَه ... في العُسر والإِضاقَه
لا تُـــــدخَـــــرُ المــــودَّه ... إِلّا ليـــــــوم الشِـــــــدَّه
ولا تُــــــعـــــدُّ الخِـــــلَّه ... إِلّا لِسَــــــــدِّ الخــــــــلَّه
أَعِــــن أَخــــاك واِعضدِ ... وكــــن له كــــالعَــــضُــــدِ
لا سيَّما إِن قَعدا ... بــــــه زَمــــــانٌ وعَــــــدا
بئس الخَليلُ من نَكَل ... مــــن خِــــلِّه إِذا اتَّكــــل
لا تجفُ في حالٍ أَخا ... ضنَّ الزَمانُ أَو سَخا
وَإِن شَكا من خَطبِهِ ... فــــزِد مــــن اللُطــــف بِهِ
واِسعَ لكشف كُربتِه ... واِحفَظ عهودَ صُحبتِه
وَكُــــــن له كـــــالنـــــور ... في ظُلمَةِ الدَيجورِ
ولا تَــــــدع ولا تَــــــذر ... ما تَستَطيعَ من نَظر
حــــتّــــى يَــــزولَ الهــــمُّ ... وَيُـــــكـــــشَـــــفَ المُـــــلِمُّ
إِنَّ الصَديقَ الصادِقا ... من فرَّج المَضايقا
وأَكـــــرمَ الإِخـــــوانــــا ... إذا شَــــكــــوا هَوانا
وأَسعفَ الحَميما ... وَحَمَل العَظيما
وَأَنجدَ الأَصحابا ... إِن رَيــــبُ دَهــــرٍ رابــــا
أَعـــــانَهـــــم بــــمــــالِهِ ... وَنَـــــــــــفـــــــــــسِهِ وآلِهِ
ولا يُــــــرى مُـــــقـــــصِّرا ... في بذل مالٍ وقِرى
فــــعــــلَ أَبــــي أمــــامَه ... مَــــع خِــــلِّهِ الحَمامَه
فــــإن أَردتَ فــــاِسمَعِ ... حديثَه كيما تَعي
رَوى أُولو الأَخـــــبـــــارِ ... وَنــــــاقِـــــلو الآثـــــارِ
عن سِرب طيرٍ سارب ... من الحَمام الراعبي
بــــكَّرَ يوماً سَحرا ... وَسار حتّى أَصحَرا
فــــي طَــــلَبِ المــــعــــاشِ ... وهــــو ربــــيطُ الجاشِ
فأَبصَروا على الثَرى ... حبّاً مُنقّى نُثِرا
فأَحمَدوا الصَباحا ... واِستيقَنوا النَجاحا
وأَســــــرَعــــــوا إليــــــهِ ... وأَقـــــبَـــــلوا عــــليــــهِ
حتّى إِذا ما اصطَفّوا ... حـــــــذاءَهُ أَســـــــفّــــــوا
فَصاحَ منهم حازمُ ... لنُـــــصـــــحِهــــم مُــــلازمُ
مهلاً فكم مِن عَجَلَه ... أَدنَــــــت لحـــــيٍّ أَجـــــلَه
تمهَّلوا لا تَقعوا ... وَأَنصِتوا لي واِسمَعوا
إِليَّةـــــــــــً بـــــــــــالرَبِّ ... ما نثرُ هَذا الحَبِّ
فــــــي هـــــذه الفَـــــلاةِ ... إِلّا لخَــــــطــــــبٍ عــــــاتِ
إِنّــــــي أَرى حـــــبـــــالا ... قــــد ضُــــمِّنــــَت وبــــالا
وَهـــــــذه الشِـــــــبــــــاكُ ... في ضِمنِها الهلاكُ
فَكابدوا المجاعَة ... وأَنــــظِــــرونــــي ســــاعَه
حتّى أَرى وأَختَبِر ... والفَوزُ حظُّ المصطَبِر
فأَعرَضوا عن قَولِهِ ... واِستضحكوا من هَولِهِ
قالوا وقد غَطّى القدر ... للسَمعِ منهم والبَصَر
لَيسَ على الحَقِّ مِرا ... حـــــبٌّ مُـــــعــــدُّ للقِــــرى
ألقـــــيَ فـــــي التُــــرابِ ... للأَجــــــــرِ والثَــــــــوابِ
ما فيه من محذورِ ... لجـــــــائعٍ مـــــــضــــــرورِ
أَغــــدوا على الغداءِ ... فــــــالجـــــوعُ شَـــــرُّ داءِ
فَسَقطوا جَميعا ... للقــــطــــه سَــــريــــعــــا
ومــــــــا دروا أَنَّ الرَدى ... أكمِنَ في ذاك الغَدا
فوقعوا في الشَبَكَه ... وأَيقَنوا بالهَلَكه
وَنَدِموا وما النَدم ... مُجدٍ وقد زلَّ القدَم
فأَخذوا في الخَبطِ ... لحــــــــلِّ ذاكَ الرَبــــــــطِ
فــــاِلتــــوتِ الشِــــبــــاكُ ... واِلتـــــفَّتـــــ الأَشــــراكُ
فقالَ ذاكَ الناصحُ ... ما كُلُّ سَعيٍ ناجحُ
هَذا جزاءُ من عَصى ... نَصيحةً واِنتَقَصا
للحـــــرصِ طَـــــعــــمٌ مُــــرُّ ... وشـــــــــرُّه شِـــــــــمِــــــــرُّ
وكــــم غَــــدَت أمــــنــــيّه ... جــــــالِبَــــــةً مَـــــنـــــيَّه
وَكَم شقاً في نِعم ... وَنـــــقـــــمٍ فـــــي لُقَـــــمِ
فَــــقــــالَت الجَــــمــــاعَه ... دَعِ المـــــلامَ الســـــاعَه
إِن أَقــــبــــل القنّاصُ ... فــــمــــا لنــــا مناصُ
وَالفكرُ في الفَكاكِ ... مـــــن ورطـــــةِ الهَــــلاكِ
أَولى مـــــــن المـــــــلامِ ... وكــــــثــــــرة الكَــــــلامِ
وما يُفيدُ اللاحي ... في القَدَر المُتاحِ
فاِحتل على الخلاصِ ... كحيلةِ ابن العاصِ
فــــقــــال ذاكَ الحــــازِمُ ... طوع النَصيح لازِمُ
فإن أَطعتُم نُصحي ... ظفرتُم بالنُجحِ
وإِن عصيتُم أَمري ... خاطرتُمُ بالعُمرِ
فَـــــقـــــالَ كُـــــلٌّ هـــــاتِ ... فكركَ في النَجاةِ
جميعُنا مطيعُ ... لمـــــا تَـــــرى سَــــريــــعُ
وَليـــــــس كُـــــــلُّ وَقــــــتِ ... يضلُّ عقلُ الثَبتِ
فقالَ لا تَرتَبِكوا ... فَتَستَمرَّ الشَبَكُ
واتَّفِقوا في الهمَّة ... لهــــــــــذه المُــــــــــلِمَّه
حتّى تَطيروا بالشرك ... وتأَمنوا من الدَرك
ثــــمّ الخَــــلاصُ بَــــعــــدُ ... لكـــــــم عـــــــليَّ وعــــــدُ
فــــقــــبــــلوا مقالَهُ ... واِمتَثلوا ما قالَهُ
واِجتَمِعوا في الحركَه ... واِرتفَعوا بالشَبكَه
فقال سيروا عَجَلا ... سيراً يَفوتُ الأَجَلا
ولا تَملّوا فالمَلَل ... يعوقُ وَالخَطبُ جَلل
فــــــأمَّهــــــُم وراحــــــوا ... كــــــــأَنَّهـــــــم ريـــــــاحُ
وأَقـــــبَـــــلَ الحَــــبّــــالُ ... في مشيهِ يَختالُ
يحسبُ أَنَّ البَركه ... قد وَقَعَت في الشَبكَه
فأَبصرَ الحَماما ... قــــد حلَّقَت أَماما
وقــــــلَّت الحِــــــبــــــالَه ... وأَوقَـــــعَـــــت خَــــبــــالَه
فعضَّ غيظاً كفَّه ... عـــــلى ذَهـــــاب الكُــــفَّه
وَراح يَعدو خَلفَها ... يَرجو اللَحاقَ سفها
حتّى إِذا ما يَئِسا ... عادَ لها مُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- السجع: سجع: سَجَعَ يَسْجَعُ سَجْعاً: اسْتَوَى وَاسْتَقَامَ وأَشبه بَعْضُهُ بَعْضًا؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: قَطَعْتُ بِهَا أَرْضاً تَرَى وَجْه رَكْبها، ... إِذا مَا عَلَوْها، مُكْفَأً غَيْرَ ساجِعِ أَي جَائِرًا غَيْرَ قَاصِدٍ. وَ … (لسان العرب)
- الصلات: صلت: الصَّلْتُ: البارِزُ المُسْتَوي. وسيفٌ صَلْتٌ، ومُنْصَلِتٌ، وإِصْلِيتٌ: مُنْجَرِدٌ، ماضٍ فِي الضَّريبة؛ وبعضٌ يَقُولُ: لَا يُقَالُ الصَّلْتُ إِلا لِمَا كَانَ فِيهِ طُولٌ. وَيُقَالُ: أَصْلَتُّ السيفَ أَي جَرَّدْتُه؛ و … (لسان العرب)
- الصمد: صمد: صَمَدَه يَصْمِدُه صَمْداً وصَمَد إِليه كِلَاهُمَا: قَصَدَه. وصَمَدَ صَمْدَ الأَمْر: قَصَدَ قَصْدَه وَاعْتَمَدَهُ. وتَصَمَّد لَهُ بِالْعَصَا: قَصَدَ. وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ الجَمُوح فِي قَتْلِ أَبي جَهْلٍ: فَصَمَ … (لسان العرب)
- بالنطق: نطق: نَطَقَ الناطِقُ يَنْطِقُ نُطْقاً: تَكَلَّمَ. والمَنطِق: الْكَلَامُ. والمِنْطِيق: الْبَلِيغُ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: والنَّوْمُ ينتزِعُ العَصا مِنْ ربِّها، ... ويَلوكُ، ثِنْيَ لِسَانِهِ، المِنْطِيق وَقَدْ أَنْطَقَه اللَّهُ … (لسان العرب)
- راجي: (رَجَى) الرَّاءُ وَالْجِيمُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ مُتَبَايِنَانِ، يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَمَلِ، وَالْآخَرُ عَلَى نَاحِيَةِ الشَّيْءِ. فَالْأَوَّلُ الرَّجَاءُ، وَهُوَ الْأَمَلُ. يُقَالُ رَجَوْتُ الْأَم … (مقاييس اللغة)
- فالكلام: كلم: القرآنُ: كَلَامُ اللَّهِ وكَلِمُ اللَّهِ وكَلِمَاتُه وكَلِمَته، وكلامُ اللَّهِ لَا يُحدّ وَلَا يُعدّ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ المُفْتَرُون علُوّاً كَبِيرًا. وَفِي الْحَدِيثِ: أَعوذ ب … (لسان العرب)
- لحسنه: حسن: الحُسْنُ: ضدُّ القُبْح وَنَقِيضُهُ. الأَزهري: الحُسْن نَعْت لِمَا حَسُن؛ حَسُنَ وحَسَن يَحْسُن حُسْناً فِيهِمَا، فَهُوَ حاسِنٌ وحَسَن؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْجَمْعُ مَحاسِن، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كأَنه جَمْعُ مَ … (لسان العرب)