فُؤادٌ بِهِ شَمسُ المَحَبَّةِ طالِعُ
الشاعر: القطب الجيلي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
«فُؤادٌ بِهِ شَمسُ المَحَبَّةِ طالِعُ» من شعر القطب الجيلي، من العصر المملوكي، وتقع في 185 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
فُــــؤادٌ بِهِ شَمسُ المَحَبَّةِ طالِعُ ... وَلَيسَ لِنَجمِ العَذلِ فيهِ مَواقِعُ
صَحا الناسُ مِن سُكرِ الغَرامِ وَما صَحا ... وَأفرق كُلٌّ وَهوَ في الحانِ جامِعُ
حُمَيّا هَواهُ عَينُ قَهوَةِ غَيرِهِ ... مُدامٌ دَواماً تَقتَنيها الأَضالِعُ
هَــــوى وَصَــــبــــابــــاتٌ وَنــــارُ مَحَبَّةٍ ... وَتُربَةُ صَبرٍ قَد سَقَتها المَدامِعُ
وَأَولَعَ قَــــلبــــي مِــــن زَرودٍ بِــــمــــائِهِ ... وَيا لَهفي كَم ماتَ ثَمَّةَ والِعُ
وَلي طَــــمَــــعٌ بَينَ الأَجارِعِ عَهدُه ... قَديمٌ وَكَم خابَت هُناكَ المَطامِعُ
أَيا زَمَنَ الرَندِ الَّذي بَينَ لَعلَعٍ ... تَقَضّى لَنا هَل أَنتَ يا عَصرُ راجِعُ
لَقَد كانَ لي في ظِلِّ جاهِكَ مَرتَعٌ ... هَنيءٌ وَلي بِالرَقمَتَينِ مَرابِعُ
أَجُرُّ ذُيولَ اللَهوِ في ساحَةِ اللِقا ... وَأَجني ثِمارَ القُربِ وَهيَ أَيانِعُ
وَأَشرَبُ راحَ الوَصلِ صَرفاً بِراحَةٍ ... تُصَفِّقُ بِالراحاتِ مِنها الأَصابِعُ
تَصَرَّمَ ذاكَ العُمرُ حَتّى كَأَنَّني ... أَعيشُ بِلا عُمرٍ وَلِلعَيشِ مانِعُ
وَمُذ مَرَّ عَنّي العَيسُ وَاِبيَضَّ لِمَّتي ... تَسَوَّد صُبحي فَالدُموعُ فَواقِعُ
وَسِربٍ مِنَ الغِزلانِ فيهِنَّ قَينَةٌ ... لَنا هُنَّ في سَقطِ العُذيبِ مَراتِعُ
سَفَرنَ بُدوراً مُذ قَلَبنَ عَقارِباً ... مِنَ الشِعرِ خِلنا أَنَّهُنَّ بَراقِعُ
رَعى اللَهُ ذاكَ السِربَ لي وَسَقى ال ... حمى وَلا ضُيِّعَت سِربٌ فَإِنّي ضائِعُ
صَليتُ بِنارٍ أَضرَمَتها ثَلاثَةٌ ... غَــــرامٌ وَشَــــوقٌ وَالدِيــــارُ الشَواسِعُ
يُــــخَــــيَّلــــُ لي أَنَّ العُــــذَيبَ وَماءهُ ... مَنامٌ وَمِن فَرطِ المُحالِ الأَجارِعُ
فَلا نارَ إِلّا ما فُؤادي مَحَلُّهُ ... وَلا السُحبَ إِلّا ما الجُفونُ تُدافِعُ
وَلا وَجدَ إِلّا ما أُقاسيهِ في الهَوى ... وَلا المَــــوتَ إِلّا مــــا إِلَيهِ أُسارِعُ
فَلَو قيسَ ما قاسَيتُهُ بِجَهَنَّم ... مِنَ الوَجدِ كانَت بَعضَ ما أَنا قارِعُ
جُفوني بِها نوحٌ وَطوفانُها الدِما ... وَنَوحِيَ رَعدٌ وَالزَفيرُ اللَوامِعُ
وَجِسمي بِهِ أَيّوبُ قَد حَلَّ لِلبَلا ... وَكَم مَسَّني ضُرٌّ وَما أَنا جازِعُ
وَما نارُ إِبراهيمَ إِلّا كَجَمرَةٍ ... مِنَ الجمرِ اللاتي خَبَتها الأَضالِعُ
لِسِرّي في بَحرِ الصبابَةِ يونُسُ ... تَلَقَّمَهُ حوتُ الهَوى وَهو خاشِعُ
وَكَم في فُؤادِي مِن شُعَيبِ كَآبَة ... تَشَعَّبَ مُذ شَطَّتــ مَزاراً مَرابِعُ
حَكى زَكَرِيّا وَهنَ عَظمي مِنَ الضَنا ... أَيَحيى اِصطِباري وَهوَ بِالمَوتِ نافِعُ
أَيا يوسُفَ الدُنيا لِفَقدِكَ في الحَشا ... مِنَ الحُزنِ يَعقوبٌ فَهَل أَنتَ راجِعُ
أَتَينا تجارَ الذُلِّ نَحوَ عَزيزِكُم ... وَأَرواحُنا المُزجاةُ تِلكَ البَضائِعُ
فَإِن يَكُ عَطفاً أَنتَ أَهل وَأَهلُهُ ... وَإِن لَم يَكُن كانَ العَذابُ مواقِعُ
فَكُلُّ الَّذي يَقضيهِ فِيَّ رِضاكُمُ ... مرامي وَفَوقَ القَصدِ ما أَنا صانِعُ
تَلَذُّ لِيَ الآلامُ إِذ أَنتَ مُسقِمي ... وَإِن تَمتَحِنّي فَهيَ عِندي صَنائِعُ
تَحَكَّمـــ بِما تَهواهُ فِيَّ فَإِنَّني ... فَقيرٌ لِسُلطانِ المَحَبَّةِ طائِعُ
حَبَبتُكَ لا لي بَل لِأَنَّكَ أَهلُهُ ... وَما لِيَ في شَيءٍ سِواكَ مَطامِعُ
فَصِل إِن تَرى أَو دَع وَعَدَّ عَنِ اللِقا ... وَإِلّا فَدونَ الوَصلِ ما أَنا قانِعُ
تَمَكَّنَ مِنّي الحُبُّ فَاِمتَحَقَ الحَشا ... وَأَتلَفَني الوَجدُ الشَديدُ المُنازِعُ
وَأَشغَلَني شُغلي بِها عَن سوائِها ... وَأَذهَلَني عَنّي الهَوى وَالهَوامِعُ
وَقَد فَنِيَت روحي لِقارِعَةِ الهَوى ... وَأُفنِيتُ عَن مَحوي بِما أَنا قارِعُ
فَقامَ الهَوى عِندي مَقاما فَكُنتُهُ ... وَغُيِّبتُ عَن كَوني فَعِشقِيَ جامِعُ
غَرامي غَرامٌ لا يُقاسُ بِغَيرِهِ ... وَدونَ هُيامي لِلمُحِبّينَ مانِعُ
فُـــــؤادِيَ وَالتَـــــبــــريــــحُ لِلروحِ لازِمٌ ... وَسُقمِيَ وَالآلامُ لِلجِسمِ تابِعُ
وُلوعي وَأَشجاني وَشَوقي وَلَوعَتي ... لِجَوهَرِ ذاتي في الغَرامِ طَبائِعُ
غَرامِيَ نارٌ وَالهَوى فَهوَ الهَوا ... وَتُربِيَ وَالما ذِلَّتي وَالمَدامِعُ
يَلومُ الوَرى نَفسي لِفَرطِ جُنونِها ... وَلَيــــسَ بِأُذني لِلمَلامِ مَسامِعُ
وَمُذ أَوتَرَت أَحشايَ حُبَّكَ إِنَّني ... لِسَهــــم قَسِيِّ النائِباتِ مَواقِعُ
وَما لِيَ إِن حَلَّ البَلاءُ التِفاتَةٌ ... وَما لِيَ إِن جاءَ النَعيمُ مَراتِعُ
وَما أَنا مَن يَسلو بِبَعضِ غَرامِهِ ... عَنِ البَعضِ بَل بِالكُلِّ ما أَنا قانِعُ
وَشَوقي ما شَوقي وُقيتُ فَإِنَّهُ ... جَحيمٌ لَهُ بَينَ الضُلوعِ فَراقِعُ
وَبي كَمَدٌ لَو حُمِّلَتهُ جِبالُها ... لَدُكَّتــــ بِرُضواها وَهُدَّت صَوامِعُ
وَلي كَــــبِدٌ حَرّاءَ مِن ظَمَأٍ بِها ... إِلَيكَ وَلَم يَبرُد غَليلاً مُصانِعُ
يُخَيَّلُ لي أَنَّ السَماءَ عَلى الثَرى ... طَــــبَــــقــــنَ وَأَنّي بَينَ ذَلِكَ واقِعُ
وَنَــــفــــسِيَ نَفسٌ أَيُّ نَفسٍ أَبِيَّةٌ ... تَرى المَوتَ نَصبَ العَينِ وَهيَ تُسارِعُ
فَهَمّي وَفَهمي ذا عَلَيكَ وَفيكَ ذا ... وَجِــــدّي وَوَجــــدي زايِــــدٌ وَمُــــتــــابِــــعُ
وَعَزمي وَزَعمي أَنَّهُ فَوقَ كلِّ ما ... يُــــرادُ وَظَــــنّــــي إِنَّمــــا هُــــوَ واقِــــعُ
تُسامِرُ عَينايَ السُها بِسُهادِها ... وَتَسأَلُ بَل ما سالَ إِلّا المَدامِعُ
وَيَرقُبُ مِنكَ الطَيفَ جَفنِيَ دُجنَةً ... وَكَم زارَهُ طَيفٌ وَما هُوَ هاجِعُ
وَيُخبِرُني عَنكَ الصَبا وَهوَ جاهِلٌ ... فَتَلتَذُّ مِن أَخبارِكُم لي مَسامِعُ
إِذا غَرَّدَت وَرَقا عَلى غُصنِ بانَةٍ ... وَجاوَبَ قُمرِيٌّ عَلى الأَيكِ ساجِعُ
فَأُذنِيَ لَم تَسمَع سِوى نَغمَةِ الهَوى ... وَمِنكُم فَإِنّي لا مِنَ الطَيرِ سامِعُ
وَمِن أَيِّ أَينٍ كان إِن هَبَّ ضايِعٌ ... فَلي فيهِ مِن عِطرِ الغَرامِ بَضائِعُ
وَإِن زَمجَرَ الرَعدُ الحِجازِيُّ بِالصَفا ... وَأَبرَقَ مِن شُعبى جِياد لَوامِعُ
يُصَوِّرُ لي الوَهمُ المُخَيّلُ أَنَّ ذا ... سَناكَ وَهَذا مِن ثَناياكَ ساطِعُ
فَأَسمَعُ عَنكُم كُلَّ أَخرَسَ ناطِقاً ... وَأُبصِرُكُم في كُلِّ شَيءٍ أُطالِعُ
إِذا شاهَدَت عَيني جَمالَ مَلاحَةٍ ... فَما نَظَري إِلّا بِعَينِكَ واقِعُ
وَما اِهتَزَّ من قَدِّ قَنا تَحتَ طَلعَةٍ ... مِنَ البَدرِ أَبدَت أَم خَبَتها البَراقِعُ
وَلا سَلسَلَت أَعناقَها بِغَرامِها ... تَصافيفَ جَعدٍ خَطّهُنَّ وَقائِعُ
وَلا نَقَطَت خالَ الملاحَةِ بَهجَةٌ ... عَــــلى وَجــــنَــــةٍ إِلّا وَحَــــرفُكَ بارِعُ
فَأَنتَ الَّذي فيهِ يَظهَرُ حُسنُهُ ... بِهِ لا بِنَفسي ما لَهُ مَن يُنازِعُ
وَإِن حَسَّ جِلدي مِن كَثيفِ خُشونَةٍ ... فَلي فيهِ مِن أَلطافِ حُسنِكَ رادِعُ
تَخِذتُكَ وَجهاً وَالأَنامَ بِطانَةً ... فَأَنجُمُهُم غابَت وَشَمسُكَ طالِعُ
فَديني وَإِسلامي وَتَقوايَ إِنَّني ... بِحُسنِكَ فَانٍ لِأَتمارِكَ طائِعُ
إِذا قيلَ قُل لا قُلتُ غَيرَ جمالِها ... وَإِن قيلَ إِلّا قُلتُ حُسنُكَ شاسِعُ
أُصَـــــلّي إِذا صَـــــلّى الأَنــــامُ وَإِنَّمــــا ... صَلاتي بِأَنّي لِاِعتِزازِكَ خاضِعُ
أُكَبِّرُ في التَحريمِ ذاتَكَ عَن سِوى ... وَاِسمُكَ تَسبيحي إِذا أَنا خاشِعُ
أَقومُ أُصَلّي أَي أُقيمُ عَلى الوَفا ... بِأَنَّكَ فَردٌ واحِدُ الحُسنِ جامِعُ
وَأَقــــرَأُ مِــــن قُــــرآنِ حسنِكَ آيَةً ... فَـــــذَلِكَ قُـــــرآنــــي إِذا أَنــــا راكِــــعُ
وَأَسجُدُ أَي أَفنى وَأَفني عَنِ الفَنا ... فَــــأَسجُدُ أُخرى وَالمُتَيَّمُ والِعُ
وَقَلبِيَ مُذ أَبقاهُ حُسنُكَ عِندَهُ ... تَحِيّاتُهُ مِنكُم إِلَيكُم تُسارِعُ
صِيامي هُوَ الإِمساكُ عَن رُؤيَةِ السوى ... وَفِطرِيَ أَنّي نَحوَ وَجهِكَ راجِعُ
وَبَذلِيَ نَفسي في هَواكَ صَبابَةً ... زَكاةُ جَمالٍ مِنكَ في القَلبِ ساطِعُ
أَرى مَزجَ قَلبي مَع وُجودي جَنابَةً ... فَماءُ طَهوري أَنتَ وَالغَيرُ مائِعُ
أَيا كَعبَةَ الآمالِ وَجهُكَ حجَّتي ... وَعُمرَةُ نُسكي أَنَّني فيكَ والِعُ
وَتَجريدُ نَفسي عَن مَخيطِ صِفاتِها ... بِوَصفِكَ إِحرامي عَن الغَيرِ قاطِعُ
وَتَلبِيَتي أَنّي أُذَلِّلُ مُهجَتي ... لِما مِنكَ في ذاتي مِنَ الحُسنِ لامِعُ
وَكانَت صِفاتٌ مِنكَ تَدعو إِلى العُلا ... لِذاتي فَلَبَّتــ فَاِستَبانَت شَواسِعُ
وَتَركي لِطيبي وَالنِكاحِ فَإِنَّ ذا ... صِفاتي وَذا ذاتي فَهُنَّ مَوانِعُ
وَإِعفاءُ حَلقِ الرَأسِ تَركُ رِياسَةٍ ... فَشَرطُ الهَوى أَنَّ المُتَيَّمَ خاضِعُ
إِذا تَرَكَ الحُجّاجُ تَقليمَ ظُفرِهِم ... تَرَكتُ مِنَ الأَفعالِ ما أَنا صانِعُ
وَكُــــنــــتُ كَــــآلاتٍ وأَنــــتَ الَّذي بِهــــا ... تُصَرِّفُ بِالتَقديرِ ما هُوَ واقِعُ
وَما أَنا جَبرِيُّ العَقيدَةِ إِنَّني ... مُحِبٌّ فَنى فيمَن خَبَتهُ الأَضالِعُ
فَها أَنا في تَطوافِ كَعبَةِ حُسنِهِ ... أَدورُ وَمَــــعــــنــــى الدَورِ أَنِّيَ راجِعُ
وَمُذ عَلِمَت نَفسي صِفاتِكَ سَبعَةً ... فَأَعدادُ تَطوافي حماكَ سَوابِعُ
أُقَبِّلُ خالَ الحُسنِ في الحَجَرِ الَّذي ... لَنا مِن قَديمِ العَهدِ فيهِ وَدائِعُ
وَمَعناهُ أَنَّ النَفسَ فيها لَطيفَةٌ ... بِها تُقبَلُ الأَوصافُ وَالذاتُ شائِعُ
وَأَســــتَــــلِمُ الرُكنَ اليَمانِيَّ إِنَّهُ ... بِهِ نَفَسُ الرَحمَنِ وَالنَفسُ جامِعُ
وَأَختِمُ تطوافَ الغَرامِ بِرَكعَةٍ ... مِنَ المَحوِ عَمّا أَحدَثَتهُ الطَبائِعُ
تُرى هَل لِموسى القَلب مِن زَمزَمِ اللِقا ... مَراضِعُ لا حُرِّمنَ تِلكَ المَراضِعُ
فَتَذهَبُ نَفسي في صَفاءِ صِفاتِكُم ... لِتَسعى بِمَروَ الذاتِ وَهيَ تُسارِعُ
فَلَيسَ الصَفا إِلّا صَفايَ وَمَروَتي ... بِأني عَلى تَحقيقِ حَقِّيَ صادِعُ
وَما القَصرُ إِلّا غَن سِواكُم حَقيقَةً ... وَلا الحَلقُ إِلّا تَركُ ما هُو قاطِعُ
وَلا عَرَفاتُ الوَصلِ إِلّا جَنابُكُم ... فَطوبى لِمَن في حَضرَةِ القُربِ راتِعُ
عَلى عِلمِيَ مَعناكَ ضِدّانِ جُمِّعا ... وَيا لَهفيَ ضِدّانِ كَيفَ التَجامُعُ
بِمُزدَلِفاتٍ في طَريقِ غَرامِكُم ... عَــــوائِقُ مِــــن دونِ اللِقــــا وَقَواطِعُ
فَإِن حَصَلَ الإِشعارُ في مَشعَرِ الهَوى ... وَساعَدَ جَذبُ العَزمِ فَالفَوزُ واقِعُ
عَلى مَشعَرِ التَحقيقِ عَظَّمتُ في الهَوى ... شَعائِرَ حُكمٍ أَصَّلَتها الشَرائِعُ
وَكَم مِن مُنىً لي في مِنى حَضَراتِكُم ... وَيا حَسَراتي وَالمُحَسِّر شاسِعُ
رَمَيتُ جِمارَ النَفسِ بِالروحِ فَانتَشَت ... جُهَنَّمُها ماءً وَصاحَت ضَفادِعُ
وَأُبدِلَ رُضوانٌ بِمالِك وَاِنتَشا ... بِها شَجَرُ الجَرجيرِ وَالغُصنُ يانِعُ
فَفاضَت عَلى نَفسي يَنابيعُ وَصفِها ... وَناهيكَ صِرفُ الحَقِّ تِلكَ اليَنابِعُ
فَطُفتُ طَوافاً لِلإِفاضَةِ بِالحِمى ... وَقُمتُ مَقاماً لِلخَليلِ أُبايِعُ
فَمُكِّنتُ مِن مُلكِ الغَرامِ وَها أَنا ... مَليكٌ وَسَيفي بِالصبابَةِ قاطِعُ
وَحَقَّقتُ عِلماً وَاِقتِدارَ جَميعِ ما ... تَضَمَّنَهُ مُلكي وَما لي مُنازِعُ
فَلَمّا قَضَينا النُسكَ مِن حَجَّة الهَوى ... وَتَمَّتــ لَنا مِن حَيِّ لَيلى مَطامِعُ
شَدَدنا مَطايا العَزمِ نَحوَ مُحَمَّدٍ ... وَطُفنا وَداعاً وَالدُموعُ هَوامِعُ
وَجُبنا بِتَهذيبِ النُفوسِ مَفاوِزاً ... سَباسِبَ فيها لِلرِجالِ مَصارِعُ
حمىً دَرَسَت لِلعاشِقينَ طُروقُهُ ... عَزيزٌ وَكَم خابَ في العِزِّ طامِعُ
مَحَلٌّ مَجالي القُربِ حالَت رُسومُهُ ... وَأَوجٌ مَــــنــــيــــعٌ دونَهُ البَرقُ لامِعُ
يُنَكَّسُ رَأسُ الريحِ عِندَ اِرتِفاعِهِ ... وَكَم زالَ عَنهُ السُحبُ وَالغَيثُ هامِعُ
يُرى تَحتَهُ بِهرامُ في الأَوجِ ساجِداً ... وَكيوانُ مِن فَوقِ السَماواتِ راكِعُ
وَكَــــم رامِحٍ مُذ رَامَهُ صارَ أَعزَلاً ... وَفي قَلبِهِ مِن عَقرَبِ العقرِ لاذِعُ
سَرَيتُ بِهِ وَاللَيلُ أَدجى مِنَ العَمى ... عَلى بازِلٍ أَفديهِ ما هُوَ ضالِعُ
يَجوبُ الفَلا جَوبَ الصَواعِقِ في الدُجى ... وَيَرحَلُ عَن مَرعى الكَلا وَهوَ جامِعُ
وَإِن مَرَّ بَعدَ العُسرِ بِالماءِ إِنَّهُ ... عَلى ظَمَأٍ عَن ذاكَ بِالسَيرِ قانِعُ
هِيَ النَفسُ نِعمَت مَركَباً مُطمَئِنَّةً ... فَلَيسَ لَها دونَ المرامِ مَوانِعُ
فَيا سَعدُ إِن رُمتَ السَعادَةَ فَاِغتَنِم ... فَقَد جاءَ في نَظمِ البَديعِ بَدائِعُ
مَفاتيحُ أَقفالِ الغُيوبِ أَتَتكَ في ... خَزائِنِ أَقوالي فَهَل أَنتَ سامِعُ
كَشَفتُكَ أَسرارَ الشَريعَةِ فَاِنحُها ... فَما وُضِعَت إِلّا لِتِلكَ الشَرائِعُ
وَها أَنا ذا أُخفي وَأُظهِرُ تارَةً ... لِرَمزِ الهَوى ما السِرُ عِندِيَ ذائِعُ
وَإِيّاكِ أَعني فَاِسمَعي جارَتي فَما ... يُــــصَــــرِّحُ إِلّا جــــاهِــــلٌ أَو مُــــخــــادِعُ
وَلَكِنَّني آتيكَ بِالبَدرِ أَبلَجاً ... وَأُخفيهِ أُخرى كَي تُصانَ الوَدائِعُ
خُذِ الأَمرَ بِالإيمانِ مِن فَوقِ أَوجِهِ ... وَنازِع إِذا نَفسٌ أَتَتكَ تُنازِعُ
فَلِلمَرءِ في التَنزيلِ أَوفى أَدِلَّة ... وَلَكِــــنَّ قَــــلبــــي بِــــالحَقائِقِ والِعُ
وَفي السُنَّةِ الزَهراءِ كُلُّ عِبارَةٍ ... بِنا مِن إِشاراتِ الغَرامِ وَقائِعُ
فَإِن كُنتَ مِمَّنــ مالَهُ يَدُ مَأخَذٍ ... سَوِيٍّ بِتَصريحِ التَشكُّلِ قانِعُ
سَأُنشي رِواياتٍ إِلى الحَقِّ أُسنِدَت ... وَأضرِبُ أَمثالاً لِما أَنا واضِعُ
وَأوضِحُ بِالمَعقولِ سِرَّ حَقيقَةٍ ... لِمَن هُوَ ذو قَلبٍ إِلى الحَقِّ راجِعُ
تَجَلّى حَبيبي في مَرائي جَمالِهِ ... فَفي كُلِّ مَرأىً لِلحَبيبِ طَلائِعُ
فَلَمّا تَبَدّى حُسنُهُ مُتَنَوِّعاً ... تَسَمّى بِأَسماء فَهُنَّ مطالِعُ
وَأَبــــرَزَ مِنهُ فيهِ آثارَ وَصفِهِ ... فَــــذَلِكُمُ الآثارُ مَن هُوَ صانِعُ
فَــــأَوصــــافُهُ وَالاســــمُ وَالأَثَــــرُ الَّذي ... هُوَ الكَونُ عَينُ الذاتِ وَاللَهُ جامِعُ
فَما ثَمَّ مِن شَيءٍ سِوى اللَهُ في الوَرى ... وَما ثَمَّ مَسموعٌ وَما ثَمَّ سامِعُ
هُوَ العَرشُ وَالكُرسِيُّ وَالمَنظَرُ العَلي ... هُوَ السِدرَةُ اللاتي إِلَيها المَراجِعُ
هُوَ الأَصلُ حَقّا وَالهَيولي مَعَ الهَبا ... هُوَ الفَلَكُ الدَوّارُ وَهوَ الطَبائِعُ
هُوَ النورُ وَالظَلماءُ وَالماءُ وَالهَوا ... هُوَ العُنصُرُ النارِيُّ وَهوَ البَلاقِعُ
هُوَ الشَمسُ وَالبَدرُ المُنيرُ هُوَ السُها ... هُوَ الأُفقُ وَهوَ النَجمُ وَهوَ المَواقِعُ
هُوَ المَركَزُ الحُكمي هُوَ الأَرضُ وَالسَما ... هُوَ المُظلِمُ المِقتامُ وَهوَ اللَوامِعُ
هُوَ الدارُ وَهوَ الأَثلُ وَالحَيُّ وَالغَضا ... هُوَ الناسُ وَالسُكّانُ وَهوَ المَراتِعُ
هُوَ الحُكمُ وَالتَأثيرُ وَالأَمرُ وَالقَضا ... هُوَ العِزُّ وَالسُلطانُ وَالمُتَواضِعُ
هُوَ اللَفظُ وَالمَعنى وَصورَةُ كُلِّ ما ... يُخالُ مِن المَعقولِ أَو هُوَ واقِعُ
هُوَ الجِنسُ وَهوَ النَوعُ وَالفَصلُ إِنَّهُ ... هُوَ الواجِبُ الذاتِيُّ وَالمُتَمانِعُ
هُوَ العَرَضُ الطارِيُّ نَعَم وَهوَ جَوهَرٌ ... هُوَ المَعدِنُ الصَلدِيُّ وَهو المَوانِعُ
هُوَ الحَيَوانُ الحَيُّ وَهو حَياتُهُ ... هُوَ الوَحشُ وَالإِنسُ وَهوَ السَواجِعُ
هُوَ القَيسُ بَل لَيلاهُ وَهو بُثَينَةٌ ... أَجَل بِشرُها وَالخَيفُ وَهوَ الأَجارِعُ
هُوَ العَقلُ وَهوَ القَلبُ وَالنَفسُ وَالحَشا ... هُوَ الروحُ وَهوَ الجِسمُ وَالمُتَدافِعُ
هُوَ الموجِدُ الأَشياءَ وَهوَ وُجودُها ... وَعَينُ ذَواتِ الكُلِّ وَهوَ الجَوامِعُ
بَدَت في نُجومِ الخَلقِ أَنوارُ شَمسِهِ ... فَلَم يَبقَ حُكمُ النَجمِ وَالشَمسُ طالِعُ
حَــــقــــائِقُ ذاتٍ فــــي مَــــراتِــــبِ حَــــقِّهِ ... تُسَمّى بِاِسمِ الخَلقِ وَالحَقُّ واسِعُ
وَفي فيهِ مِن روحي نُفِختَ كِنايَةً ... هَلِ الروحُ إِلّا عَينُهُ يا مُنازِعُ
وَنَزِّههُ عَن حُكمِ الحُلولِ فَما لَهُ ... سِوى وَإِلى تَوحيدِهِ الأَمرُ راجِعُ
فَيا أحَدِيَّ الذاتِ في عَينِ كَثرَةٍ ... وَيا واحِدَ الأَشياءِ ذاتُكَ شائِعُ
تَجَلَّيتَ في الأَشياءِ حينَ خَلَفتَها ... فَها هِيَ ميطَت عَنكَ فيها البَراقِعُ
قَطَعتَ الوَرى مِن ذاتِ نَفسِكَ قِطعَةً ... وَلَم تَكُ مَوصولاً وَلا فَصلُ قاطِعُ
وَلَكِنَّها أَحكامُ رُتبَتِكَ اِقتَضَت ... أُلوهِيَّةً لِلضِدِ فيها التَجامُعُ
فَأَنتَ الوَرى حَقّاً وَأَنتَ إِمامُنا ... وَأَنتَ لَما يَعلو وَما هُوَ واضِعُ
وَما الخَلقُ في التِمثالِ إِلّا كَثَلجَةٍ ... وَأَنتَ بِها الماءُ الَّذي هُوَ نابِعُ
فَما الثَلجُ في تَحقيقِنا غَيرَ مائِهِ ... وَغَيرَ آنِ في حُكمٍ دَعَتها الشَرائِعُ
وَلَكِن بِذَوبِ الثَلجِ يُرفَعُ حُكمُهُ ... وَيوضَعُ حُكمُ الماءِ وَالأَمرُ واقِعُ
تَجَمَّعَتِ الأَضدادُ في واحِدِ البَها ... وَفيهِ تَلاشَت فَهوَ عَنهُنَّ ساطِعُ
فَــــكُــــلُّ بَهــــاءٍ في مَلاحَةِ صورَةٍ ... عَلى كُلِّ قَدٍّ شابَهَ الغُصنَ يانِعُ
وَكُلُّ اِسوِدادٍ في تَصافيفِ طُرَّةٍ ... وَكُلُّ اِحمِرارٍ في الطَلايِعِ ناصِعُ
وَكُلُّ كَحيلِ الطَرفِ يَقتُلُ صَبَّهُ ... بِماضٍ كَسَيفِ الهِندِ مُضارِعُ
وَكُلُّ اِسمِرارٍ في القَوائِمِ كَالقَنا ... عَلَيهِ مِنَ الشَعرِ الرَسيلِ شَرائِعُ
وَكُلُّ مَليحٍ بِالمِلاحَةِ قَد زَها ... وَكُلُّ جَميلٍ بِالمَحاسِنِ بارِعُ
وَكُــــلُّ لَطــــيــــفٍ جَــــلَّ أَو دَقَّ حُــــســــنُهُ ... وَكُلُّ جَليلٍ وَهوَ بِاللُطفِ صادِعُ
مَــــحــــاسِــــنُ مَــــن أَنــــشَأَ ذَلِكَ كُلُّهُ ... فَــــوَحِّد وَلا تُــــشــــرِك بِهِ فَهوَ واسِعُ
وَإِيّاكَ أَن تَلفَظَ بِعارِيَّةِ البِها ... فَما ثَمَّ غَيرٌ وَهوَ بِالحُسنِ بادِعُ
وَكُلُّ قَبيحٍ إِن نَسَبتَ لِحُسنِهِ ... أَتَتكَ مَعاني الحُسنِ فيهِ تُسارِعُ
وَلا تَحسَبَنَّ الحُسنَ يُنسَبُ وَحدَهُ ... إِلَيهِ البَها وَالقُبحُ بِالذاتِ راجِعُ
يُكَمِّلُ نُقصانَ القَبيحِ جَمالُهُ ... فَما ثَمَّ نُقصانٌ وَلا ثَمَّ باشِعُ
وَيَرفَعُ مِقدارَ الوَضيعِ جَلالُهُ ... إِذا لاحَ فــــيهِ فَهوَ لِلوَضعِ رافِعُ
فَلا تَحتَجِب عَنهُ لِشَينٍ بِصورَةٍ ... فَخَلفُ حِجابِ العَينِ لِلحُسنِ لامِعُ
وَأطلِق عِنانَ الحَقِّ في كُلِّ ما تَرى ... فَتِلكَ تَجَلِّيّاتِ مَن هُوَ صانِعُ
فَقَد خَلَقَ الأَرضِينَ بِالحَقِّ وَالسَما ... كَذا جاءَ في القُرآنِ إِذ أَنتَ سامِعُ
وَما الحَقُّ إِلّا اللَهُ لا شَيءَ غَيرُهُ ... فَشمَّ شَذاهُ فَهوَ في الخَلقِ ضايِعُ
وَشاهِدهُ حَقّاً مِنكَ فيكَ فَإِنَّهُ ... هُوِيَّتُكَ اللاتي بِها أَنتَ يانِعُ
وَفي أَينَما حَقّا تُوَلّوا وجوهَكُم ... فَثَمَّةَ وَجهُ اللَهِ هَل مَن
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- الرند: رند: الرَّنْد: الْآسُ؛ وَقِيلَ: هُوَ الْعُودُ الَّذِي يُتبخر بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ شَجَرٌ مِنْ أَشجار الْبَادِيَةِ وَهُوَ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ يُسْتَاكُ بِهِ، وَلَيْسَ بِالْكَبِيرِ، وَلَهُ حَبٌّ يُسَمَّى الغارَ، وَاحِدَتُه … (لسان العرب)
- المطامع: طمع: الطَّمَعُ: ضِدُّ اليَأْسِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَعَلَّمْنَ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ وأَنَ اليَأْسَ غِنًى. طَمِعَ فِيهِ وَبِهِ طَمَعاً وطَماعةً وطَماعِيةً، مخفَّف، وطَماعِيَّةً، فَهُوَ … (لسان العرب)
- بمائه: المِائَة: الثالثةُ من أصول الأَعداد، وذلك أنّ أصول الأعداد أربعةٌ: آحادٌ، وعَشَرَاتٌ، ومِئَاتٌ، وأُلُوفٌ. قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال : 66] ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُ … (مفردات الراغب)
- تقتنيها: قتن: رَجُلٌ قَتِينٌ: قَلِيلُ الطُّعْم وَاللَّحْمِ، وَكَذَلِكَ الأُنثى بِغَيْرِ هَاءٍ. وجاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، حِينَ زوَّجَ ابْنَةَ نُعَيْمٍ النَّحَّامِ قَالَ: مَنْ أَدُلُّه عَلَى القَتِينِ؛ يَعْنِي الْقَ … (لسان العرب)
- حميا: حمأ: الحَمْأَةُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأَسود المُنتن؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*، وَقِيلَ حَمَأٌ: اسْمٌ لِجَمْعِ حَمْأَةٍ كَحَلَق اسْمِ جَمْعِ حَلْقَة؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وَاحِدَةُ الحَمَإ حَمَأَة كق … (لسان العرب)
- خابت: الخَيْبَة: فوت الطلب، قال: ﴿وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم : 15] ، ﴿وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ [طه : 61] ، ﴿وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها﴾ [الشمس : 10] . (مفردات الراغب)
- زرود: زرد: الزَّرْد والزَّرَد: حِلَقُ المِغْفَر وَالدِّرْعِ. والزَّرَدةُ: حَلْقَة الدِّرْعِ والسَّرْدُ ثقْبها، وَالْجَمْعُ زُرُودٌ. والزَّرَّادُ: صَانِعُهَا، وَقِيلَ: الزَّايُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَدَلٌ مِنَ السِّينِ فِي السَّر … (لسان العرب)