قصيــدة بغـــداد

الشاعر: سالم المساهلي · البحر: الكامل

«قصيــدة بغـــداد» من شعر سالم المساهلي، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

"إلى بغداد..مدينة التاريخ ..وتاريخ المدينة" — ***

أمَّ اللغات تضعضعت أركــاني — وتبعثرالإيقاع في ألحــــــــاني

تتمزق الألفاظ صُلب عبـــارتي — والعِيُّ يعقد عَبرتي ولســــاني

أرقٌ على حرق الفؤاد يهــــّدني — ويسيل ماء الصبر من شريـاني

تترقرق الأوجاع بين جوانــحي — والنار تأكل مهجتي وجَنـــاني

عبثا أحاول أن ألمَّ شتاتـــــــــها — نفسا تَساقطُ أنفُسا بكيــــــــاني

يترنَّح التاريخ في أرجـــــــــائنا — ويموج مثل المفرد الحــــيران

قمرٌ يطلّ على الفرات مُشَّـــردا — يُخفي ويُبدي لوثة السّـــكران

لا شمس في بغداد تمسح حُزنها — لا صوت غير قنابل العــدوان

هذا هو النبأ العظيم يهــزّنا — ويبيحنا للتّيه والغـــــــــثيان

أهلي هناك أَحلَّ سفكُ دمائـهم — هتكَ الستوروكشفَ كلّ مُـدان

ذي فتنة أونكسة أونكــــــــبة — أخرى تُعيد الروح للأشــجان

كانت فلسطين السبيّة والقضية — والقصيدةَ ،ها هما إثـــــــنان

فتوزّعوا قمم التّفاوض جـدولا — لتبادُل الطّلقات والشنَـــــــآن

يا أمَّة عبثت بجامع عِرضـــــها — وتدحرجت في البئر كالأشطان

ما كنت أحسب أن أقوم مُشوَّشا — أرثي العراق ببالغ الأحـــزان

قل للرجال الشمِّ في عليائـهم — فضّ العلوج بكارة الإحصــان

داسوا على حرم العروبة شهوةً — وأشدُّ منه تناغمُ العُربــــــــان

يتفيأون النخل ملء شمــــــــاتة — تغلي بها الأحقاد من أزمـــان

يترجرجون كما القطيـــع تهيُّبا — وتوجُّسا من هبَّة الجــــــدران

يستوطنون الذعر بين دروعهم — علَّ الرمال تمور في هيـــجان

يتصفحون خطى الجياد تطــلُّعا — لبداية التكوين والعمـــــــــران

هارون كان هنا وكنا مطــــــلع — الشمس المضيئة في ذُرىالأكوان

ذي بابل تلك التي عنوانــــــــها — يستنطق التاريخ كـــــــلّ أوان

ماجت بها العَرَصات حين فُجاءة — واستسلمت لمجاهل القُرصـان

غص الفُرات بمائه وسمـــــائه — لهفاً على المجرى من التّيَهـان

برح المهى أعطاف دجلة نافرا — ياغربة الأمواه والحيـــــــوان

فبم التعلل والرفاق تفــــــرقوا — وتنكر الخلاّن للخـــــــــــلاّن

وبم التحجّج والصحـائف أُتلفت — ومداد وحي الله كالغـــــــدران

قُبرت أدلة وصلنا بنسيــــجنا — ها أننا في التيه للأذقـــــــــان

إني رأيت الآن كيف خــــيولنا — تعدو بلا هدف ولا عنــــــوان

ورأيت رأي العين كيف جنـودنا — قد جُرِّدوا إلا من التُّـــــــــبان

أُلقوا على وجه التراب كراهــة — يا ليتهم لثموه بالأحضـــــــان

يا ليتــــــهم ـ والموت فعل لازم ـ — لم يركنوا في ذلة وهـــــــوان

عقّوا الحسين فلا لواء يشــــدّهم — وتقدَّموا في حِلية القُربــــــان

ما أكثر الشجعان يوم خطابــــة — لكنهم في البأس كالأضعـــــان

كم من "يزيد" عاث في أحلامنا — وأضافنا لحضيرة الغلمـــــان

كم مرّث الأيام في أحداقـــــــنا — وأذاقنا الضرّاء في فنــــجان

ذهب الذين الوعد صِنْوُ رقابهم — لايُستباح بباهض الأثــــــمان

ذهب الذين النارُ نبض قلوبهم — لا يحفلون بجنة الســــــــلطان

من ذا الذي يشفيك بعد ذهابـهم — يا درّة في معجم البلـــــــدان؟

... — لولا الملامة قلت ملء حماسـتي

ما لم يقله الله في الــــــــقرآن — لولا الملامة والخلاق وهمـــتي

لركبتُ نزق الجن والشيــطان — وقرعتُ أجراس الفسوق تمـرُّدا

وعصفت مثل الريح والطـوفان — وحرقتُ رايات النفاق تحــــرّرا

وكنست كلّ النصب والبهــتان — وفقأتُ عين الراصدين تنفــــُّسا

وهدمت كل مخافر الطــــغيان — وهتفتُ في القطعان: يا شرالورى

هبُّوا إلى التبشير بالإنســـــان — أو فلتعودوا الجاهلية ثانــــــــيا

ويعود شأن الوأد والأوثـــــان — ولنركب الصحراء خلف "الشنفرى"

لكن بغير ملابس الخـــــــذلان — ولنقتف "العبسي" في كـــرَّاته

لكن بصدق السّر والإعــــلان — أو نتبع"الخنســاء"في تعديدها

لكن بحرق القلب والأجفــــان — بغداد ماج الصّبر في نظراتــها

وبخلتُمُ بالوصل والفرســـــان — سقطت نوارسها على أسوارها

وبخلتمُ باللحد والأكفـــــــــان — ****

نقِّل ولاءك حيث شئت فلن ترى — غير الذي يُغريك بالإذعـــــان

يسقيك ماء النار دون كلالــــــة — ويريد منك وداعة الحِمـــلان

ومن الصداقة ما يكون مطيّـــة — للذل والتفريط بالمـــــــــجَّان

ومن العداوة أن تكون مُحـاذرا — ومدافعا عن حرمة الأوطـــان

لا خير في الشرّين يُؤمن ظــلّه: — حُمم الغزاة ومَخفر الســـجّان

من ذا يصدّق أنهم بجيوشـــهم — جاؤوا ببعض مبادئ الإحسان؟

كلّ الذي أدريه أن ظلالهم — لن تُستطاب وليس في الإمكان

وسترجع الأيام رغم جموحـــها — ويعود طلع البشر للــــــولْدان

ويفيض عشق الرافدين بيــادرا — تُغني ،وتفني موسم الحـرمان

هذا نشيد الرّوح يطفح وجــــْدهُ — يشدو هواكِ بألف ألف لســـان

هذا انعتاقُ الوصل من سكَراته — أعياه داء الحَبس والكتمـــان

يا خيمة الأجداد يامُهــــرالرُّبى — إن الذي أضناك قد أضنـــاني

لم أبك فقدًا أورثاء أوســدى — لكنه الحبّ الذي أبكانــــــــي

هذي المواجع لن يغيب صهيلها — ستظل نبض الوحي والبرهان

هذا هو الدّرَك السحيق وبــــعده — قاع الضياع ودفتر النســـيان

هذا هو الفصل الأخير وبـــعده — لن يسمح التاريخ بالغفــــران

أوَّاه يا همم الرّجال توقــــــــَّدي — جدّي فإن الدّهر في ميَســــان

آمنت بالإنسان حرّ ثائــــــــــرا — وكفرت بالأغلال والقضـبان.

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الحيران: الحَيْرَان : المتَحَيِّركالَّذِي اسْتَهْوتْهُ الشَّيَاطِينُ في الأَرْضِ حَيْرَانَ مؤ حَيْرَى ج حَيَارَى.
  • السكران: السَّكَرَانُ : نباتٌ مُعمّر من الفصيلة الباذنجانيّة، ينبت في الصّحارى المصريّة والهند، له أغصان كثيرة تخرج من أصل واحد، أوراقه عصيريّة، وأزهارُهُ بنفسجيّة، يُستعمل في الطّبّ.
  • المفرد: المُفْرَدُ : مفعـ.-: المُنَحَّى المعزول؛ ظلّ المريضُ بمرض مُعدٍ مُفْرداً عدّة أيام.-: ثَوْرُ الوَحْشِ.-: في الألفاظِ، هو الواحد خلاف المثنَّى والجمع؛ ليْس للإبل مفردٌ من لفظها/ الأرقام المُفْرَدة، هي غير المزدوجة.
  • بكياني: الكِيَانُ [كون]: مصـ.-: ذاتٌ أو وُجودٌ؛ شعر برعشة في أعماق كيانه.-: هيئة أو بُنية؛ الكِيانُ الرأسماليُّ.
  • تساقط: تَسَاقَطَ يَتَسَاقَطُ تَسَاقُطاً : تتابع سقوطُه، أي وقوعه؛ أخذت ثمار الشجرة تتساقط. ـ الشخصُ: انهار؛ أَحسَّ بالإِرهاقِ وتساقط على مقعده.

قصائد ذات صلة

  • مديح الفصيح
  • يُوجِع الموتُ...
  • عوْلمــَـه
  • هجر
  • سؤال
  • مـا مضــى ....
  • معـراج العــاشقين
  • دعـاء