الإنسان الأخير
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
صحا ذات يوم حين تصحو البواكرُوتستيقظ الدنيا وتجلو الدياجرُ
ويشرقُ وجه الصبح في غمرة الدجىكما تشرقُ الآمال واليأس غامرٌ
وتضطربُ الأنفاسُ خفّضها الكرىوتخفق أرواح وتذكو مشاعرُ
وحين يعج الكون بالصوت والصدىوبالكدح تزجيه المنى والمخاطرُ
وبالصرخة الهوجاء والضحكةُ التييضج بها الأحياءُ والدهرُ ساخرُ
***ولكنهُ لم يلفِ بالكون نأمة
تنم على حيّ ، ولم يهفُ خاطرُففي نفسهِ ما يشبهُ الموت سكرة
ومن حوله موتٌ نمتهُ المقابرُجلال كأن الله أطلع وجههُ
عليهِ ، فقرّت في النفوس الضمائرُوصمتٌ فما في الكون صوت ولا صدى
ولا خفقةٌ يُحيي بها الكون شاعرفأدرك في أعماقهِ عن بديهة
نهاية ما صارت إليه المصائر !***
وما همّ بالتنقيب عن أي صاحبٍففي نفسهِ يأسٌ من النفسِ صادرُ
ولكنهُ ألقى بها عبر نظرةعلى الكون والأيام وهي دوائرُ
ركامُ وأشلاء وأطلال نعمةوبؤسٌ ، وشتّى ما حوتهُ الأداهر
وفي نفسهِ من مثلها كل ذرةفهاتيك أشلاء وهذي خواطرُ
تجمّع فيها ما تفرق في الورىوما ضمنت تلك السنون الغوابرُ
خلاصةُ أعمارٍ وشتى تجاربٍومجمع أشواق بها الكون حائرُ
***وأوغلَ في إطراقةٍ ملؤها الأسى
فمرّت عليه الذكريات العوابرُتحث خطاها موكبا إثر موكبٍ
وقد جاورت فيها المآسي البشائرُوأقبلت الآمالُ واليأس حولها
تمزقها أنيابهُ والأظافرُوجمّع فيها الخير والشر رابط
من النفس مشدود إليها مخامرُوشتى عبادات وشتى عقائد
يؤلفها الإيمان وهي نوافرُ !وفيها من المجهول سرٌ وروعة
ورغبة محروم وخوف مساورُوقد كان في المجهول مطمح كاشف
تحجّبه عن طالبيه الستائرُفيا ليته يدري بما خلف سترهُ
فيختم سفر الناس في الأرض ظافرُ !***
وعادت له الآمالُ إذ جدّ مطمحيرجى ، وأذكاه الخيال المغامرُ
لعل وراء الكون مفتاح لغزهوطلسم ما ضمت عليه السرائرُ
وما هي إلا ومضةٌ تكشف الدجىويخلع هذا الجسم والجسمُ جائرٌ
ولولا مواثيق الحياة تشدّهٌإليها لأمضى عزمهُ وهو صابرُ
وخلّف هذا الجسم للموت والبلىوأشرق روحاً حيث تصفو البصائرُ
وعاودهُ حب الحياة لذاتهاوقد أجفلت تلك النوازي الكوافرُ
وهاجت به الأطماع حب امتلاكهاله وحدهُ والناس ميت وداثرُ
فعاد إلى الدنيا العريضة مالكاًولا من يلاحيهِ ولا من يشاطرُ
ولكنه لم يستطب ملكهُ الذيتمحص لا يسعى به أو يغامرُ
وما فيه من كدّ ولا من تسابقٍولا سابق في الكادحين وقاصرُ
وكيف يطيب العيشُ إلا تزاحماًفيربحُ مجدود ، ويخسرُ عاثرُ !
***:" برمتُ بهذا الكون همدان موحشاً
برمتُ بملكٍ ربهُ (1) فيه خاسرُ ""فهيّا إذن للموت أروح رحلة
لتكشف أستار ويهدأ ثائرُ " !***
وفيما يعاني سكرة الموت هينمتإلى مسمعيه هاتفات سواحرُ
" هو السر أن تهفو إلى السر لهفةوأن تشتروا الآتي بما هو حاضرُ " !
__________(1)
صاحبهُ*
1934
عن القصيدة
«الإنسان الأخير» من شعر سيد قطب، من العصر الحديث، وتقع في ٤٥ بيتًا. ورويّها حرف الراء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.