أغنية للإنسان
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
-1-"نظمت هذه القصيدة عام 1950"
-- طاش عصف الرياح والتهب البر
ق وثارت على السكون الرعودثورة ثورة تمزّق قلب ال
ليل والصمت بالصدى بالبريقصرخات الإعصار أيقظت الرع
ب بقلب الطبيعة المدلهمّتتلوّى الأشجار ضارعة وال
مطر البارد الشتائيّ يهميتتلوّى كأنها روح إنسا
ن يريد الخلاص من أحزانهكل شيء في ثورة وانفعال
كلّ شيء في ليلي المحزونأنا حيث الآلام تطبق جنحي
ها المخيفين في الدياجير حوليأدمع في محاجري , ولهيب
في دمي واكتآبة فوق ظلّيفي عيوني لآثار حلم جميل
كان يوما وأصبح الآن ذكرىفي جمود وقفت أرقب من نا
فذتي ثورة الدجى وجنونهيا أعاصير من دمائي خذي النا
ر ومن حزني العميق الشديديا دياجير من فؤادي خذي الظل
مة إني في غيهب ممدودكل شىء يلوح لي عدما مرّا
ولغزا مكفنّا بالشكاةكلّ شيء تلفّه ظلمة أع
مق من أن ينيرها قطّ ضوءظلمة في امتدادها يخبط الأح
ياء في غفلة من الأقدارأين نمشي ما عدت أحتمل الجه
ل متى الفجر ؟ طال بي انتظاريودفنت الشباب والحبّ من أج
ل طموحي ولم أزل في هياميحرقة الاطّلاع تصهر أحلا
مي واحساس فكري المتراميكيف أنجو من الأحاسيس من ح
ّبي وكرهي ؟ من هدأتي ولهيبيكيف أنجو من الأسى إن يكن حو
لي وجود مقّيد موبوءوأكفّ الحياة تجرحني وال
لغزا عميقا خفيّاتتحدى الأحياء قهقهة المو
ت وتبقى الحياة ليلا دجيّالا صدى من غنائهم لا لهيب
من أحاسيسهم يثور ويخبوليس منهم إلا قبور حزينا
ت تبقّت على ضفاف الحياةالمساء الجميل حدّثني عن
هم أقاصيص كلهّا أحزانشهد الليل أنّه مثلما كا
ن فاين الذين بالأمس كانوا ؟كيف تحيا الأشواك , والزهر الفا
تن يذوي في قبضة الإعصار ؟كيف تمضي إلى الفناء الأناشي
د وتبقى مرارة الأقدار ؟في ربيع الشباب ما أعمق الجر
ح إذا كانت الحياة شباباالشباب الذي يسمّونه نع
مى شباب الشعور والرغباتالشباب الكئيب حين يفيق ال
حالم القلب شاردا مستطاراويرى في تفجّع جثّة الما
ضي الغريق الثاوي وكيف توارىوظلال البساطة الفجّة الحل
وة ذابت في منحنى الأيّاموالفؤاد الرقيق يصدمه الإح
ساس بالواقع الغريب الجديدليس يدري ماذا يحسّ لماذا
تتبقّى أعماقة في انتفاضمثل في تمزّق واصطراع
وأحاسيس ما وعاها ماضيرغبات كالليل غامضة الأص
داء ترغي فيما وراء الشعوروشعور بفورة في الدم الجا
رف تبقى كناقم موتورواندفاع إلى محان وراء ال
حسّ في المستحيل في الأعماقكل هذا يحسّه قلبي الدا
مي بجرح الشباب والإحساسليتني لم أزل كما كنت قلبا
ليس فيه إلا السّنا والنقاءكلّ يوم أبني حياتي أحلا
ما وأنسى إذا أتاني المساءلا أحسّ المأساة حولي ولا أس
مع في الرمل ألف ألف سؤالكالعصافير لم أحيّر أحاسيس
سي يوما بما تقول الرياحوتمرّ الساعات بي وأنا اب
ني خفايا مدينة الأحلامأيّ يوتوبيا فقدت وعزّ الآ
ن إدراكها على أيّاميإيه تلّ الرمال ماذا ترى أب
قيت لي من مدينة الأحلام؟هوذا أنت , مثلما كنت تّلاّ
شاعريا مكللا بالجمالكنت عرشي بالأمس كنت لي الأو
لمب والآن لم تعد غير تلّكان في هذه الرمال وجود
شاعريّ يلفّه ألف ظللم أعد أبصر الحياة كما كا
نت رحيقا يذوب في أقداحيلم أعد في الشتاء لأرتقب الأم
طار من مهدي الجميل الصغيرلم أعد أستطيع أن أحكم الزه
ر وأرعى النجوم في كلّ ليللم أعد أمزج الوجود بقلبي
وأعدّ الحياة قصّة طفلكل ما في الوجود يجرحني الآ
ن ولون الحياة يطعن نفسيأين شعر الوجود ؟ أسفر عن شيء
طوى سرّه ذبول الرمادالنشيد القديم ضاع صداه
حين مرت به يد الأعوامكلّ شيء ينهار إلا عنادي
وحنين الجمال في أحلاميأيها الواقع الثقيل حناني
ك أهذي عقبى المنى والحنين ؟رعشات الأزهار لم تعد الآ
ن نشيدا وضحكة استبشاروغناء الطيور لم يعد ال
آن شفاء لأدمعي وخلاصابعض شيء فيه يذكّرني الأق
ياد والصائدين والأقفاصابعض شيء فيه يذكّرني الأ
موات تحت السكون والنسيانواختلاج الأمواج في النهر ما عد
ت أراه إلا دجى مدلهّماومرور الأيام ما عاد يبدو
لي ربيعا ملّونا سحريّابعض شيء فيه يذكّرني الأ
قدار والموت والأسى الآدميابعض شيء فيه يلخّص لي القّص
ة في لفظتين : مهد ولحدعدت أخشى الحياة , أفرق منها
وأراها دعابة لا تطاقحسبها أنّنا دفعنا إليها
ثمن العيش حرقة ودموعاأي ذنب جناه آدم حتى
نتلّقى العقاب نحن جميعا؟ليتها لم تمسّ دوحتها قطّ
ولم تصب للجنى المسمومليتها لم تحسّ بالشر والخي
ر ولم تدر للتمرّد طعماوليكن آدم وحواء قد ثا
را وداسا السماء في إصرارأو لم يكف أن أضاعا جنان ال
خلد ؟ لم تكف سورة الإحتقار ؟السماء التي أضاعا خلود
وهنا يحكم الردى الجبّارهبطا في تعثر صامت الآ
هات غرقان في جمود الذهولإيه حواء ! كيف عوقبت بالنف
ي ولولاك ما عرفنا النوراأنت يا من بعت الخلود بأحزا
ن لياليك واشتريت الشعوراكخطايا الربّ الذي سرق النا
ر لعّباده ونال الشقاءآهة في الوجود تسمع يا حوّ
اء روحي حديثك المجهولاوعلى بعد خطوتين حنا آ
دم في صمته الرهيب الحزينشعره الأشقر الجميل تهاوى
خصلات على شحوب الجبينبعض ذكرى من السماء غدا تم
حى بذرّية من الأشقياءفي الجبال التي تموت بها الأص
داء رجع من ماضيات القرونشبه أقصوصة يرجّعها الوا
دي حديثا عن سيرة بشريّهمسحتها الأيام لم تبق منها
غير همس في الأنفس الشاعريّهعندما كان في الوجود فتى را
ع يغنّي الرياح فوق الجبالكان يدعى هابيل كان يسوق ال
غنم الظامئات كلّ صباحمقلتاه حلمان بالشعر والحب
يذوبان في صفاء المراعيشفتاه ارتعاشتان لما يب
صر من فتنة ومن إبداعذلك الحلم , ذلك الأبد النا
ئم هابيل في صفاه وطهرهكان يوما ينام في ظّلة الجو
ز على شط جدول نعساننشوة ملء روحه , روحه الظم
أى إلى كل فاتن مسحورليس يصغي إلا إلى همسة الما
ء وخطو القطيع قوى الصخورفي يديه سكّينه الحاقد المس
موم في مقلتيه طيف جريمهلم تكن غير صرخة , غير تأوي
هة حزن غير اضطراب قصيروأتت ظلمة المساء على الحق
ل وعاد القطيع من دون راعليس إلا قابيل يمشي رهيب ال
خطو نهب الأفكار والأوجاعكلما قاتل الأسى عاودته
في الدجى صرخة القتيل البريءأو لم تسمع الحقول صدى أنّ
ة هابيل حين خرّ قتيلاأين هابيل ؟ أين وقع خطى أغ
نامه في الجبال والوديانليس منه إلا ضريح كئيب
شاده في العراء أول جانأيها المستطار لن تردع الأق
دار حنى إذا بكيت طويلااسترح أنت , نم دع القاتل الآ
ثم يسكر على نشيش الدماءلعنات تظل تصرخ بالثأ
ر وتبقى تحزّ في الأعصابوتحيل الأيدي مخالب والأر
ض قبورا والناس محض ذئابيتمنى لو كانت الأرض لحما
ليصبّ المزيد من طعناتهوانبثاق الدماء يغريه ما لذ
ة هذي الثمالة المسمومه ؟ذلك النبض لن ينام إلى أن
يترك الكون في الفضاء شظاياذلك النبض لو يحدّث عما
سال في الأرض من دماء الضحاياعن جنون الطموح يقتات من ضوء
المآقي ويرتوي بالدماءعن جمود الرجاء في أعين القت
لى ولون الشرود والنسيانعن عيون كأنّ فيها فتورا
ساخرا من وجودنا المجنونوعيون كأنها تقذف اللعنة
والموت في لظى وجنونوعيون أخرى يضج أساها
ترمق الموت في ابتهال وذعروالعيون التي تحدّق لا قع
ر لها لا بداية لا نهايهوالعيون التي تحقّر في صم
ت وتلك التي تلوح ذهولاوالعيون التي يغلفها الحز
ن وتبكي شبابها المقتولاوالعيون التي تحدّق في الأر
ض كأن ليس في الوجود حياةوعيون العدل الصريع مع ال
وات بين الدماء والأشلاءأين أين المفرّ من هاته الأ ع
ين من لونها العميق الرهيبإنها لا تنام لا تعرف المو
ت وتبقى في حقدها المشبوبإنها في السماء في الأرض في كل
مكان يحسّ بالميتينافي هدوء العروق تصرخ في اللي
ل وتعوي في كلّ قلب أصمليس يقوى على فظاعتها النس
يان فهي ارتجافه في الشعوروانعصار في الروح يغلي جنونا
وسياط تنصبّ فوق الضميركلما أخلد الضمير إلى النو
م أفاقت من كهفها المسحورودعت موكب الخطايا فخفّت
من أقاصي الدجى المخيف الجديبأين أين المنجى ؟ وكيف تنام الر
وح في ضجّة الضمير المهان ؟أيّ نوم يذوق راحته الجلاّ د ؟
هل للذنوب من نسيان ؟انسجيها من رجع أغنية الأم
وات من لعنة الجراح الدوامياجمعيها من كل عمر طوته
كفّ (آريس) وهو ما زال غضّامن شفاه الأطفال تحلم بالمأ
وى وبالدفء في رياح الشتاءمن عيون الصبيان ترسم في الظل
ماء أحلام عودة الآباءحيث كانت تقوم أبراج تلك ال
مدن العبقّرية المسحورهحيث أمست تمتدّ مملكة الغر
بان والليل والمنايا السودوأماسيه لا تمرّ كما كا
نت عليها الأوتار والأقداحإنها الآن مسكن الرعب تأوي
لذراها الرياح والأشباحتتهاوى أحجارها السود في صم
ت وتنهار في سكون اللياليذلك الحلم في عيون الصبايا ال
ناعسات الأجفان والأعماروالشفاه العذراء أطبقها المو
ت على لحن حبّها المبتوروالجباه التي ذوت قبل أن يل
مسها إصبع الهوى المسحورغار فيها جرح التراب عميقا
وذوت قبل أن تذوق الرحيقاوالعيون الظمآى التي تشرب الأن
جم منها وتستعير سناهاوالأكفّ التي انطوت وهي ما زا
لت تحوك الطموح والأهواءلم تزل غضّة أصابعها اللد
نة تستعصر الحصى والهواءمن ضباب الأحلام من ملمس الور
د ومن روعة الدجى الوسنانفي جنون ظلت تصفّق شوقا
لرحيق المستقبل المجهولوأطّلت إلهة الفجر أورو
را على المشهد المثير الرهيبلحظة ثم أطبق الأمس جفني
ه على الحاضر المقيت الجديبوحشاها التراب صمتا وبردا
بعد دفء الشعور والألوانلحظة ثم مرّغت مدن الأح
لام أبراجها الضخام القبابحيث كان الجمال يفرش ضوء الش
مس روحا وفتنة وطيوفاأصبحت ترسل الخرائب صوت الص
مت والموت غيهبّيا مخيفاكل شيء فيها تحوّل صمتا
ليس فيه من خلجة أو شعورغير معنى مكبل ربما استي
قظ في رقدة الرخام الحزينلا تعيه إلا القلوب التي تق
رأ سرّ الذهول في عينينوتحس البغضاء ترجف كأسا
وتحسّ الجنون في شفتينوتواريخ كاملات يغني
ها العمود الكابي لحزن الجداروتلال الأنقاض تروي الأقاصي
ص لسمع الظلام والأشباحعن أغان مرّت بأعمدة الأب
هاء غرقى بالدفء والأحلامناعمات تغوص في رجعها الآ
هات سكرى الخطوط والأنغامنام فيها لغز الجمال وأغفت
فتنة الحبّ والشباب اللاهيجفّ عرق الحياة فيها وعادت
ذكريات مطموسة الألحانوتلول الأنقاض تروي الأقاصي
ص لسمع الظلام والأشباحعن فلول الذين عادوا من الحر
ب حطاما وحفنة من جراحكيف عادوا يرتلون نشيد ال
موت ملء الفضاء لحنا فلحناكيف ألقى الحرمان ظل السنين الص
فر فوق العيون فوق الشفاه ؟وخطاهم كأنّ وقع صداها
جرس الموت رنّ ملء الفضاءمنشدا للحياة أغنية الفو
ضى ولحن الجنائز السوداءهذه الأعين الرمادية الأس
رار هل خلف صمتها من بريق ؟هل حديث عن الليالي البطيئا
ت وعن ثلجها الكثيف الثقيلعن سهاد الأحزان في أعين الحرّ
اس في الخندق الرهيب الداميرسب الليل فوق أهدابهم ثل
جا ومات الإحساس في الأقداممات في ذكرياتهم وتر الأح
ساس بالبرد والسكون العارييرصدون الحياة في ملل مرّ
التلوّي مسنّن الأصفادوالجنود الذين أغفوا مع المو
تى وناموا على الثرى الثلجيكل أحلامهم كوابيس من نا
ر وقتلى ووحشة ودويّمن جديد يمرّ يحصد لا يب
قى على الأرض غير ذكرى وظلّويطلّ السلام ذات ضحى حطّ
مه الليل والمدى المستحيلالسلام الحزين هذا الطريد ال
تائه الخطو ما له من مقرذو العيون الزرقاء ينبع منها الش
عر والحبّ في صفاء وطهرفي دماء السنين تتكىء الخي
بة في مقلتيه في الشفتينيعبر الّميتين والمدن الصمّ
اء والجدب والأسى والذهولااتركوه يهيم في الجدب والفو
ضى ويحصي الجراح والآهاتاتركوه مضّيعا دون مأوى
تائها في مجاهل الظلماتويغّني له الغراب نشيد الش
رّ والموت في اربداد المساءأيّ قلب يؤويه ؟ كيف يعيش الض
وء في رفقة الدجى والشرور ؟أيّ عينين تدركان صفاه
وتحسّان سرّه المكنونا ؟هل تبقّت إلا كهوف شقيّا
ت تسمّى مآقيا وعيوناأين يأوي السلام والحب ؟ يا لل
حرب لم تبق في الثرى إنساناليس إلا قوافل من حيارى
نام في ذكرياتهم كلّ صوتبردت في عيونهم قصة الحب
وأبقت صمتا عميقا طويلاوخبت في جفونهم ومضة المع
نى وأبقت غشاوة وذهولاوجنون الحياة من أجل ماذا؟
أيّ مغزى وراءها ؟ أيّ معنى ؟الحيارى أبقت لهم قصّة الحر
ب اضطرابا ممزّقا لا يقرّيعبرون الأيّام أجنحة شلاّء
قصّت زوابع الأيامريشها فهي في الثرى تبصر التح
ليق في غطّة من الأحلامفهم لا يرون ما يختفى خل
ف جمود الأشياء من ألوانربما أبصروا على الأفق النع
سان قوس الأمطار يقطر شعراوهم يسحبون أقدامهم فو
ق تراب الملال والبغضاءومآقيهم الرمادّية الجد
باء قبر الجمال والإيحاءولمن يشرق الجمال ؟ أللنس
يان ؟ للإحتراق ؟ للتبديد ؟ولمن تضحك النجوم ؟ لمن تس
كب أهدابها كؤوس الضياءولمن هذه العذوبة في الأز
هار ؟ في نعسة الشذى النشوان ؟في غناء الجداول العذبة الوس
نى لأرض عشبيّة الأحضانفي دموع الندى على زهرة بي
ضاء نامت على حفاف الغديرولمن ترسل العصافير لحن ال
حبّ والضوء والشذى كلّ فجر؟أغناء ولا مسامع تؤوي ال
لحن والحبّ في كؤوس الشعور ؟وجمال ولا عيون تحوك ال
حبّ منه لحلمها المسحور ؟وورود حمراء يحترق العط
ر عليها في الجدب والنسيانومهاد من الشذى رخصة العش
ب تذيع اخضرارها في الفراغكلّ هذا العطر المبعثر ملء الأ
رض ملء الحياة والآفاقلم يعد يوقظ العروق التي أغ
فت عن اللون والسّنا البرّاقالشعور العميق تدعوه وهما
وتسّمي حبّ الجمال خيالاهذه الأنفس الممزّقة العم
ياء , هذي المدافن الجوفاءوتبّقت فيها مقابر للشرّ
ولليأس جهمة الآفاقعكست بعض جدبها وأساها
صرخات الفراغ ملء المآقيما معاني الألفاظ في صمتها ال
مسكون بالحزن والرجاء الكسير ؟إنّهم يقطعون أرض الأسى وال
جدب حيث الجمال لا يستقرّحيث يبنى الفراغ عشّا رماد
ّيا ينمّي فيه الأذى والشقاءوطيورا شوهاء حاقدة الأن
غام مملوءة الصدى بغضاءودعينا هنا مع النقم الّسو
داء نهب السهاد والتبريحفي دويّ الرياح موكبنا يز
حف نحو الضياء تحت الظلاممن بعيد خلف الغيوم التي تف
غر فاها في دربنا المجهولربما لاح بارق كشراع
أبيض الوعد في الظلام الثقيلبعض كأس تنال حافتها البي
ضاء إغماءة الشفاه الظواميذلك النبع بعد هذا السّرى العط
شان بعد الصراع بعد الجراحذلك النبع حيث نغمس شكوا
نا ونسقي تعطّش الأحلاممن جديد نعيش تعرفنا الري
ح وتتلو نشيدنا للغماموتقول الحياة أن لنا ظلاّ
لنا بعض قصّة وكياناإننا لم نمرّ بالعالم المّي
ت صرعى ولم نعش أمواتاستقول الحياة إنّا مررنا
وملآنا الحياة شعرا وفناأن شيئا منّا عميقا سيبقى
في سكون الوجود لحنا يغنّىفي بروق الشتاء تقتحم اللي
ل وفي عاصف الرياح المخيففي ارتشاف الظلام للقمر الأب
يض في الصيف في سكون المساءستقول الحياة إنّا بحثنا
في الدياجير أشهرا وسنيناعن رحيق مغلّف بالأساطي
ر جهلنا وعاءه المكنوناذلك اللغز , ذلك الحلم المح
جوب خلف الضباب أين تراه ؟في أناشيدنا يعيش ضبابا
تائها في مدى فسيح عريضنتغنّى به ونجهل ما كن
ه شذاه وأين يحيا ضياه ؟أهو جنّية مجنّحة الأق
دام تحيا في عالم لا نراه ؟من جناح الفراش ملمس خدّي
ها ومن رّقة الشذى المسحورمقلتاها العميقتان وجود
أزرق اللون ناعم وّضاءمن غبار النجوم جدران مأوا
ها الغريب المشيد فوق الزمانفي مكان من الوجود على با
ب رؤاه يضيع حدّ المكانأنبتته حدائق القمر النا
ئي لتلك الجنّية البيضاءويداها المسحورتان تقودا
ن النجوم الشقراء عبر الفضاءتلك جنّية السعادة في قص
ر بعيد يقوم خلف الغيومعنده تنتهي رغائبنا الول
هى وأشتات حلمنا المحطومفي انفعال ندقّ أبوابه الصمّ
اء والصمت ساخر من أساناوهي تلك الجنّية الفظة الوح
شية القلب من بنات السعاليربما شيدّت اريكتها الفض
ّية النسج من حطام مناناربما لوّنت ملابسنا الفج
رّية اللون من لهيب دماناوتغّذي نيران موقدها من
كل حلم نصوغه ورجاءهذه الرّبة النحاسّية الإح
ساس لو لان قلبها الصخريّلو حنا سمعها واصغى إلى رج
ع الأغاني المسوّدات الرنينيتلّوى الحنين فيها وينساب
ب كأمواج جدول مفتونلم تعد تعرف العذوبة فاليأ
س حشاها وازدراءآه أصغي يا ربة الأفق المف
قود من سترك الذي لا يزاحوانظري من ضباب قصرك من لغ
زك من صمت جوّك المجهولأرسلي نظرة كما يعبر البر
ق إلينا من جفنك المعسولالملايين مرسلين مع الأح
زان حلم المستقبل الموهونمات في ذكرياتهم وتر الأح
ساس بالبرد والسكون العارييرصدون الحياة في ملل مرّ
التلوّي مسنّن الأصفادكل عينين فيهما قصة تت
لى وتروي لليل سهد الرّمادوالجنود الذين أغفوا مع المو
تى وناموا على الثرى الثلجيكل أحلامهم كوابيس من نا
ر وقتلى ووحشة ودويّثم يأتي الصباح ثانية يص
حبه الموت أسود الأنيابمن جديد يمرّ يحصد لا يب
قى على الأرض غير ذكرى وظلّويطلّ السلام ذات ضحى حطّ
مه الليل والمدى المستحيلملء عينيه نعسة الحلم الخج
لان والصمت والرجاء الهزيلالسلام الحزين هذا الطريد ال
تائه الخطو ما له من مقرذو العيون الزرقاء ينبع منها الش
عر والحبّ في صفاء وطهرها هو الآن يستقرّ على الأر
ض غريبا ممرّغ الجنحينفي دماء السنين تتكىء الخي
بة في مقلتيه في الشفتينيعبر الّميتين والمدن الصمّ
اء والجدب والأسى والذهولاباسما في مرارة ليس يدري
كيف بالأمس القديم ذبولا ؟اتركوه يهيم في الجدب والفو
ضى ويحصي الجراح والآهاتاتركوه مضّيعا دون مأوى
تائها في مجاهل الظلماتيتغذى بالذكريات ويأوي
لتلال الأنقاض والأشلاءويغّني له الغراب نشيد الش
رّ والموت في اربداد المساءأيّ قلب يؤويه ؟ كيف يعيش الض
وء في رفقة الدجى والشرور ؟كيف يحيا البياض في هذه الأو
عية السود في خمود الصدور ؟أيّ عينين تدركان صفاه
وتحسّان سرّه المكنونا ؟هل تبقّت إلا كهوف شقيّا
ت تسمّى مآقيا وعيوناملؤها اليأس والمرارة حينا
ملؤها الشرّ والأذى أحياناأين يأوي السلام والحب ؟ يا لل
حرب لم تبق في الثرى إنساناليس إلا قوافل من حيارى
نام في ذكرياتهم كلّ صوتيذرعون الحياة في حيرة الأش
باح يمشون ميّتا إثر ميتبردت في عيونهم قصة الحب
وأبقت صمتا عميقا طويلاوخبت في جفونهم ومضة المع
نى وأبقت غشاوة وذهولاالحيارى لا يدركون لماذا
يملآون الوجود ضحكا وحزناوجنون الحياة من أجل ماذا؟
أيّ مغزى وراءها ؟ أيّ معنى ؟الحيارى أبقت لهم قصّة الحر
ب اضطرابا ممزّقا لا يقرّوجحودا يكاد يكفر بالرو
ح وشكّا في كل شيء يمرّيعبرون الأيّام أجنحة شلاّء
قصّت زوابع الأيامريشها فهي في الثرى تبصر التح
ليق في غطّة من الأحلاموانطوت في عيونهم قدرة التل
وين والخلق واصطياد المعانيفهم لا يرون ما يختفى خل
ف جمود الأشياء من ألوانربما أبصروا على الأفق النع
سان قوس الأمطار يقطر شعراكلّ لون يذيع في خاطر الغي
م نشيدا يذوب شهدا وعطراوهم يسحبون أقدامهم فو
ق تراب الملال والبغضاءومآقيهم الرمادّية الجد
باء قبر الجمال والإيحاءاشحبي يا غيوم وانطفأي يا
مقلة الشمس في الفضاء البعيدولمن يشرق الجمال ؟ أللنس
يان ؟ للإحتراق ؟ للتبديد ؟ولمن تضحك النجوم ؟ لمن تس
كب أهدابها كؤوس الضياءولمن ترقص الفراشات سكرى
بعيون البنفسج الزرقاء ؟ولمن هذه العذوبة في الأز
هار ؟ في نعسة الشذى النشوان ؟في غناء الجداول العذبة الوس
نى لأرض عشبيّة الأحضانفي ابتسام المروج بعد مساء
ممطر الصمت دافىء الديجورفي دموع الندى على زهرة بي
ضاء نامت على حفاف الغديرولمن ترسل العصافير لحن ال
حبّ والضوء والشذى كلّ فجر؟والحفيف المفتون إن لم توّسد
ه رؤانا لمن يذوب ويسري ؟أغناء ولا مسامع تؤوي ال
لحن والحبّ في كؤوس الشعور ؟وجمال ولا عيون تحوك ال
حبّ منه لحلمها المسحور ؟وينابيع تسكب السكّر الذا
ئب ماء وليس من عطشانوورود حمراء يحترق العط
ر عليها في الجدب والنسيانومهاد من الشذى رخصة العش
ب تذيع اخضرارها في الفراغوعطور تظل تجرفها الأ م
طار في عاصف الرياح الطاغيكلّ هذا العطر المبعثر ملء الأ
رض ملء الحياة والآفاقلم يعد يوقظ العروق التي أغ
فت عن اللون والسّنا البرّاقوانطوت فوق ذاتها ترقب الأي
ام مملوءة أسى وملالاالشعور العميق تدعوه وهما
وتسّمي حبّ الجمال خيالاهذه الأنفس الممزّقة العم
ياء , هذي المدافن الجوفاءهدّمتها مخالب الحرب وامتصّ
ت شذاها الدماء والأشلاءوتبّقت فيها مقابر للشرّ
ولليأس جهمة الآفاقعكست بعض جدبها وأساها
صرخات الفراغ ملء المآقيأين تمضي هذي الملايين في العت
مة ؟ ماذا يجرّها للمسير ؟ما معاني الألفاظ في صمتها ال
مسكون بالحزن والرجاء الكسير ؟إنّهم يقطعون أرض الأسى وال
جدب حيث الجمال لا يستقرّحيث فكّ الملال يبتلع الل
وان حيث الذكرى ظلام وشرّحيث يبنى الفراغ عشّا رماد
ّيا ينمّي فيه الأذى والشقاءوطيورا شوهاء حاقدة الأن
غام مملوءة الصدى بغضاءاشحبي يا غيوم وانطفئي يا
مقلة الشمس في الفضاء الفسيحودعينا هنا مع النقم الّسو
داء نهب السهاد والتبريحفي دويّ الرياح موكبنا يز
حف نحو الضياء تحت الظلامعاثرا بالأشلاء أشلاء من ما
توا وأبقوا هياكلا من عظاممن بعيد خلف الغيوم التي تف
غر فاها في دربنا المجهولربما لاح بارق كشراع
أبيض الوعد في الظلام الثقيلبعض دفء ناد يسيل على الأف
ق وراء الوهاد والآكامبعض كأس تنال حافتها البي
ضاء إغماءة الشفاه الظواميذلك النبع بعد هذا السّرى العط
شان بعد الصراع بعد الجراحلو لمسناه لو غسلنا به كلّ
أسانا ويأسنا الملتاحذلك النبع حيث نغمس شكوا
نا ونسقي تعطّش الأحلاممن جديد نعيش تعرفنا الري
ح وتتلو نشيدنا للغماممن جديد يعود يبني لنا التا
ريخ في ظلّه الفسيح مكاناوتقول الحياة أن لنا ظلاّ
لنا بعض قصّة وكياناإننا لم نمرّ بالعالم المّي
ت صرعى ولم نعش أمواتاإن في ذكرياتنا وترا يخ
فق بالضوء إن فيها حياةستقول الحياة إنّا مررنا
وملآنا الحياة شعرا وفناأن شيئا منّا عميقا سيبقى
في سكون الوجود لحنا يغنّىفي حفيف الأوراق تسحبها الري
ح على الأرض في وجوم الخريففي بروق الشتاء تقتحم اللي
ل وفي عاصف الرياح المخيففي ارتشاف الظلام للقمر الأب
يض في الصيف في سكون المساءفي أغاني فلاّحتين تجوبا
ن مع الفجر دولة الأنداءستقول الحياة إنّا بحثنا
في الدياجير أشهرا وسنيناعن رحيق مغلّف بالأساطي
ر جهلنا وعاءه المكنونانحن ندعوه بالسعادة لكن
ليس منّا من ذاقه أو رآهذلك اللغز , ذلك الحلم المح
جوب خلف الضباب أين تراه ؟في أناشيدنا يعيش ضبابا
تائها في مدى فسيح عريضفي حكاياتنا يظلّ أساطي
ر ولغزا محجبا بالغموضنتغنّى به ونجهل ما كن
ه شذاه وأين يحيا ضياه ؟أهو جنّية مجنّحة الأق
دام تحيا في عالم لا نراه ؟من حرير السحاب أثوابها النا
عمة النسج من خدود الزهورمن جناح الفراش ملمس خدّي
ها ومن رّقة الشذى المسحورمقلتاها العميقتان وجود
أزرق اللون ناعم وّضاءمنهما تنبع السماء ولون ال
بحر من نعستيهما الأضواءمن غبار النجوم جدران مأوا
ها الغريب المشيد فوق الزمانفي مكان من الوجود على با
ب رؤاه يضيع حدّ المكانوعلى رأسها جدائل بيض ال
عطر من زنبق غريب الرواءأنبتته حدائق القمر النا
ئي لتلك الجنّية البيضاءويداها المسحورتان تقودا
ن النجوم الشقراء عبر الفضاءوتسوقان ركب أحلامنا الحو
راء نحو الضياع والإنطفاءتلك جنّية السعادة في قص
ر بعيد يقوم خلف الغيومعنده تنتهي رغائبنا الول
هى وأشتات حلمنا المحطوموعلى سوره تصبّ أماني
نا وأشواقنا ونار صبانافي انفعال ندقّ أبوابه الصمّ
اء والصمت ساخر من أساناوهي تلك الجنّية الفظة الوح
شية القلب من بنات السعاليربما أقتات روحها بصدى آ
هاتنا في الفراغ ملء اللياليربما شيدّت اريكتها الفض
ّية النسج من حطام مناناربما لوّنت ملابسنا الفج
رّية اللون من لهيب دماناوصداها ترويه من عطش السا
رين في كل قفزة ربداءوتغّذي نيران موقدها من
كل حلم نصوغه ورجاءهذه الرّبة النحاسّية الإح
ساس لو لان قلبها الصخريّلو أراقت ضياءها فوق هذي الأ
رض وافترّ وجهها الزئبقيّلو حنا سمعها واصغى إلى رج
ع الأغاني المسوّدات الرنينيتلّوى الحنين فيها وينساب
ب كأمواج جدول مفتونأرسلتها حناجر نسيت أنّ
الأغاني قد لا تكون بكاءلم تعد تعرف العذوبة فاليأ
س حشاها وازدراءآه أصغي يا ربة الأفق المف
قود من سترك الذي لا يزاحربما لم تزل حناجرنا تم
لك لحنا لم تبتلعه الجراحوانظري من ضباب قصرك من لغ
زك من صمت جوّك المجهولأرسلي نظرة كما يعبر البر
ق إلينا من جفنك المعسولنحن جئنا بيأسنا بأماني
نا بأشلاء أمسنا المدفونالملايين مرسلين مع الأح
زان حلم المستقبل الموهون
عن القصيدة
«أغنية للإنسان» من شعر نازك الملائكة، من العصر الحديث، وتقع في ٣٩٨ بيتًا. ورويّها حرف اللام، وهي قصيدة وطنية.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.