الخيط المشدود في شجرة السرو
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
-1-في سواد الشارع المظلم والصمت الأصمّ
حيث لا لون سوى لون الدياجي المدلهمّحيث يرخي شجر الدفلى أساه
فوق وجه الأرض ظلاّ ,قصة حدّثني صوت بها ثم اضمحلا
وتلاشت في الدّياجي شفتاهقصة الحبّ الذي يحسبه قلبك ماتا
وهو ما زال انفجارا وحياةوغدا يعصرك الشوق إليّا
وتناديني فتعيى ,تضغط الذكرى على صدرك عبئا
من جنون , ثم لا تلمس شيئاأيّ شيء , حلم لفظ رقيق
أيّ شيء , ويناديك الطريقفتفيق..
ويراك الليل في الدرب وحيداتسأل الأمس البعيدا
أن يعوداويراك الشارع الحالم والدفلى , تسير
لون عينيك انفعال وحبوروعلى وجهك حبّ وشعور
كلّ ما في عمق أعماقك مرسوم هناكوأنا نفسي أراك
من مكاني الداكن الساجي البعيدوأرى الحلم السعيد
خلف عينيك يناديني كسيرا.....وترى البيت أخيرا
بيتنا , حيث التقيناعندما كان هوانا ذلك الطفل الغريرا
لونه في شفتيناوارتعاشات صباه في يدينا
-3-"ها هو البيت كما كان , هناك
لم يزل تحجبه الدفلى ويحنو..فوقه النرنج والسرو الأغنّ
وهنا مجلسنا..ماذا أحسّ ؟
حيرة في عمق أعماقي , وهمسونذير يتحدّى حلم قلبي
ربما كانت..ولكن فيم رعبي ؟هي ما زالت على عهد هو أنا
هي ما زالت حناناوستلقاني تحاياها كما كنا قديما
وستلقاني....." .وتمشي مطمئنا هادئا
في الممر المظلم الساكن , تمشي هازئابهتاف الهاجس المنذر بالوهم الكذوب :
" ها أنا وقد فارقت أكداس ذنوبيها أنا ألمح عينيك تطلّ
ربما كنت وراء الباب , أو يخفيك ظلّها أنا عدت , وهذا السلّم
هو ذا الباب العميق اللون , مالي أحجم ؟لحظة ثم أراها
لحظة ثم أعي وقع خطاهاليكن ...فلأطرق الباب .."
وتمضي لحظاتويصرّ الباب في صوت كئيب النبرات
وترى في ظلمة الدهليز وجها شاحباجامدا يعكس ظلاّ غاربا :
" هل..؟ ويخبو صوتك المبحوح في نبر حزينلا تقولي إنها.."
" يا للجنون أيها الحالم , عمّن تسال ؟
أنها ماتت"وتمضي لحظتان
أنت ما زلت كأن لم تسمع الصوت المثيرجامدا , ترمق أطراف المكان
شاردا , طرفك مشدود إلى خيط صغيرشدّ في السروة لا تدري متى ؟
ولماذا ؟ فهو ما كان هناكمنذ شهرين..وكادت شفتاك
تسأل الأخت عن الخيط الصغيرولماذا علقّوه ؟ ومتى ,
ويرنّ الصوت في سمعك: "ماتت..""إنها ماتت.." وترنو في برود
فترى الخيط حبالا من جليدعقدتها أذرع غابت ووارتها المنون
منذ آلاف القرونوترى الوجه الحزين
ضخّمته سحب الرّعب على عينيك "ماتت.."-4-
هي "ماتت.." لفظة من دون معنىوصدى مطرقة جوفاء يعلو ثم يفنى
ليس يعنيك تواليه الرتيبكل ما تدركه الآن هو الخيط الغريب
أتراها هي شدّته ؟ ويعلوذلك الصوت المملّ
صوت "ماتت.." داويا , لا يضمحلّيملأ الليل صراخاً ودوياً
"إنها ماتت" صدى يهمسه الصوت ملياوهتاف رددته الظلمات
وروته شجرات السرو في صوت عميق"إنها ماتت" وهذا ما تقول العاصفات
"إنها ماتت" صدى يصرخ في النجم السحيقوتكاد الآن أن تسمعه خلف العروق
-5-صوت ماتت رنّ في كلّ مكان
هذه المطرقة الجوفاء في سمع الزمانصوت " ماتت" خانق كالأفعوان
كلّ حرف عصب يلهث في صدرك رعباورؤى مشنقة حمراء لا تملك قلبا
وتجني مخلب مختلج ينهش نهشاوصدى صوت جحيميّ أجشا
هذه المطرقة الجوفاء : "ماتت"هي ماتت , وخلا العالم منها
وسدى ما تسأل الظلمة عنهاوسدى تصغي إلى وقع خطاها
وسدى تبحث عنها في القمروسدى تحلم يوما أن تراها
في مكان غير أقباء الذكرإنها غابت وراء الأنجم
واستحالت ومضة من حلم-6-
ثم ها أنت هنا , دون حراكمتعبا , توشك أن تنهار في أرض الممرّ
طرفك الحائر مشدود هناكعند خيط شدّ في السروة , يطوي ألف سرّ
ذلك الخيط الغريبذلك اللغز المريب
أنه كلّ بقايا حبّك الذاوي الكئيب-7-
ويراك الليل تمشي عائدافي يديك الخيط , والرعشة , والعرق المدوّي
"إنها ماتت.." وتمضي شارداعابثا بالخيط تطويه وتلوي
حول إبهامك أخراه , فلا شيء سواه ,كلّ ما أبقى لك الحبّ العميق
هو هذا الخيط، واللفظ الصفيقلفظ " ماتت" وانطوى كلّ هتاف ما عداه
عن القصيدة
«الخيط المشدود في شجرة السرو» من شعر نازك الملائكة، من العصر الحديث، وتقع في ٦٥ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.