بلبل في قفص (1)
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
كم آيةٍ لله في خلقهِمظهرها الحُسْنُ!
يا من له قلبٌ.. ألا فاسقهِمن كأسنا نحنُ
لؤلؤتي! كم مرّةٍ قلتِ لي:«يا أبتاه، اروِ لنا قصّهْ...
ما أوحشَ الليلَ بلا سلوةٍأما لنا من غدره فُرصه؟
وأنتِ من سنّكِ في باكرٍتُورث من جاوزها غُصّه
لا تفهمين الشعر.. إلا إذاخفّ بمن يُنشد للرقصه
حتى إذا عاينتِني ليلةًمُنهمكاً، وأنتِ في رُخصه
أستطلع الأنجم في دُملجٍخُيِّلتِ لي -- من دونها فَصّه!
نبّهني صوتُك مسترفِداً:«أليس في شعرك لي حِصّه؟»
بَلى! وبُلّغتِ، فلا عمرهايظلّ في الطوق.. ولا حفصه
دونكِ من حبيإذن نفحةً تجمع بين الشعر والقصه..
لبلبلٍ فُرِّق عن إلفهِيا ما رأى في قفص شخصه:
****بنيّتي! إنْ كنتِ لم تخرجي
إلى ضواحينافاتَكِ في حاضرنا المُبهجِ
أحوال ماضيناأبصرتُها خَوْداً على فقرها
كأنها الريحان في الآنيَهْترفع ما تجني على رأسها
حاسرةًرأدَ الضحى حافيه وسط نثار القمح تمشي بهِ
في حقلها ضاحكةً لاهيهفلو بدا للـ«حُسْن» في غيرها
ما اختارها إلا على ما هيهقريرة العين بما تجتلي
من فرشه، مُحتضناً واديهوالماء يجري تحتها سلسلاً
ينفض بُرْدَيْهِ، من الساقيهكم أنشد الطيرُ على بابها
بكل ما تشعره هانيهكأنما ينبع من قلبها
ما أنطقَ اللهُ به شاديهأغنيةً في الحب معسولةً
لا الوزن يُزريها ولا القافيهغانيةٌ.. قد زانها أنّها
تنعم في الأسمال بالعافيهلقد أعادتْ للضحى أُنسَهُ
لما انثنتْ تيهاكأنّما «الحُسن» يرى نفسَه
مُجسّماً فيهاوعاش للخَوْد ابنُ عمّ لها
كأنها رايته في الجهادْأَلّف ما بينهما سعيُهُ
لودِّها بالرزق من كل وادفحظّه منها على وصلهِ
كحظها منهقراءٌ وزاد كان اذا أمسى فهشّتْ لهُ
وحدّثته بليالي الحصادكأنما البدر على وجهها
يُشرق بالأنوار ملء الوهادكان إذا آوى إلى رحلهِ
حُبِّب في صمت إليه السُّهادكأنما الأنجم تُلقي لهُ
لألأةً عنها حديثاً يُعادولم تكن «نُعم» وقد نهّدتْ
أقلَّ إصغاءً لهمس الفؤادوإنما عاشتْ من الصون في
زهو الثريا، رغم قرب الوسادكأنما الحسنُ الذي زانَها
ما صانها إلا لأمر يُرادكلاهما يسعى بلا مِنّةٍ
لراحة الآخرْضمّهما طيرين في جنةٍ
حبّهُما الطاهرْومرّتِ الأشهرُ في حسنها
أشبهَ شيء بشذور اللآلْكأنما هلّ بها كوكبٌ
في غمرة من نوره، ثُمّ زالفكل صبح نظرةٌ.. تلتقي
على معانٍ، كم لها من ظلالوكلَّ عصر، موعد.. ينتهي
في نزهة، يغفو عليها الخيالهل يذكر القُمريّ إذ أقبلا
يوماً، فأغضتْ طرفها في دلالوكفُّها اليسرى على صدرها
في مِجْول ضاء بها كالهلال«يا هانىءُ! اصْدقني، فلو نالني
غيرُك بالدنيا.. رفضتُ النوالأكنتَ تهوانيَ، لو لم يكنْ
لي في شباب العمر هذا الجمال؟»وكاد لا يُفصح عن ردّهِ
لولا دموع بدرت بانهمالفقرّبتْ فاهاً على رعشةٍ
تلقط من فيه جواب السؤالقد قدرّ الله لنا عيشةً
فنحن نحياهاما كل من يُنشد أمنيةً
يا نُعم! يُؤتاهاوزارها هانىءٌ يوماً على
غير الذي تعهد من حالِهِيجرّ ساقيه إلى كوخها
جرّاً، ويستأذن كالوالهفرابها أمرٌ.. وودّتْ أسىً
لو أنها ناءتْ بأثقاله«ما لك يا هانئُ! تمشي كمن
يرسفمجروحاً بأغلاله؟ اللهَ في قلب تمادى بهِ
حبُّك.. لا تعبثْ بآمالهفأطرق الرأس مليّاً، كمن
يستنكر الخرق بأسمالهوقال «يا بؤسي! ألا ليتني
متُّ ولم أضرع لأمثاله...هذا المُعيديُّ الذي حقلُنا
ملكٌبمن فيه لأخواله توارثوا الملك يداً عن يدٍ
كأننا من بعض أنفالهفها هو اليومَ أتى خاطباً
حُسنَكِلا كان على ماله...» ولم يكد يلفظها قطرةً
من كأسه المرّهحتى رآها جمدتْ.. صورةً
ثم هوتْ.. صخرهأهكذا ينهار في لمحةٍ
ما عرّشَ الحب لأجنانهاوتذبل الآمال في روضها
ولم تَطُفْبعدُ بريحانها فليتها ما لبستْ حُلّةَ الْـ
ـحُسنِ، ولا ضاء بوجدانهاإضاءةَ الشمس لما حولها
وهي مُعرّاة لنيرانهاوبُتَّ في الأمر، وتمّ الذي
شاءتْ لها الأم بطغيانهافحفَّ بالغادة أترابها
يُصلحنَكالعادة من شانها من كل حوراءَ.. كأنّ الكرى
يضحك للصبح بأجفانهايُجلينها بالطيب في عَرْشةٍ
تعبق في حمرةِ أركانهافاختلجتْ في عينها دمعةٌ
غُصَّ به الحلقُ لتهتانهاوزُفّتِ البنتُ إلى عِرسها
قد علم الله بأشجانهاكوردة جَلوتُها لم تَطلْ
في حضن مَيّاسِحتى حواها القصر بين الكِللْ
حانيةَ الراسِوأصبحتْ لؤلؤةَ القصر.. لا
تملك للمالك إلا رضاهْفعطّرتْ فاهُ بأنفاسها
ساعةَ ما دارتْ عليها يداهوبلّلتْ بالدمع أشواقَهُ
كما يبلُّ الزهر طِيباً نَداهلائذةً بالذلّ من صمتها
بين يديْ عزّته حين فاه:«كم كنتُ أهواكِ، ولكنني
أعبدكِ اليوم لهذا الشُّداه!»ولم يعد في قلبها موضعٌ
تشكوه من شدّة ما قد عراهكزورق في لجّة، غاب عن
نوتيّه الكوكبُ وَهْناً، فتاهتُنسيه في الليل هموم الضحى
كأنها في الدهر معنى صِباهحتى إذا أغفى على حُلمهِ
عادت ترى في الحلم مالا يراهكأنما عاد لها عيشُها
بين مجالي الزهر، حول المياهلم تألُ في خدمته جهدَها
بحسنها الفانيدافنةً في قلبها عهدها
لـ«قلبها» الثانيومرّتِ الأيام، والكلّ مِنْ
نُعم وما جدّ لها في حُبورْإلا فؤاداً في دُجى يأسهِ
تخطّفتْه جارحاتُ النسوركم ناشد الأنجمَ عن لحظها
وعن صباها البدرَ إذ يستديروناشد القُمْريَّ عن ضحكها
وعن سراها ناعساتِ الزهوروكم أجال الطرف من حولهِ
فلا يرى إلا الدوالي تدوروكوخها خلف الربى خاوياً
من بعدها تأوي إليه الطيورفيذرف الدمع على حالهِ
كأنما الدمع بقايا سطورمن قصة يحمل في قلبهِ
عنوانها، مُرخىً عليها ستوروكم أطلّتْ غادةُ القصر من
شرفتها تحلم، والصبح نورفأبصرتْه مثلَ طيف الهنا
في أرضها يُلقي عليها البذورأهكذا ينهار في عرسها
ما شاده الحبُّ؟وينمحي ما خطَّ في طِرسها
من دمه القلبُ.
عن القصيدة
«بلبل في قفص (1)» من شعر إبراهيم العريض، وتقع في ٩٩ بيتًا. ورويّها حرف الصاد.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.