عاشقة تطارحها بيروت الحزن
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أعدو إلى النسيان،فيجمح بي حصان الذاكرة...
أمشي وحيدة على محيط الكرة الأرضية،ويركض خلفي ذلك الماضي كله كطفل يبكي...
بيروت، سرقت عتباتك مني خطواتي وأنا أغادرك. فكيف أمضيبعيداً؟
في كوابيسي، لا أزال أقف كل ليلة أمام أسوارك المزينة بجثث آلافالقتلى والمخطوفين،
ووجوه الشبان تتدلى فوق أبوابك كالمصابيح المطفأة..أقف وأستجدي النسيان،
وأقايضه بعمري الآتي، فهلا أطلقت سراحي من حبك،كي أتزوج من الفتور؟
***نمت خمسة عشر عاماً، نمت طويلاً..
وحين استيقظت،كان المذياع يتابع نشرة الأخبار ذاتها..
والصحف تنشر صورة المذابح نفسها..وحين حاولت أن أطل من النافذة،
فوجئت بأنهم سوّروها بالقضبان الحديدية..وشاهدت رجالاً يعمِّرون الأقفاص الإسمنتية،
وهم يهتفون باسم الحرية..أتذكر زمن الأفق حتى القمر،
يوم لم يكن التنفس خطيئة مميتة..( ولم تكن عدّادت الهستيريا المسلحة تحصي الأنفاس وتكمّم
الحناجر. أتذكر زمن الصحو، بعيداً عن التنويم المغناطيسي لأكاذيبتنتعل الرصانة.. قبل أن يأتي آخر الزمان حين تصنع العمامةُ
شيخاً، ويصنع الرداءُ الكاهنَ، وقبل أن ينصب اللامعقول مسرحهفي شوارعنا، وقبل سقوطنا في السوريالية السياسية بين يمين الدمار
ويسار الكافيار، وقبل ذبح الضعفاء باسم "المستضعفين"، وقتلالثورة على يدي "الثوار"، وقبل أن تسود السوريالية السياسية ونصرخ
"كلنا للوطن" ونذبح الوطن بالتكافل والتراضي.. وقبل..وقبل... وبعد... وبعد... وقبل أن نفقد ذاكرتنا.. وماذا كنت
أقول؟... نسيت...)***
لقد غدروا بنا..منحناهم رقعة القلب وحلم التوحيد والوحدة
فقايضوا بنا على رقعة شطرنج الأمم..وملأوا بدمنا برك سباحتهم المترفة
وشحنوا جثننا إلى المنافي..وقلنا: غداً نعود..
ورمل الزمن يتابع تدفقه فوق رؤوسنا..والآن، وحبات الرمل تكاد تملأ حناجرنا
ما زلنا نؤكد بلا صوت كالمجانين: غداً نعود..***
ذكراك يا بيروت مزيج من الدمع والتبغورائحة زهر الليمون والبارود،
ومواكب العطور والغنج والجنازات،وخضرة الأرز الداكنة ولهيب الحرائق،
وملوحة البحر الشهية وعويل سيارات الإسعاف التي عبثاً تكنسالموتى كلهم.
ذكراك مزيج سوريالي من الموت والحياة والجنون والعقل والإغماءوالصحو..
بيروت، شيء من الجنون على حافة المستحيل،فراقك..
عن القصيدة
«عاشقة تطارحها بيروت الحزن» من شعر غادة السمان، وتقع في ٢٧ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.