هذا الجنون
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
عدلان مات ...عدلان مات وراح في صمتِ
كما عاش الحياةعدلان مات بلا ضجيج يحتويه
ولا نحيب ..وكأنه ظلً تلاشى ... بإنحدار الشمسِ
إبان المغيبوكأنما سئم الحياة .. فلم يعد
يغريه شيء بالبقاء ..عدلان مات .. وفي جيوب قميصه ..
ارواق رخصة مكوجي...كانت هويته .. مجرد مكوجي ..
اوراق رخصته تقول :إصدار أمدرمان..
حددت الزمان ..كما اشارت للمكان...
وبجنبها.. في جيبه .. لاشيء..إلا علبة فيها " سعوط"...
وكذا يموت ...!!عدلان مات كأنه ..
قد كان قرر ان يموت ..ماذا يريد من الحياة .. وقد تغير.
كل شيء حوله..حتي البيوت ..
حتي صغار الحي .. قد شبواعن الطوق الغداة
وزها بهم سمت الشبابوهفا بهم زهو الافندى
فى انيقات الثياب...شبوا فما عادوا الصغار الاشقياء
ينهي ويأمر فيهم أني يشاءلا يتقي من اهلهم لوماً
اذا نالوا العقاباما الكبار فطالما عصفت بهم
ايدي الفناءلم يبق بينهم سوي
متعثر... لا تستقر به خطاهيمشي الهوينا
ملء قبضته عصاةاو هزة من رأسه تبدو
وفي الظهر انحناء****
عدلان مات .. وكم كويبالفحم قفطانا وجبة
او بدلة يعنى بها .. وكأنه بينهما محبةولربما انقطعت زرارتها فراح
يحيكها بيديهفي صبر عجيب
اذ كان يندر ان يسائلواحدا او ان يجيب
فالصمت يحكم كل شيء عندهواذا تكلم قال فصلا
ما عليه من مزيدفي حزم جبار .. ينفذ ما يريد
ابدا ولا يعني بشيء لا يريددكانه ذاك الصغير
متران حتي السقفورأس عدلان يكاد
يلامس السقف العنيدوبعرض منضدة الثياب
بفرشها.. ذاك العتيدأو أرفف رصت بها
حُلل حفلن بكل بالِ.. أو جديدولا مزيد...
****وبجنبه في الدار " ختمه "
وهي بائعة الرغيفايام ان كان الرغيف
بلا صفوفوبغير ما احد .. يطيل له الوقوف
متمددا فوق الصناديق العتيقةوبجنبها حانوت بقالِ
من اليمن الشقيقهلا تخطيء العينان فيه
قدرة الفول العريقة****
عدلان فى ذيالك القبوِ المثبتبين جدران غلاظ
ملكُ مهابحتي ولو كانت رعاياه . الثياب
تأتي اليه مبعثراتثم ترجع في نظام
لكن حرام ان يكونلربها معه كلام
****عدلان عالمهُ سياج من حبال
نصبت بقارعة الطريقوعلي الحبال تموج الوان الثياب
من كل ازياء الرجالقد علقت من كل مرتخص وغال
تبدو شواهق من بعيدمثلما تبدو الجبال
وتظل ماشاء البقاء لهامنكسة الرؤوس
للأرض أيديها تلاعب بالظلاللا تتقي عبث الرياح
بها ولا وهج الشموس****
جاورته وانا صغيرفعرفت عن تاريخ عدلان الكثير
فيما عدا .. كم عمرهخمسون ... ام ستون .. ام سبعون
لا ادريوليس هناك من يدري
بذاكأو ليس في تكوينه شيء
يشير لعمره شيءيدل علي الزمان
إلا رواية من همُقد عاصروه في المكان
لكنه في قوةلم تلف إلا عند ايفاع الشباب
يصل النهار بليلهعملا تذل له الصعاب
عدلان وجه صارم القسماتمحدودُ الكلام
أخذ الملامح والسماتمن الشمال... اما القوام
فمن جبال النوبةامتشق القوام
تكسو ملامح وجههثقة.. وحب للنظام
عدلان... قلب طيب..وبلا رياء أو نفاق
من غير زخرفة الجدالوغير ثرثرة الكلام
وبذاك يعرفه الجميعفلا عتاب ولا ملام
****قد جاء ( امدرمان ) من
أصقاع كادقلي.. صغيرافي صباه
او من كدُقلي " بضمتين"كما يقول
قد جاء امدرمان طفلالم تغادرها خطاه
ولو لحينولربّما أخذ اسمه ( عدلان )
منها بديلا لاسمه ذاك القديمفاذا به في الحي يصبح معلماً
لا يستهان به فتخطئه العيون****
عدلان ... مات .. وما شهدت مماتهإذ راح يفصل ربع قرن بيننا
ايامها قد كانت امدرمانجنة ذلك البلد الامين
املاً يداعب حلمه حدق العيونويهِزُ اوتار القلوب
ويستخف النازحينوكأنها انشودة .. بلهاة مزمار
تفجر بالحنينوأحب امدرمان فهو لاجل ذاك
بها مقيميصغى لوشوشة الترام
يشق شارعها الطويلآهـ لذياك الترام
فكم تواثبنا خفافا حولهعند الصباح أو الاصيل
دكانه احدي محطات الترامفي اذنه ماعاش ضوضاء الترام
وببابه ابداً يمرالقادمون من الترام
والذاهبون الي الترامويكاد يعرفهم جميعا
من صغير او كبيرويكاد يعرف كل شيء
من شؤون الحي معرفة الخبيروبلا كلام
****ورجعت أسأل بعد ربع القرن
عن بعض الرفاقاتراب ذاك الشارع الممتد
او ذاك الزقاقوسألت عن عدلان
في لهف المشوق... فقيل ماتوطفقت اسأل.. كيف مات
واذا بأصبع صاحبي راحت تشيروقد بدأ مني التفات
اذهالني قصر مشيدوعمارة قامت علي انقاض
دكان الفقيد..وكل جيران الفقيد
قد كان اعلاها طوابقمن روائع هندسية
وتقوم اسفلها معارضللتجارة عالمية !!
فمكان عدلان محل مجوهراتلا تكف عن البريق
ومحل بائعة الرغيفيقوم " بوتيك " أنيق
ومكان دكان اليمانيصيدلية
وكذا البقية****
الآن قد ادركت ما يعني الصديقعدلان لا يقوى على
هذا الجنون ولا يطيقومضى الصديق يقص
تاريخ العمارةومصير عدلان... ويوجز في العبارة
عدلان لم يصبر علي ما قد رآهولم يحاول
لما رأي ايدي الرجالتهد جدران المنازل
ورأي بايديها المعاولورأي التراب يهال من
دكانه ورأى الجنادلوديث أعمال جري
بين المهندس والمقاولوخرائط تطوي وتنشر
والعجاج يثور من كل الجهاتعرف النهاية قد دنت
فطوي حبال غسيلهومتاع مهنته وفات
ولم يحن منه التفاتوسألت عنه
فقيل... مات !!!
عن القصيدة
«هذا الجنون» من شعر الهادي آدم، من العصر الحديث، وتقع في ١٠٩ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.