رقصة الكروان
الشاعر: طالب همّاش · البحر: المنسرح
«رقصة الكروان» من شعر طالب همّاش، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر المنسرح، ورويّها حرف القاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سامحتكَ بالقلبِ اليائسِ يازريابْ ! ... الناياتُ ترفرفُ كالبجعاتِ على كونشيرتو العاشقِ
والمطرُ العاطرُ يهطلُ أوتارا أوتارْ .. ... والنهرُ يسيلُ زلالاً مع صوتِ الغيتارْ .
فيمَ سكوتك ... والسكرُ مسيلُ دموع العينِ على الأكوابْ ؟
فيم سكوتك يا زرياب ْ ؟ ... المغربُ أسرابُ نجومٍ
تتشعشعُ في بستانِ شموعْ ... وسلالٌ تتنزّلُ فوق سلالْ
فالعاشقُ يبكي من فرطِ جمالِ الينبوعْ .. ... والجسدُ الأبيضُ للمرأةِ ينبوعُ جمالْ !
والخمرةُ ذاتُ الطعمِ الرائعِ ... تتقطّرُ صافيةً مثل كريّاتِ البلورْ
فتجمّر في الكأسِ نقاط النورْ . ... والقمرُ الأروعُ فوق نواظرنا
يتوالدُ ... في الليل هلالاً بعد هلالْ .
هوذا الليلُ كثوبِ العرسِ ... يهرهرُ زهراً أخضرَ فوق خدود الدنيا
والفجرُ يشقشقُ في المشرقِ أسراباً أسرابْ . ... وأريجُ الرمانِ يفوحُ على وجهِ فتاةٍ
جهجهَ في شهوتها المشمشُ ... وارتعشَ الطلُّ
فراحت ترقصُ كالغيمةِ فوقَ رؤوسِ الأشجارْ ... فيم سكوتك يا زريابْ ؟
اعزفْ نغماً مزماريّاً يطربُ هذا القلبَ ... لترقصَ روحُ العاشقِ
كالكروانِ على رجعِ زغاريدِ المزمارْ ! ... خلّ ضفائرَ أنثاكَ ترفرفُ فوق جمالِ الكونِ
شرائطَ أفراحٍ ... وزرازيراً وطيوراً بعد طيورْ !
فالفتياتُ نوافيرٌ ... تتعاشقُ في رقصتها المائيّةِ
والتفاحُ صدورْ . ... ماءٌ أبيضُ ماءٌ أزرقُ
ماءٌ يشربُ ماءَ النورْ .. ... وأغانينا في سكراتِ الأعراسِ
نواعيرٌ ... تتوقّفُ ثم تدورْ .
أسمعنا عزفكَ ! ... موسيقاكَ ذراعٌ بيضاءُ تهزُّ سريرَ النائم
في فردوس أغاني ، ... وتلامسُ أقداحٍ تتصادى فوق صواني ..
وأغانيكَ نساءٌ تأخذني بين يديها الدافئتينِ ... وترضعني ماء النورْ .
فعناقيدٌ تتدلى فوق فمينِ رضيعينِ ... ولوزٌ يتسلّقُ سورْ .
.. عصفورٌ يتعذّبُ في مزمورْ ! ... موسيقاكَ حبيباتُ المشمش
تتساقطُ من غصنِ الصبحِ ... وحبّاتُ الخوخِ المجروحْ ..
وسحابةُ صيفٍ هيفاءُ ... تردُّ نسائمُها الروحْ ..
موسيقاكَ دموعٌ تنزفُ من قلبِ صديقٍ صُدّوقْ ! ... فيمَ سكوتكَ والأقمارُ على بركِ الشهوةِ
تلعبُ بين أيادينا ... لعبَ العاشقِ والمعشوقْ ؟
فيم سكوتك يا زريابْ ؟ ... حنجرةُ العاشقِ عصفورٌ في الشوقْ .
حنجرةُ المرأةِ سكّرةٌ ذابت ... في ماءِ العنّابْ .
فالأجراسُ تدقّ وزيزانُ الحبّ تغني في الورد ... وريشاتُ النورِ تلوّنُ بالأخضرِ والأزرق والأحمرِ
بستانَ شروقْ .. ... والأرواحُ حماماتٌ تتغازلُ نشوى
في الأفقِ الخلاّبْ . ... سامحتُ سكوتكَ بالقلبِ اليائسِ يا زريابْ !
ما شرّقَ بالحزنِ الأترابُ ... ولا غرّبَ بالشوقِ الأصحابْ !
ماذا أخذَ الحبُّ من الأحبابِ ... وماذا خلّى للعشقِ الغيّابْ ؟
لم نفتحْ بابَ القلبِ على القلب ... ولا باب الروح على الروح
لنقطعَ دربَ العمر سكارى ... والبابُ على البابْ !
لم نفتحْ غيرَ شبابيكِ الليل على الأغرابْ ! ... لكنّي الآنَ مليءٌ بالصمتِ الربانيّ
وحزنِ العودِ ... أضمُّ غناءَ البلبلِ في غيبوبةِ ساعاتِ اللوزِ
وأغفو كالكأسِ على ماءِ السهر الظمآنْ ! ... يا ربَّ العودِ أنا الآنْ
أسمعُ موسيقايَ المهموسةَ في نفسي ... تتسقسقُ بين نعاسِ الليلِ
وإغفاءةِ روحِ السكرانْ ! ... فأرى قديسًا يبكي في جوفِ كمانْ !
يازريابُ لقد راقَ الليلُ ... وشاعَ سكونٌ أزرقُ في الغسقِ السرانيّ
وراحَ السكرُ يروقْ . ... صافٍ عزفكَ في إغفاءةِ روحِ الشاعرِ صفوانْ .
فأذبني ذوبانَ الغصّةِ في صعداءِ القلبِ ... وأسكرني بأغانيكَ
لأسرحَ فوق جمالِ العالمِ فوقْ ! ... أسكرني كي أتمايلَ كالنساكِ
على تعزيمةِ موسيقاكَ ... فأجنحةُ البهجةِ ترقصُ دائرةً
كفراشاتٍ حول سراجِ النومِ ... وقلبُ الشاعرِ يرقصُ كالمتصوّفِ
فوقَ بساتينِ الكرزِ الممشوقْ ! ... أقْدَسُ ساعاتِ الغبطةِ
أن تتراءى في إشراقةِ نورٍ ... رؤيا الخالقِ للمخلوقْ ..
أجملُ حالاتِ العزلةِ أن نسمعَ في الموسيقى ... أصواتَ أحبّتنا الغيّاب ْ .
إعزفْ نغماً مزمارياً يا زريابْ ! ... فأنا مغمورٌ بجمالِ سماواتِ الصيفِ
أناغمُ روحي مع روحِ الكونِ ... كأنّي قدّيسُ الدنيا العذراءِ ورائيها
وابنُ الإصغاءِ على شباك لياليها ... وحفيدُ مراثيها حين تدورُ الراحُ
مراحاً بعد مراحْ . ... في الصبحِ يطهرُ رؤياي شروقُ الشمسِ
وفي الليلِ أطهرُ قلبي بأهلاّتِ هلالِ الأفراحْ ... مجروحاً أتلامسُ مع صوتِ الناي
وشفّافاً مع تعزيمةِ موسيقى ... أتلامسُ مع أنثاي إذا سكرَ الغيتارُ
تلامسَ أقداحْ . ... نتلامسُ بالأعينِ في غيبوبةِ سكرٍ بيضاءَ
فتسقيني العسلَ الأبيضَ من عينيها المسكرتينِ ... وأسقيها من عينيّ لقاحَ التفاحْ .
ما أحلى أن نتلامسَ بالأرواحْ ! ... أن نتهامسَ مثل كناريينِ على زهرة ِدوارِ الفجر،
كطاوسينِ عروسيّينِ ... يرفّانِ على إطلالةِ شمسٍ بصباحْ .
فالليلُ خياليٌّ ، ... والحزنُ سماويٌّ والبجعاتُ النشوى
تتطايرُ في جوّ السهرةِ كالأرواحْ ! ... فلماذا أرهفُ سمعي في ساعاتِ الصمت ِ
فلا أسمعُ موسيقاكَ ... ترخّمُ في الريحِ حفيفَ الأحبابْ ؟
يا زريابَ الساكتَ في صدري ... ما بعدَ جراحِ الشاعرِ في العشق جراحْ !
ما من سببٍ للعشقِ ولا أسبابْ . ... كانت نقراتُ العودِ الباكي
تترقرقُ مثل حبيباتِ الأمطارِ على خشبِ البابْ ... فلماذا انقطعَ الصوتُ
وصرنا كباراً ... نتأملُ من شباكِ الشيخوخةِ كالأغرابْ ؟
نتأملُ والأعينُ تغرورقُ بالدمعِ ... خريفِ العمر الحافي
و رحيلَ الأسرابْ ! ... سامحتُ غناءكَ بالقلبِ اليائسِ يا زريابْ !
البحر والقافية
القصيدة على بحر المنسرح. بحر قليل الاستعمال، سُمّي منسرحًا لانسراحه أي سهولته على اللسان.
تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن.
القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البلور: بلر: البِلَّوْرُ عَلَى مِثَالِ عِجَّوْل: المَهَا مِنَ الْحَجَرِ، وَاحِدَتُهُ بِلَّوْرَةٌ. التَّهْذِيبُ: البِلَّوْرُ الرَّجُلُ الضَّخْمُ الشُّجَاعُ، بِتَشْدِيدِ اللَّامِ. قَالَ: وأَما البِلَوْرُ الْمَعْرُوفُ، فَهُوَ مُخَف … (لسان العرب)
- الرائع: ريع: الرَّيْع: النَّماء وَالزِّيَادَةُ. راعَ الطعامُ وَغَيْرُهُ يَرِيع رَيْعاً ورُيُوعاً ورِياعاً؛ هَذِهِ عن اللحياني، ورَيَعاناً وأَراعَ ورَيَّعَ، كلُّ ذَلِكَ: زَكا وَزَادَ، وَقِيلَ: هِيَ الزِّيَادَةُ فِي الدَّقِيقِ وال … (لسان العرب)
- الطعم: طعم: الطَّعامُ: اسمٌ جامعٌ لِكُلِّ مَا يُؤكَلُ، وَقَدْ طَعِمَ يَطْعَمُ طُعْماً، فَهُوَ طاعِمٌ إِذَا أَكَلَ أَو ذاقَ، مِثَالُ غَنِمَ يَغْنَمُ غُنْماً، فَهُوَ غانِمٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا. وَ … (لسان العرب)
- العاطر: عطر: العِطْرُ: اسْمٌ جَامِعٌ للطِّيب، وَالْجَمْعُ عُطورٌ. وَالْعَطَّارُ: بائعُه، وحِرْفَتُه العِطَارةُ. وَرَجُلٌ عاطرٌ وعَطِرٌ ومِعْطِير ومِعْطارٌ وامرأَة عَطِرةٌ ومِعْطيرٌ ومُعَطَّرة: يَتَعَهَّدَانِ أَنفُسهما بِالطِّيبِ … (لسان العرب)
- المغرب: غرب: الغَرْبُ والمَغْرِبُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الغَرْبُ خِلافُ الشَّرْق، وَهُوَ المَغْرِبُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ؛ أَحدُ المَغْرِبين: أَقْصَى مَا تَنْتَهي إِليه … (لسان العرب)
- النايات: نأي: النَّأْيُ: البُعدُ. نَأَى يَنْأَى: بَعُدَ، بِوَزْنِ نَعى يَنْعَى. ونَأَوْتُ: بَعُدْت، لُغَةٌ فِي نأَيْتُ. والنَّأْي: المُفارقة؛ وَقَوْلُ الْحُطَيْئَةِ: وهِنْدٌ أَتى مِنْ دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ إِنما أَراد المُف … (لسان العرب)
- اليائس: أيس: الْجَوْهَرِيُّ: أَيِسْتُ مِنْهُ آيَسُ يَأْساً لُغَةٌ فِي يَئِسْتُ مِنْهُ أَيْأَسُ يَأْساً، وَمَصْدَرُهُمَا وَاحِدٌ. وآيَسَني مِنْهُ فلانٌ مِثْلُ أَيْأَسَني، وَكَذَلِكَ التأْيِيسُ. ابْنُ سِيدَهْ: أَيِسْتُ مِنَ الشَّي … (لسان العرب)