تولَّى الصِّبا عَنِّى ، فكيفَ أعيدهُ

الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة

«تولَّى الصِّبا عَنِّى ، فكيفَ أعيدهُ» من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 49 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة حزينة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

تولَّى الصِّبا عَنِّى ، فكيفَ أعيدهُ ... وقَدْ سارَ فى وادى الفَناءِ بريدهُ ؟

أُحاولُ منهُ رجعة ً بعدَ ما مضى ... وذَلِكَ رَأْيٌ غَابَ عَنِّي سَدِيدُهُ

فَمَا كُلُّ جَفْرٍ غاضَ يَرْتَدُّ نَبْعُهُ ... ولا كلُّ ساقٍ جفَّ يخضَرُّ عودهُ

فإن أكُ فارقتُ الشَّبابَ فقبلهُ ... بكيتُ رضاعاً بانَ عنِّى حميدهُ

وأى ُّ شبابٍ لا يزولُ نعيمهُ ؟ ... وسِربالِ عيشٍ ليسَ يبلى جديدهُ ؟

فلا غروَ إن شابت منَ الحزنِ لِمَّتى ... فإنِّى فى دهرٍ يشيبُ وليدهُ

يهدِّمُ من أجسادنا ما يشيدهُ ... وَيَنْقُصُ مِنْ أَنْفَاسِنَا مَا يَزِيدُهُ

أَرَى كُلَّ شَيْءٍ لا يَدُومُ، فَمَا الَّذِي ... ينالُ امرؤٌ من حبِّ ما لا يفيدهُ ؟

وَلَكِنَّ نَفْساً رُبَّمَا اهْتَاجَ شَوْقُهَا ... فَحَنَّتْ، وقَلْباً رُبَّمَا اعْتَادَ عِيدُهُ

فَوَا حَسْرَتَا! كَمْ زَفْرَة ٍ إِثْرَ لَوْعَة ٍ ... إِذَا عَصَفَتْ بِالقَلْبِ كادَتْ تُبِيدُهُ

أَحِنُّ إِلَى وادِي النَّقَا، ويَسُرُّنِي ... عَلَى بُعْدِهِ أَنْ تَسْتَهِلَّ سُعُودُهُ

وأصدقُهُ وِدَّى ، وإن كنتُ عالماً ... بأنَّ النقا لم يَدنُ منِّى بعيدهُ

معانُ هوى ً تجرى بدمعى وِهادهُ ... وتُشرقُ من نيرانِ قلبى نُجودُهُ

تَضِنُّ بِإِهْداءِ السَّلامِ ظِباؤُهُ ... وتُكْرِمُ مَثْوَى الطَّارِقِينَ أُسُودُهُ

تساهمَ فيهِ البأسُ والحسنُ ، فاستوتْ ... ضراغمهُ عندِ اللِّقاءِ وغِيدهُ

تلاقَت بهِ أسيافهُ ولِحاظه ... ومالت بهِ أَرماحهُ وقُدودهُ

فَكَمْ مِنْ صَرِيعٍ لا تُدَاوَى جِرَاحُهُ ... وكم مِن أسيرٍ لاتحلُّ قيودهُ

وفى الحى ِّ ظبى ٌ إن ترنَّمتُ باسمهِ ... تَنَمَّرَ وَاشِيهِ، وهَاجَ حَسُودُهُ

تَهيمُ بهِ أستارهُ وخدورهُ ... وتَعْشَقُهُ أَقْرَاطُهُ وعُقُودُهُ

تَأَنَّقَ فِيه الحُسْنُ فامْتَدَّ فَرْعُهُ ... إِلَى قَدَمَيْهِ واسْتَدارَتْ نُهُودُهُ

فَلِلْمِسْكِ رَيَّاهُ، ولِلْبَانِ قَدُّهُ ... ولِلْوَرْدِ خَدَّاهُ، وللظَّبْيِ جِيدُهُ

فَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ يَا صَاحِ بِالْهَوَى ... فإنَّ الرَّدى حِلفُ الهوى وعَقيدهُ

ومَا أَنَا مِمَّنْ يَرْهَبُ الْمَوْتَ إِنْ سَطَا ... إذا لم تكُن نُجلَ العيونِ شهودُهُ

أفُلُّ أنابيبَ القنا ، ويفلنى ... قَوَامٌ تَنَدَّتْ بالْعَبِيرِ بُرُودُهُ

فإن أنا سالَمتُ الهوى َ فلَطالما ... شهِدتُ الوغى َ والطَّعنُ يَذكو وَقودهُ

وتَحْتَ جَنَاحِ الدِّرْعِ مِنِّي ابْنُ فَتْكَة ٍ ... مُعَودة ٌ ألاَّ تُحَطَّ لُبودهُ

إذا حرَّكتهُ هِمَّة ٌ نحوَ غاية ٍ ... تَسَامَى إِلَيْهَا في رَعِيلٍ يَقُودُهُ

ومُعْتَرَكٍ لِلْخَيْلِ في جَنَبَاتِهِ ... صَهِيْلٌ يَهُدُّ الرَّاسِيَاتِ وَئِيدُهُ

بعيدِ سماءِ النَّقعِ ، ينقضُّ نسرهُ ... على جُثَثِ القتلى ، وينغلُّ سيده

تَرفُّ على هامِ الكماة ِ سُيوفهُ ... وتَخفقُ بينَ الجحفَلينِ بنودهُ

إِذَا اشْتَجَرَتْ فِيهِ الرِّماحُ تَراجَعَتْ ... سَوَافِرَ عَنْ نَصْرٍ يُضِيءُ عَمُودُهُ

تَقَحَّمْتُهُ والرُّمْحُ صَدْيَانُ يَنْتَحِي ... نِطافَ الكُلى ، والموتُ يمضِى وَعيدهُ

فَمَا كُنْتُ إِلاَّ الْغَيْثَ طَارَتْ بُروقُهُ ... وما كُنْتُ إِلاَّ الرَّعْدَ دَوَّى هَدِيدُهُ

أَنَا الرَّجُلُ الْمَشْفُوعُ بِالفِعْلِ قَوْلُهُ ... إِذا ما عَقِيدُ الْقَوْمِ رَثَّتْ عُقُودُهُ

تعوَّدتُ صِدقَ القولِ حتَّى لو أنَّنى ... تَكَلَّفْتُ قَوْلاً غَيْرَهُ لا أُجِيدُهُ

أُضاحِكُ وَجْهَ الْمَرْءِ يَغْشَاهُ بشْرُهُ ... وأَعْلَمُ أَنَّ الْقَلْبَ تَغْلِي حُقُودُهُ

ومَنْ لمْ يدارِ النَّاسَ عاداهُ صحبهُ ... وأَنْكرهُ منْ قومهِ مَنْ يسودُهُ

فَمَنْ لِي بِخِلٍّ أَسْتَعِينُ بِقُرْبِهِ ... على أملٍ لم يبقَ إلاَّ شريدهُ

أُحاولُ وِدّاً لا يُشان بِغدرة ٍ ... ودُونَ الَّذِي أَرْجُوهُ مَا لاَ أُرِيدُهُ

سَمِعْتُ قَدِيماً بِالْوَفَاءِ فَلَيْتَنِي ... عَلِمْتُ عَلَى الأَيَّامِ أَيْنَ وُجُودُهُ

فإن أنا لمْ أملِكْ صَديقاً فإنَّنى ... لِنفسى صديقٌ لا تخيسُ عهودهُ

وَحَسْبُ الْفَتَى مِنْ رَأْيِهِ خَيْرُ صَاحِبٍ ... يُوازِرُهُ في كُلِّ خَطْبٍ يَئُودُهُ

إذا لمْ يكُن للمرءِ مِنْ بدَهاتهِ ... نَصيرٌ، فأخلَق أَنْ تَخيبَ جدودهُ

وإنِّى وإن أصبَحتُ فرداً فإنَّنى ... بنَفسى ِ عشيرٌ ليسَ ينجو طريدهُ

وَلِي مِن بَدِيعِ الشِّعْرِ ما لَوْ تَلَوْتُهُ ... على جبلٍ لانهالَ فى الدَوِّ رِيدهُ

إِذَا اشْتَدَّ أَوْرَى زَنْدَة َ الْحَرْبِ لَفْظُهُ ... وَإِنْ رَقَّ أَزْرَى بِالْعُقُودِ فَرِيدُهُ

يقطِّعُ أنفاسَ الرِّياحِ إذا سرى ... ويسبقُ شأوَ النَّيِّرينِ قَصيدهُ

إِذَا ما تَلاهُ مُنْشِدٌ في مَقَامَة ٍ ... كَفَى الْقَوْمَ تَرْجِيعَ الْغِناءِ نَشِيدُهُ

سيبقى بهِ ذكرى علَى الدَّهرِ خالداً ... وذِكْرُ الفَتَى بَعْدَ الْمَمَاتِ خُلُودُهُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • بريده: ريد: الرَّيْد: حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْجَبَلِ. ابْنُ سِيدَهْ: الرَّيْدُ الحَيْدُ فِي الْجَبَلِ كَالْحَائِطِ، وَهُوَ الْحَرْفُ الناتئُ مِنْهُ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ، وَقِيلَ صَخْرُ الْغَيِّ، يَصِفُ عُقاباً: فَمَرَّتْ عَلَى ر … (لسان العرب)
  • جديده: جدد: الجَدُّ، أَبو الأَب وأَبو الأُم مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَجدادٌ وجُدود. والجَدَّة: أُم الأُم وأُم الأَب، وَجَمْعُهَا جَدّات. والجَدُّ: البَخْتُ والحِظْوَةُ [الحُظْوَةُ]. والجَدُّ: الْحَظُّ وَالرِّزْقُ؛ يُقَالُ: فُلَا … (لسان العرب)
  • جفر: جَفَرَ: الجَفْرُ: مِنْ أَولاد الشَّاءِ إِذا عَظُمَ واستكرشَ، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: إِذا بَلَغَ وَلَدُ الْمِعْزَى أَربعة أَشهر وجَفَرَ جَنْبَاه وفُصِلَ عَنْ أُمه وأَخَذَ فِي الرَّعْي، فَهُوَ جَفْرٌ، وَالْجَمْعُ أَجْفَار وج … (لسان العرب)
  • حميده: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*. وأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: بدأْت بالحمدُ … (لسان العرب)
  • سديده: سدد: السَّدُّ: إِغلاق الخَلَلِ ورَدْمُ الثَّلْمِ. سَدَّه يَسُدُّه سَدّاً فَانْسَدَّ وَاسْتَدَّ وَسَدَّدَهُ: أَصلحه وأَوثقه، وَالِاسْمُ السُّدُّ. وَحَكَى الزَّجَّاجُ: مَا كَانَ مَسْدُودًا خِلْقَةً، فَهُوَ سُدٌّ، وَمَا كَا … (لسان العرب)
  • شابت: شأب: الشَّآبِيبُ مِن المَطر: الدُّفعاتُ. وشُؤْبُوبُ العَدْوِ مِثْلُهُ. ابْنُ سِيدَهْ: الشُّؤْبُوبُ: الدُّفْعةُ مِنَ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ الله وَجْهَهُ: تَمْريهِ الجَنُوبُ دِرَر أَهاضيبِه و … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • غلب الوجد عليه فبكىٰ
  • يا رائد البرق يمم دارة العلم
  • عرف الهوى في نظرتي فنهاني
  • عليل أنت مسقمه
  • سواي بتحنان الاغاريد يطرب
  • ردي الكرى لأراك في أحلامه
  • قصيدة
  • ليس الصديق الذي تعلو مناسبه