كتاب الليلك
الشاعر: محمد هشام المغربي · البحر: الرمل
«كتاب الليلك» من شعر محمد هشام المغربي، وتقع في 75 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
«١» — بعيداً
صوب جرف النهر تلتئم الأكفُّ — ورغم غربتها تصايحت النوارسُ…
صوب جرف النهر تقترب القواربُ — والمشاحيف الهزيلة رغم خيبتها تغني...
صوب جرف النهر مبتعداً — أسيرُ.
لقد رأيتكِ — كنتِ تنزلقين من تفاحة فوق المجرةِ
كنتِ في خفيّكِ موسيقى الورودِ — تراوغين النجمَ
تأتلقين بالحناء والبخور والنجوى — على زنديّك آثار السحاب البضِّ.
لم يبقَ الذي خلناه قد يبقى! — «٢»
«يا حبيبي» — وامتطى ظلي دموعا كنت أخفيها
وسار الوقت في قلبي. — أنا قدّامها ذاوٍ
تماماً مثل ظلي. — «يا حبيبي»
وامتطى ظلي نحولي. — كم تمنيتُ على زندك أهريق سويعاتي الأخيرةْ
إن شيئا من رذاذ الروح قد سُرِّبَ — غطّاني
وعمّى سيرة النرجسَ — قولي أيما بوحٍ
سأخفيه بقلبي — ثم لا يعلمه غير الرذاذ الرطبِ والروحِ
أنا صدري مناخ لحطام الأصدقاءْ. — «٣»
قالت: هي أنثاكَ — فلا تفتح صندوق الوقت، ولا تعبث في آيات الميل العطريّ
وكن كالصقر بلا جيفٍ، سيعافك مزمور العشق، سترجعُ أدراجكَ، لن يخطئك السيف فكن في بهو الوحدة صقراً. — واخفض للدمع النازف من عينيك جناحا.
قالت: هي أنثاك — فلا تشعلْ فانوس الروحِ، وأذّن في القلب وعلّمه كتابة لهفته، علّمه الرقعة والنحو، وسيّره على درب الآلاء منضَّضَ وجدٍ.
هي أنثاكَ — الطالع في نجمك، والطالع في صدرك، والسيف المُشْهَرُ نحو نحولكَ؛
فافتح صدرك/أحلامك/تأريخك والمكتوب وكن مأكولا يا أنتَ ولا تكُ آكلْ. — سكتت والخوف بعينيها
تتأمل كوب القهوة، قالت : «لكنّ سماءكَ ممطرةٌ وطريقكَ…» فاحزمْ أحلامك وامضِ غروباً جرّحه العصرُ .. غروباً مكسور الضوءِ .. غروباً مطعوناً والنـزف على طرق الليل الأولى يتلاشى ! — «٤»
هل في غيابكِ موت ناحيةٍ ؟ — وهل شعلٌ ستنبت في أقاصي الروحِ؟
أسأل نفسي الحيرى وبسمتك الغريبة في خيالي كالإجاصة تستفيقُ، وتفتح الصبح النديّ بطيب نكهتها. — أطمئنكِ
اطمئني — ما يزال رضابك العسليّ يرقص في شفاهٍ -تعرفين- الوجدُ أذبلها وطعمُ البنِّ والقبلُ السريعةُ
ما يزال الوقت يلعب دوره المكرور: — يقدحني صباحاً
ثم يطفئني بلا أسفٍ ويمضي. — صدّقيني كل ما في الذهن مضطربٌ مشوّشُ
كالحمائم فوق جدول هدأةٍ نفضت قوادمها وطار الوقت مرتبكاً لمشهدها وصيحتُها كسوطٍ ليس يهدأ في سماءٍ ملَّ أزرقها يداري الصوتَ. — وحدي،
كنتُ وحدي. — أستعيظ عن النساء بوجهك القمري،
أغفل مسحة الآلام في جسدي — أعتّق ما تبقى من صراخي..
أكتم الآهات في خفرٍ — أطمئنكِ
اطمئني — ما يزال غضى ابتسامة عينك اليمنى - الـ تقول تحبني -
متوهجا في الرأسِ — يضرمني وينسى.
ما يزال حنان شعركِ — قبلةً أبقى أراودها
أشدُّ هسيس أشرعتي وأعلامي — أريد لروحيَ التعبى ملاذاً سرمدا.
«٥» — يا من أنتِ على كتفيْ بستان المشمشِ
ترمين الضحكة في خد صباحاتٍ. — طَرِبَ العمر بصوتكِ. واختارت أنجمه شامتكِ الأخفى.
ترمين برنة خلخالكِ قلقاً في برك الكون الكبرى فيشع الليلك في كل سواقي العالم والنهر يغالب دمعته ويداوي جوع الصيادينَ فألفي نفسيَ: يحضنني دفءٌ ويهدهدني في الصبح مطرْ. — قومي يا حارسة الحلمِ
قومي داوي جرح فمي — واعتصري كَرْمك واسقيني فدمي في الأصقاع تناثر يبحث عن ضحكتك العذبة، يبحث عن خلخال سافَرَ، يبحث عن أغنيةٍ هجرتني
وتناست عاشقها. — وتناست سادن جذوتها
يا من أنتِ على شفتيْ سفح الوردِ — تهزّين الضوء
فيسّاقط عشقاً — ووراء الجبل المعشوشب سربُ حمامٍ
أبكر كي يجمع آمال الفلاحين ويطرحها بين يديك الحانيتين. — وبين الكشف وعافية الستر
على زندكِ ها نبتت نبعة ريحانٍ — صارت وطني،
وعليها بيت أبي وسرير الجدة.ْ — وتمايُسُ نخلات الفجر بباب الوردةْ.
قومي يا فاختة الروحْ — قومي داوي هذا الجرحْ
واستتري بي، أخفي طعم تلاقينا المسروق برمشكِ، وائتزري بالهمس وغيـبي. — ولتتصايحْ في القلب فواخة شوقكِ: «أنت حبيبي».
هل قُبلتُنا في عتم الناس وبارودُ الأعين يجدح كل دقائقنا ويحيلُ نمارق وقتي شوكا ويهيلُ فداحة أعينهم في جيب اللحظة ويطيل الصبر على الكلمات الرثة، ينسيها ويعيد لسان الريبةِ... — هل قُبلتُنا عند الباب الباردة الشفوعة ذكرى والمشغولة بالحناءِ وماء وجوهٍ أعرفها. المغروسة في سور البيت، المتروكة في ناحية مهملة جداً من هذا الكونْ...
هل قُبلتُنا تحت سماءٍ شاحبةٍ منضودٌ فيها النجم، القمر، الشمس المطفأة، الأحلام المسبيّةُ والدعوات الـ لا تصلُ ... — هل قُبلتُنا تنده هذا الزخم المتلاحق ؟
هل لاحظتِ بأني لم أكمل شيئاً عن قبلتنا؟ — «٦»
هل يعقل أن تختار يداي سواكِ؟ — وأنتِ تُطلّين من الشرفة - شرفة روحيَ التعبى- على وحشة قلبي .. كالطفل تطلّين وتبتسمين وترمين عليّ فقاعة صابونٍ.
هل يعقل أن تختار يداي سواكِ؟ — وأنتِ تصبيّن بعينيَّ بلابل سكرى وسنابل حيرى وجداول تترى .
تترآى فيغيض الماءُ — وينسلُّ
الخجل / الطلُّ — ويعتلُّ
الأمل الضحلُ — ويبتلُّ الفلُّ
بلا وقفٍ. — هل يعقل أن تختار يداي سواكِ؟
وأنتِ غزالة سفحٍ ما فتئ النجمُ يراقب عمرك مذ كنتِ عريكة رمانٍ. — ورمى بي في دربكِ
هل يعلمُ؟! — لا أعلمُ
لكن سنيي نُذرتْ — سأظل أعُقُّ الناسَ
أعُقُّ الناس جميعاً — وأحبكِ
ندفةُ ثلجٍ أنتِ على جرحي — والباب مواربُ
كنتِ كحورية ليلٍ تجمع أنجمها وتدلّي لليقظان قليلاً من فتنتها وتُستّر جرح الآجرِّ برجليها... — أفسدني المنحُ.
«٧» — كــــــــــم شيّقٌ صــــــــوت ارتماسي فيكِ ملــعوناً على الأبواب ألفـــــاني الغسقْ
عندي رسالات الهوى، ما استكملتْ في دارة الإيماض والنـــــجوى ألـــــــــقْ — كفراشةٍ -أنتِ الضيـــــــــــاء يشدها- .. بسطتْ لدى كفيك حباً مــا احترقْ
يا قائلاً: «جــــــوراً قتلتَ مدامعي» .. أنى قتلتُ؟ وكيف سيفي قد مـرقْ ؟ — أنتِ الـ مشيتِ على جبينكِ سوءةٌ .. من حُــــــرِّ دمِّي ما طفقتُ وقــد طفـــقْ
لا تزرعــــــي الأعذارَ يا…/ سيـــان إيـلامـــــــاً وحقكِ: ما فعلنــــــــــا واختُلــقْ — كَبُرَ الهوى في دار روحي واحتمى .. بغرير نفسي. هل نسينـــا ما سرقْ؟
كذبتُ عيــــــــــــــــونٌ مازحتكِ وضاحكتــــــكِ وأنتِ راحلةٌ أنــــــا كـلّي احترقْ — «٨»
بلا سبب تركتُ يدي على نضد اكتآبي، — بتُّ ليلي موجعاً بالماءِ، ملتاثاً ببعض حيائك المشغولِ.
أحببتُ المضيَّ بكِ/ الرحيلَ إليكِ، أحببتُ ارتعاشتكِ التي تطغى على ما فيكِ. — هذي أذرع الساعات تنظرنا
لقد أشرعتُ شباكي لصوتكِ — قلتُ: تأتي!
فتلفتتْ أغصان درِّكِ، وانثنيتُ أقبِّل الآلاءَ — يا كم كنتِ موقدة بجذوتكِ الأثيرةِ
يا... — أجبْ قلباً شكا طول الغيابِ.. نديمي لا تعجّلْ بالذهابِ
أجبه فكأسه تشتاق أيضا .. نشدتكَ لا تطلْ صمت الخوابي — نديمي إن كأسينا فراغٌ .. ورأسينا، فلا تكثرْ عتابي
وحقِّكَ ما شربتُ الصبر إلا .. عنادَ الشامتين أمام بابي — هلمَّ لنوصدِ الشباك كي لا ..تفر النفس من هول اصطخابِ
لعل النفس تبقى حيث تفنى.. -سكرتُ- ورُبَّ ماءٍ في السرابِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالحناء: حنأ: حَنَأَتِ الأَرضُ تَحْنَأُ: اخْضَرَّت والتفَّ نَبْتُها. وأَخْضَر ناضِرٌ وباقِلٌ وحانِئٌ: شَدِيدُ الخُضْرة. والحِنّاءُ، بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ: مَعْرُوفٌ، والحِنّاءَةُ: أَخصُّ مِنْهُ، وَالْجَمْعُ حِنّانٌ، عَنْ أَبي …