الدّودة الأخيرة
الشاعر: حسين سرحان · البحر: السريع
«الدّودة الأخيرة» من شعر حسين سرحان، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر السريع.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
اِزْدَحَمَ الدودُ عَلَى جُثَّةٍ — أضْفَى عَلَيْهَا نَسْجُ أضْرَاسِها
حُلَّةَ نُعْمَى ، أذْهَبَتْ طِيبَهَا — وَاسْتَنْفَدَتْ آخِرَ أنْفَاسِها
* * * — كمْ قُلِّبتْ فَوْقَ فِرَاشٍ وَثِيرْ
وَكَمْ تَرَوَّتْ مِنْ مَعِينِ السُّرُورْ — وَاسْتَخْدَمَتْ فِي عَيْشِهَا زُمْرَةً
كَبِيرُهَا يَهْرَعُ قَبْلَ الصَّغِيرْ — * * *
الأَمْرُ أمْرٌ نَافِذٌ حُكْمُهُ — وَالنَّهْيُ نَهيٌ بَالِغٌ شَأْنُهُ
حَازَتْ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعَ المُنَى — فَأَيْنَ (هارون) وسُلْطَانُهُ؟
* * * — هذِي الملايينُ بِلاَ حَاسِبٍ
من ذلِكَ الدُّودِ الكَثِيرِ الكَثِيرْ — امْتَارَهَا مَائِدَةً دَسْمَةً
وَبَاتَ يَرْعَى في حِمَاهَا النَّضِيرْ — * * *
لَوْ شَامَهَا في قَبْرِهَا شَائِمٌ — لَتَلِفَتْ لِلْهَوْلِ أعْصَابُهُ
مَنْظَرَ قُبْحٍ بَعْدَ حُسْنٍ فَمَا — لَذَّةُ عَيْشٍ تِلْكَ أعْقَابُهُ ؟!
* * * — أمْسَى يُغَنِّي الدُّودُ في رَوْضَةٍ
مَا أخْرَجَتْ أحْسَنَ مِنْهَا السَّمَاءْ — أغْصَانُها ، أثْمَارُها ، نورُها
يَقْطِفُ مِنْ ألْوانِهَا مَا يَشَاءْ — * * *
قَدِ اسْتَوَى المَأْمُورُ وَالآمِرُ — فِيها ، وأمْسَى العَبْدُ كالسَّيِّدِ
فَمَنْ يجدْ في رأْسِهِ عزَّةً — شُجَّتْ غداً ، بِالتُّرْبِ والجَلْمَدِ
* * * — ثُمَّ خَلاَ الدُّودُ إلى بَعْضِهِ
مِنْ بَعْدِ أكْلِ الجُثَّةِ العَافِيَهْ — وابتَدَأَتْ مَعْرَكَةٌ فَذَّةٌ
تَسْحَقُ أوْهامَ المُنَى الغَافِيَهْ — * * *
تَنَازُعُ العَيشِ لَهُ عِبْرَةٌ — كأنَّهُمْ بَعْدَ الوَغَى يَخْلُدُونْ
للنَّفْسِ آمالٌ ، وَطُولُ المَدَى — يَقْصُرُ إنْ أذْوَتْهُ ريحُ المَنُونْ
* * * — الدُّودُ يُرْدِيْ بَعْضَهُ جَاهِداً
يَقْتَاتُ أَقْواهُ مِنَ الأضْعَفِ — كالنَّاسِ ، والطَّبْعُ لَهُ شَاهِدٌ
في حَيْثُمَا يَمَّمْتَ مِنْ مَقْذَفِ — * * *
واخْتُتِمَ المَرْأَى عَلَى دُودَتَيْنْ — مِنْ بَعْدِ فتْكٍ وَافْتِراسٍ وأيْنْ
قَدْ رَامَتَا خُلْداً فَيَا سُخْفَ مَا — تَوَخَّتَاهُ مِنْ خُداعٍ وَمَيْنْ !!
* * * — واحْتَدَمَ الجُوعُ فَلَمْ تَصْطَبِرْ
إحَدَاهُمَا وَانْبَرَتِ الثَّانِيَةْ — كِلْتَاهُمَا تَبْغي البَقَاءَ الَّذي
أعْيَا جَميعَ الأُمَم المَاضِيَةْ — * * *
واشْتَدَّتِ المَعْمَعَةُ الدَّائِرَهْ — واسْتضْرَمَتْ جَبَّارَةً جائِرَهْ
فَيَا لَها مِنْ صُورَةٍ إنْ تَكُنْ — صُغْرَى فَفيهَا المُثُلُ السَّائِرَهْ
* * * — ما الفَرْقُ بَيْنَ الحَرْبِ عِنْدَ الأنَامْ
والحَرْبِ عِنْدَ الدُّودِ ، فَوْقَ الرَّغَامْ ؟! — مَنْ كانَ ذَا نَفْسٍ ضَنِيناً بِهَا
فَلَنْ يُبالي في هَوَاها الصِّدَامْ — * * *
حَتَّى وَهَتْ إحْدَاهُما وارْتَخَتْ — فَابْتَلَعَتْهَا الدُّودَةُ الظَّافِرَهْ ؟!
كَمْ دُودةٍ في بَطْنِهَا يَا تُرَى — مِنْ بَعْدِ أنْ كَانَتْ هِيَ الآخِرَهْ ؟!
* * * — وأصْبَحَتْ في القَبْرِ غَلاَّبَةً
لاَ مُلْكَ إلاَّ مُلْكَها في التُّرَابْ — انْفَرَدَتْ بالعَيْشِ وَاسْتَيْقَنَتْ
وَهْماً ، بأنَّ العُمْرَ رَحْبُ الجَنَابْ — * * *
ماذا وَرَاءَ النَّصْرِ في حَوْمَةٍ — مَغْلُوبُها يُشْبِهُ غَلاَّبَهَا
إنَّ الرَّدَى كَأْسٌ ولا بُدَّ أنْ — يَجْرَعَ جَبَّارُ القُوَى صَابَها
* * * — يَسْتَبْشِرُ المَنْصورُ في غَدْوَةٍ
وَمَا دَرَى ماذا يُجِنُّ المَسَاءْ ؟! — وَكَمْ لوَاءٍ فَازَ صُبْحاً فإنْ
جَاءَ الدُّجَى حُطِّمَ ذاكَ اللِّوَاءْ — * * *
وَخُدْعَةُ العَيْشِ طَبِيعيَّةٌ — لِكنَّها تُذْهِلُ عَمَّا يُرامْ
أعِشْتَ ألْفاً؟ أمْ ثَلاَثاً؟ فما — بَعْدَ ، سِوَى تَرْكِكَ تَحْتَ الرِّجَامْ
* * * — وَغَبَرَتْ سَاعَاتُ بَرْحٍ ألِيمْ
ونَالَهَا في الجُوعِ أمْرٌ عَظِيمْ — حَالَةُ نَحْسٍ بَعْدَ سَعْدٍ ، وَهَلْ
مِنْ حَالَةٍ عِنْدَ اللَّيالِي تَدُومْ ؟! — * * *
وَجَهِدَتْ تُبْقِي على نَفْسِها — مَا ادَّخَرَتْهُ مِنْ ذِمَاءِ الحيَاةْ
تَنْهَشُ مِنْ أحْشَائِهَا مَا تَقِي — بِهِ كَريمَ الرُّوحِ كَرْبَ الوَفَاةْ
* * * — خُطْبَتُها تَمَّتْ ، ولاَ ضَيْرَ أنْ
يُمْنَى خَطِيبٌ مِصْقَعٌ بالسُّكُوتْ — بَالِعَةُ الجُثَّةِ مَعْ دُودِهَا
آنَ لها مُرْغَمَةً أنْ تَمُوتْ ؟!
البحر والقافية
القصيدة على بحر السريع. بحر خفيف سريع الإيقاع كما يدلّ اسمه، يصلح للموضوعات الخفيفة والقصص.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن فاعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ازدحم: ازْدَحَمَ يَزْدَحِمُ ازْدِحاماَ [زحم]:- الناسُ: تضايقوا وتدافعوا في المناكب؛ ازدحم الناس في ساحة الاحتفال/ أزدحمت الأفكار في رأسه، أي تكاثرت/ ازدحمت الأمواج، أي تلاطمت.
- الدود: (دَوَدَ) الدَّالُ وَالْوَاوُ وَالدَّالُ لَيْسَ أَصْلًا يُفَرَّعُ مِنْهُ. فَالدُّودُ مَعْرُوفٌ. يُقَالُ دَادَ الشَّيْءُ يَدَادُ، وَأَدَادَ يَدِيدُ. وَالدَّوَادِي: آثَارُ أَرَاجِيحِ الصِّبْيَانِ، وَاحِدَتُهَا دَوْدَاةٌ.
- بالغ: البَالِغُ : فا.-: الواصل إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ.-: المدرك؛ صار الغلام بالغًا والبنت بالغة--: الواصل إلى غايته حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ.
- حاسب: الحَاسِبُ : فا. -: الماهر في الحساب؛ الحاسبُ الآليُّ أو الحاسب الإلكترونيُّ أو الحاسوب هو جهاز يعمل إلكترونيًا لإجراء عمليات حسابية وغير حسابية دقيقة وسريعة وذلك باختزان معلومات فيه يستفاد منها عند الحاجة.
- طيبها: طيب: الطِّيبُ، عَلَى بِنَاءِ فِعْل، والطَّيِّب، نَعْتٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: الطَّيِّبُ خِلَافُ الخَبيث؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الأَمر كَمَا ذُكِرَ، إِلا أَنه قَدْ تَتَّسِعُ مَعَانِيهِ، فَيُقَالُ: أَرضٌ طَيِّبة لِلَّتِي تَصْ …