البدوي الذي لم ير وجهه أحد
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
لعلك يوماً سمعت عن البدوي العجيبالذي كتب الله أن لا يرى وجهه أحد
وجهه الأول المستدير البرئالذي غضّنته المهالك وافترسته الحروب
وخطت عليه المآسي علاماتها.نمت طبقات الزمان
على جلده.. فهو لا يتذكر صورتهصورة البدء
مستغرباً في مرايا المياه ملامحه الغامضةأنا هو ذاك
أنا البدوي الغريب يجوب البواديويطوي العصور ويعبر جيلا فجيلاً
إلى آخر الأزمنةأنا البدوي الذي لفظته الصحارى
الذي رفضته القصورالذي أنكرته الشموس
الذي انطفأت جذوات النجومعلى محجريه
أنا البدوي المحمل بالأوبئةبذكرى الجنان التي اندثرت
والبراري التي دفنتها الرياحبصوت الينابيع في الأودية
ولون البروق على صخرة اللانهايةأنا البدوي الذي نسخته التجارب
واختمرت صهوات الجياد إرادتهفي الرحيل الطويل.
حفظت أغاني الزوابع عبر الأفقوكنت امرأ القيس في التيه،
والمتنبي على الطرق النائيةوفي عزلة الروح كنت المعري رهين السجون الثلاثة،
وكنت دليل القوافل عبر المفاوزوكنت الذي يوقد النار للطارقين
وكنت أنا الضيف والفارس المتوحد يأتي المضاربمحتجباً بلثام الغموض
وكنت أنا الزائر الهادئ المنزوي في المجالسسمعت كلام النبي
وآمنت.. لكن رأيت الدماء التي انفجرتوحروب السلالات
والقوة العارية تمارس لعبتها وتُغيّر ألوان راياتها.أنا الشاهد الأبدي
على الموت ، تسقط ذاكرتي في الظلام.أقمت على صخرة الروح مملكتي
وفتحت حدود المقادير يوماًفمن أين دبّ البوار أليّ؟
وفي أي مرحلة في الطريقبدأت ضلالي؟
تلاشيت بين المقاصيراعصرتني المخادع
واستعبدت روحي الطيباتإلى أن تفتت لحمي
نسيت صهيل جواديولم يكن السيف رهن يدي عندما اقتحم الآخرون
مداخل حصني الأخيردخلت عصوراً من الخوف
بايعت في حضرة السيف والنطعخضت حروب سواي
وما عدت أذكر مغزى حروبي.رأيت كلاب الملوك
تطاردني في المنامرأيت الرجال
وهم يخدمون كلاب السلاطين.. أو يُضحِكونالطواشية المتخمين
وقوفاً وراء الموائد.وكالببغاء التي هرمت
كنت أملك هذا اللسان ولا أتذكر شيئاًتخاطبني الريح
أفتح عيني،هل كان ذلك حلماً بعمق الزمان؟
وهل أحلم الآن؟ها أنا في عالم يتفجر حولي بايقاعه المتوحش
طاحونة بقوى الظلمات تدور بأسرع مما أفكرعقول وراء المكاتب تبدع هندسة الموت
للمدن اللاهية.صواريخ منصوبة باتجاه النجوم
جيوش تخوض حروباً خفيةأيقهر هذا الدوار؟ سأجمع أجزاء روحي
وأبحث ثانية عن مكاني وأسمي ومسقط رأسيوما ترك الدهر لي من سلالة أهلي
عسى أن يتم التعرف يوماً.أحس وراء صلابة جلدي
وراء قناعي القديموراء برود عظامي
أحس اختلاجة روح خفيبصيص براءة
وبقيا من القوة الغاربةونازعة تشبه البعث.
هذا الرميممتى يتحرك؟
هذه العروقمتى تتدفق بالدم؟
هذي اليد الذابلةمتى تتحرر من موتها
متى يا الهي ؟!متى ؟؟
عن القصيدة
«البدوي الذي لم ير وجهه أحد» من شعر محمود البريكان، وتقع في ٤٧ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.