«٢» رد صاحب الديوان
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أقبل العيدُ في غلائل صبحنسجتها رشاقةُ الحسناء
وحواليَّ من براعيم تفاحٍ هدايا «الطبيعة» الغناء
وغواني النحل العزيزات يرقصــن وينشدن مستطابَ الغناء
وبناتُ النخيل تحني رءوسًافي تحايا، والوردُ زاهٍ إزائي
وحمامات جارتي مثلها ازدنْنَ بأبهى القلانس الغراء
يلتقطن الحبَّ الذي نثرتهكالتقاطي ابتسامَها في رجاء
وصغاري في فرحة العيد حوليتوَّجوني بنعمة السعداء
وأتمَّ التعييدَ من خالص الودْدِ رسولٌ بشعرك الوضاء
وكأني الأمير بين فنونجمة الروع من عزيز الضياء
لك والصاحبين شكري لذكرايَ، وأجمِلْ بذكرِ أهل الوفاء
غير ناسٍ يوم الخميس الذي أوحى إلى أصغريك شعر الإخاء
فترسلتَ في كتابك إبداعًا بلا كلفة ولا استحياء
كالخضمِّ الذي تدفَّق أمواجًا إلى الشاطئ الوفيِّ النائي
يتلقاه في حنانٍ وإنْ ثار، كما يصطفيه عند الصفاء
إنَّ صدقَ التعبير في الحر من لفــظ حريٌّ بالشعر شعر البقاء
ذاك روح الفنان: لا يعرف القيــد كروح المهيمن المشَّاء
وأجدتَ التشبيه في وصفك الصيــف وقد جاء خلسةً في الشتاء
كان مثل المحبِّ عندي إذا زار جَسورًا مواطن الأعداء!
زار فيها ملاحةً خبأتهانزوات الأحقاد والبغضاء
وأراني قسوتُ مثلك في وصــفي طباع الشتاء وصفَ العداء
وأنا من يرى الجمال مشاعًافي ضياء وفي مدى الظلماء
أقبل الصيفُ معلنًا لربيعبحنوِّ الأبناء للآباء
ولدته الأمُّ «الطبيعة» من قبــل أبيه كمعجز الأنبياء!
فأخذناه مثلكم في احتضانٍوسقيناه خمرة الأضواء
وحرصنا عليه يومين حتىفاتنا بعد سكرة الإغواء!
وغنمنا منه لذكراه ألوانًا من الزهر والحلى والبهاء
هي وعدٌ منه بعودٍ قريبلمجالي العشاق والشعراء
عززته الأزهار من صبغة الحــب، وضحك الغمامة الوطفاء
وائتلاق النجوم كالشرر المعــلن عن نار لوعة في السماء!
كل هذا بشير عهدٍ زكيوحياةٍ عظيمة الإحياء
نام عنها الذين عاشوا من الموتى كنوم الحجارة الصماء
ورأونا شبه المجانين من فرط سرورٍ بوحيها واحتفاء!
وأراك الشاكي كثيرًا من الخلــق وقد أتقنوا فنون الدهاء
قال منهم من قال: لا خير في الصدْق، ولكن في الفن والإيماء
أترى الفن غير صدقٍ وإخلاص، أم الفن سفسطات الرياء؟!
لا تُمزِّق وجدانك العمرَ بالشكــوى وتكفيك لذةُ البناء
لست والله من يفوقك في الحظفعمري قصيدة من شقاء
قد توالت منذ الطفولة آلامي كعدِّ الأيام دون انتهاء
ولعلي إذا قضيتُ حوى قبــري رصيدًا منها ليوم الجزاء
إن من كان بالغَ الحسِّ لا يســلم مهما صفا من الإيذاء
عشتُ للحب أنهل العمرَ منهوأرى فيه راحتي وعزائي
وأعاف الشرابَ وحدي فأعطيــه قريرًا، والحبُّ أشهى غذائي
فأُجازَى بالبغض ممن حبتْهمهجتي الحبَّ دون منِّ العطاء
وأنا صابرٌ، وأبسم للدهــر جزاءً له على الإقذاء!
وذكرتَ النبيَّ ينكر في المحــنة، لكن يجل عند الرخاء
فلماذا تطيق إخفاءَ ما تبــدع حين الأذاة في الإخفاء؟
ثقْ بما أنت منتج طالما كان مثالًا لحسك المترائي
أي حسن للماس في ظلمة المنــجم حين الجمال زين المرائي؟
أي عطر للزهر ما دام في الكمْمِ وإن كان آيةً في الرواء؟
أي سحر للبدر ما دام لا يطــلع مهما اشتهته عين الرائي؟
أي معنى للفن إن كان إضمارًا بعيدًا عن خاطر الفهماء؟
أي حظ يرجى لعمر جنينغائب في قرارة الأحشاء؟
فتقدم ولا تهبْ، وانفح الشعــر براح العلياء والأدباء
ما أرى الشعر في غنى عن نظيمبنظيم، وعن سنًى بسناء
وأرى الحسن لا يحدُّ بحدٍّفمن الغبن قتله باكتفاء
ذاك عهدي، فإنني دائم النشــر لحسن الألباب والأشياء
وكأني بها تعبر عن نفــسي، ونفسي مثالُها في الولاء
كل ما شاقني لغيري تفانيــتُ بتكريمه بلا استثناء
وأبيتُ الثناء مذ كان تكريــمي لروح تسيل في أعضائي!
فلتثقْ من خلوص نصحي لإبلاغك أسنى مراتب الأكفاء
وحرامٌ حرمانُ مَن روحه أولَى بمجد السماء لا الغبراء
وإذا الناس أغفلوا الشاعر المبــدع ذاقوا خسارة الأغبياء
حينما روحه العظيمة تنأىعن أذاهم في مُلك هذا الفضاء
فعليهم خسارُه، وله الغنــمُ كغنم الضنين للأدعياء
وعليهم حرمانه الشدوَ باللحــن، وقد صان لحنه للذكاء
وتحدثتَ عن مفاتن بحرو«بلاج» خصصتُه بدعائي
خطرت «أفرديتُ» فيه وكانتكرسول من أمنا «حواء»
وتجلت بكل هيفاء مرتكتجلي الحبور في النعماء
خلعت كلَّ ساتر من ثيابغير ثوب الملاحة الزهراء!
وتمادت ما بين صدٍّ وإغراءٍ، بلا موجب إلى الإغراء
ولقد لُحن أشبه الخلق بالشعــر: خيالًا، في ثورة، في ثراء
ما خشين الدأماء، والليل كالبحــر، ولكن سطعن في الدأماء
وتحولن فتنةً لبني (آدم) للثأر من وجود مُرائي
وبروحي عَودي أسيرًا لنجواهن، مستسلمًا لحكم القضاء
أرجح الظن أن «آدم» قد كان أميرًا للشعر يوم الفداء!
وذممتَ السلاف، وهي لعمريمن عصير الأرواح لا الأهواء
كلما ذقتها أضفت إلى روحك روحًا من أهلها الأوفياء
من بنات الكروم في حُلل (العذراء) طهرًا وفي ندى الحكماء
يرتضين الفداءَ للعاشقيــهنَّ ارتضاءَ الخلود عند افتداء
وارتضاءَ الندى التبخُّرَ في النور ليغدو أشعةً من ذكاء!
خمرة الكرم هي أكرم عنديمن رحيق الجنان للأتقياء
هذه قد زكت بما تهب الأرضُ بعدلٍ وما حوت من شفاء
حينما تلك شبهُ سخرية الربْبِ ومطل الشقاء للأشقياء
اشرب الخمر حين تشرب كأسيْـن فيُنهَى إليك منك انتشائي
وابعث الكأس تحفة من نظيموكأني لديك في الجلساء
وإذا ما مزجت خمرك بالشعــر تذوقتُ منك ري الظماء
لك في الراح منبرٌ وقصيدٌهو مغنٍ عن منبر الخطباء
وتلطفتَ إذْ تقبلت ديواني بشوق تقبل الأكفياء
وغنائي فيه تعالى عن الزهــو فقد كان في غنائي رثائي
حينما لم يصب سوى الهجو من قوم حياتي لهم فداموا بلائي
ومن الناس من تكون دواءًلأساهم وهم عيون الداء
غير أني أعيش في عالم منيوإنْ قدَّروه محضَ الغباء!
في قصيٍّ آتٍ من الخلق والدنــيا، وفي راحة من البأساء
حيث يرقى الجمال عرشًا هو الحاكم حكم البريْء في الأبرياء
حيث يغدو الإنسان شبهَ إلهفي غنًى عن شفاعة الشفعاء
هَمُّه همة الفتوح وما يفــضي إلى الحسن في اطراد النداء
ما له من سآمة يتقيهاأو ثقيل من مرهق الأعباء
بل له كل ما تمنَّى بعقلٍقاهر نافذٍ إلى الجوزاء
فلمثلي سيان ذكراه مشكورًا أو القدح، بل فنون الهجاء!
فنظيمي لُبِّي، ولو أحرقوا شعــري لما بُلِّغوا لجرحي بكائي!
في فؤادي أضعافُ أضعاف ما صغْـت، وقد صنتُه عن الأدنياء!
وكفاني أن يضمد الجرحَ في قلــبي خليلٌ رأى همومي دمائي!
عن القصيدة
««٢» رد صاحب الديوان» من شعر أحمد زكي أبو شادي، من العصر الحديث، وتقع في ١٠٢ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.